الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الاغتسال ودخول الحمام للمحرم

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ثم إلى منى فارم الجمار الثلاث في ثاني النحر بعد الزوال بادئا بما يلي المسجد ثم بما يليها ثم بجمرة العقبة وقف عند كل رمي بعده رمي ثم غدا كذلك ثم بعده كذلك إن مكثت ) أي ثم رح إلى منى فارم الجمار اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر البيتوتة بمنى ; لأنها ليست بواجبة ; لأن المقصود الرمي لكن هي سنة حتى قال الإسبيجابي ولا يبيت بمكة ولا بالطريق ، ويكره أن يبيت في غير أيام منى .

وأشار بقوله بعد الزوال إلى أول وقته في ثاني النحر وثالثه حتى لو رمى قبل الزوال لا يجوز ، ولم يذكر آخره وهو ممتد إلى طلوع الشمس من الغد فلو رمى ليلا صح وكره كذا في المحيط فظهر أن له وقتين وقتا لصحة ووقتا لكراهة بخلاف الرمي في اليوم الأول فإن له أربعة أوقات كما بيناه وما في الفتاوى الظهيرية من أن اليوم الثاني من أيام التشريق كاليوم الأول

ولو أراد أن ينفر في هذا اليوم له أن يرمي قبل الزوال ، وإنما لا يجوز قبل الزوال لمن لا يريد النفر فمحمول على غير ظاهر الرواية فإن ظاهر الرواية أنه لا يدخل وقته في اليومين إلا بعد الزوال مطلقا وفي المحيط لو أخر رمي الجمار كلها إلى اليوم الرابع رماها على التأليف ; لأن أيام التشريق كلها وقت رمي فيقضي مرتبا كالمسنون وعليه دم واحد عند أبي حنيفة ; لأن الجنايات اجتمعت من جنس واحد فيتعلق بها كفارة واحدة ولو تركها حتى غابت [ ص: 375 ] الشمس في آخر أيام التشريق يسقط الرمي لانقضاء وقته وعليه دم واحد اتفاقا ا هـ .

فظهر بهذا أن للرمي وقت أداء ووقت قضاء ، وأفاد بقوله بادئا إلى آخره إلى الترتيب بين الجمار الثلاث وهو ثابت من فعله عليه السلام ولم يبين أنه واجب أو سنة وفيه اختلاف ففي الظهيرية فإن غير هذا الترتيب فبدأ في اليوم الثاني بجمرة العقبة فرماها ثم بالوسطى ثم بالتي تلي مسجد الخيف بمنى وهو بعد في يومه أعاد الجمرة الوسطى وجمرة العقبة ليأتي بها مرتبا مسنونا وعلل في المحيط بأن الترتيب مسنون قال وإن لم يعد أجزأه لأن رمي كل جمرة قربة تامة بنفسها وليست بتابعة للبعض فلا يتعلق جوازها بتقديم البعض دون البعض كالطواف قبل الرمي يقع معتدا به وإذا كان مسنونا

فإن رمى كل جمرة بثلاث أتم الأولى بأربع ثم أعاد الوسطى بسبع ثم العقبة بسبع ; لأنه رمى من الأولى أقلها ، والأقل لا يقوم مقام الكل فلا عبرة به فكأنه أتى بهما قبل الأولى أصلا فيعيدهما فإن رمى كل واحدة بأربع أتم كل واحدة بثلاث ; لأنه أتى بالأكثر من الأولى وللأكثر حكم الكل فكأنه رمى الثانية والثالثة بعد الأولى ، وإن استقبل رميها كان أفضل ليكون إتيانه له على الوجه المسنون وعن محمد لو رمى الجمار الثلاث فإذا في يده أربع حصيات لا يدري من أيتهن هي يرميهن عن الأولى ، ويستقبل الجمرتين الباقيتين لاحتمال أنها من الأولى فلم يجز رمي الأخريين ، ولو كن ثلاثا أعاد على كل جمرة واحدة ولو كانت حصاة أو حصاتين أعاد كل واحدة ويجزئه ; لأنه رمى كل واحدة بأكثرها فوقع معتدا به ، ولكن لم يقع مسنونا ا هـ ما في المحيط وهو صريح في الخلاف وفي اختيار السنية

