الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الأولياء والأكفاء في النكاح

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ولا تجبر بكر بالغة على النكاح ) أي لا ينفذ عقد الولي عليها بغير رضاها عندنا خلافا للشافعي له : الاعتبار بالصغيرة ، وهذا ; لأنها جاهلة بأمر النكاح لعدم التجربة ولهذا يقبض الأب صداقها بغير أمرها . ولنا : أنها حرة مخاطبة فلا يكون للغير عليها ولاية والولاية على الصغير لقصور عقلها ، وقد كمل بالبلوغ بدليل توجه الخطاب فصار كالغلام وكالتصرف في المال ، وإنما يملك الأب قبض الصداق برضاها دلالة فيبرأ الزوج بالدفع إليه ولهذا لا يملك مع نهيها ، والجد كالأب كما في الخانية وزاد في جوامع الفقه القاضي وجعله كالأب وفي المبسوط بخلاف سائر الأولياء ليس لهم حق قبض مهرها بدون أمرها ; لأنه معبر وكما لا تتوجه المطالبة عليه بتسليم المعقود عليه لا يكون إليه قبض البدل وبخلاف سائر الديون فإن الأب لا يملك قبضها كما في المجتبى

وهذا كله إذا قبض الأب المسمى قال في الظهيرية رجل تزوج امرأة بكرا بالغة على مهر مسمى ودفع إلى أبيها مهرها ضيعة فلما بلغها الخبر قالت لا أرضى بما فعل الأب ينظر إن كان في بلدة لم يجر التعارف بدفع الضيعة في المهر لم يجز ; لأن هذا شراء والبلوغ قاطع للولاية وإن كان في بلدة جرى التعارف بذلك جاز ; لأن هذا قبض للمهر وإن كانت البنت صغيرة فأخذ الأب مكان المهر ضيعة لا تساوي المهر فإن كان في بلد جرى التعارف بذلك جاز وإلا فلا ا هـ .

زاد في الذخيرة وعليه الفتوى وفيها أيضا : وليس للأب قبض ما وهبه أو أهداه الزوج للبكر البالغة قبل الدخول حتى لو قبضها بغير إذنها كان للزوج الاسترداد . ا هـ .