واعتمده المحقق ابن الهمام وقال في المجمع ، ويسقط الترتيب في الرمي وأفاد بقوله إن مكثت أنه مخير في اليوم الثالث بين النفر والإقامة للرمي في اليوم الرابع ، والإقامة أفضل اتباعا لفعله عليه السلام كذلك وأن الإقامة لطلوع الفجر يوم الرابع موجبة للرمي فيه وبإطلاقه أنه لا فرق بين المكي والآفاقي في هذه الأحكام لعموم قوله تعالى { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } وهو كالمسافر مخير بين الصوم والفطر ، والصوم أفضل وقد قدمنا معنى قوله وقف عند كل رمي بعده رمي في بحث رمي جمرة العقبة فراجعه وينبغي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويدعو الله بحاجته ويجعل باطن كفيه إلى السماء في رفع يده ، وأن يستغفر لأبويه وأقاربه ومعارفه للحديث { اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج } وفي فتح القدير ومن كان مريضا لا يستطيع الرمي يوضع في يده ويرمى بها أو يرمي عنه غيره ، وكذا المغمى عليه

ولو رمى بحصاتين إحداهما لنفسه والأخرى للآخر [ ص: 376 ] جاز ، ويكره ولا ينبغي أن يترك الجماعة مع الإمام بمسجد الخيف ويكثر من الصلاة فيه أمام المنارة عند الأحجار ا هـ .

وقد قدمنا أن المرأة لو تركت الوقوف بالمزدلفة لأجل الزحام لا يلزمها شيء فينبغي أنها لو تركت الرمي له لا يلزمها شيء والله سبحانه أعلم .

التالي السابق


( قوله وهو ممتد إلى طلوع الشمس من الغد ) ذكر مثله في البحر العميق ومنسك الفارسي والطرابلسي ، ويخالفه ما في لباب المناسك وشرحه من أنه إذا طلع الفجر فقد فات وقت الأداء عند الإمام خلافا لهما وبقي وقت القضاء اتفاقا فهو صريح في أن آخر الرمي في هذين اليومين طلوع الفجر ، وأقره عليه الشارح المرشدي ومثله في منسك العفيف ، ويدل عليه قول صاحب البدائع فإن أخر الرمي فيهما إلى الليل فرمى قبل طلوع الفجر جاز ولا شيء عليه ; لأن الليل وقت الرمي في أيام الرمي لما روينا من الحديث ا هـ .

وقول الحاوي القدسي والمكروه في اليوم الأول ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وكذا في اليوم الرابع عند أبي حنيفة وما بين هذه الأيام كلها من الليالي الثلاث ا هـ .

وقول الحدادي في الجوهرة فإن رمى بالليل قبل طلوع الفجر جاز ولا شيء عليه ا هـ .

وكأن فيه اختلاف الرواية ثم رأيت في المنسك الأوسط للمنلا سنان الرومي حكاية الخلاف حيث قال

وقال أصحابنا إن وقت أداء رمي الجمار في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق من زوال الشمس إلى طلوع الفجر من الغد ، وقال بعضهم إلى طلوع الشمس من الغد ا هـ .

كذا في حاشية المدني عن حاشية شيخه . ( قوله فظهر أن له وقتين إلخ ) فوقت الصحة من الزوال إلى طلوع الشمس ووقت الكراهة من غروب الشمس إلى طلوعها ، وهذا كله وقت الأداء في اليومين الثاني والثالث قال في اللباب وشرحه وإذا طلع الفجر أي صبح الرابع فقد فات وقت الأداء أي عند الإمام خلافا لهما ، وبقي وقت القضاء أي اتفاقا إلى آخر أيام التشريق فلو أخره أي الرمي عن وقته أي المعين له في كل يوم فعليه القضاء والجزاء وهو لزوم الدم ، ويفوت وقت القضاء بغروب الشمس من الرابع ا هـ .

وسيشير إلى ذلك قريبا [ ص: 375 ] ( قوله فظهر بهذا إلخ ) قال في اللباب وبغروب الشمس من هذا اليوم أي الرابع يفوت وقت الأداء والقضاء بخلاف ما قبله ، ولو لم يرم يوم النحر أو الثاني أو الثالث رماه في الليلة المقبلة أي الآتية لكل من الأيام الماضية ولا شيء عليه سوى الإساءة إن لم يكن بعذر ، ولو رمى ليلة الحادي عشر عن غدها لم يصح ; لأن الليالي في الحج في حكم الأيام الماضية لا المستقبلة أي فيجوز رمي يوم الثاني من أيام النحر ليلة الثالثة ، ولا يجوز فيها رمي يوم الثالث ولو لم يرم في الليل رماه في النهار قضاء وعليه الكفارة ، ولو أخر رمي الأيام كلها إلى الرابع مثلا قضاها كلها فيه وعليه الجزاء ، وإن لم يقض حتى غربت الشمس منه أي من الرابع فات وقت القضاء ، وليست هذه الليلة أي ليلة الرابع عشر تابعة لما قبلها ليبقى وقت الرمي فيها بخلاف الليالي التي قبلها ا هـ .

موضحا من شرحه ، والحاصل أنه لو أخر الرمي في غير اليوم الرابع يرمي في الليلة التي تلي ذلك اليوم الذي أخر رميه وكان أداء ; لأنها تابعة له ، وليس عليه سوى الإساءة لتركه السنة وإن أخره إلى اليوم الثاني كان قضاء ، ولزمه دم وكذا لو أخر الكل إلى الرابع فإذا غربت شمس الرابع ولم يرم سقط الرمي ولزمه دم ( قوله فلم يجز رمي الأخريين ) أي بناء على وجوب الترتيب ، وهذا مقابل للقول بالسنية المشار إليه بقوله ليكون إتيانه على الوجه المسنون ، ولذا عبر بقوله وعن محمد ليدل على أنه قول آخر فتدبر .

( قوله وفي اختيار السنة ) قال في النهر هذا سهو بل في اختيار التعيين نعم قال في الفتح الذي يقع عندي استنان الترتيب لا تعيينه بخلاف تعيين الأيام والفرق ولا يخفى على محصل ا هـ .

أقول : وفيه نظر بل الصواب ما قاله المؤلف فإن صريح كلام المحيط اختيار السنية أيضا حيث قال وإذا كان مسنونا إلخ وقرر كلامه عليه ثم نقل التعيين بقوله وعن محمد ، وهذا العنوان كالصريح في اختيار السنية فمن أين جاء اختيار التعيين وفي اللباب والأكثر على أنه سنة قال شارحه كما صرح به صاحب البدائع والكرماني والمحيط وفتاوى السراجية .

( قوله لمن اتقى ) قال في النهر متعلق بما قبله على اعتبار حاصل المعنى أي هذا التخيير ، ونفي الإثم عنهما للمتقي لئلا يقع في قلبه أن أحدهما يوجب إثما في الإقدام عليه ( قوله ويجعل باطن كفيه إلى السماء ) قال في النهر وظاهر الرواية أنه يجعل باطن كفيه نحو الكعبة كما في السراج ، وقال الثاني يرفع يديه حذاء منكبيه كما في سائر الأدعية ، واقتصر عليه في البحر ا هـ .

قال في شرح اللباب [ ص: 376 ] واختاره قاضي خان وغيره والظاهر الأول .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث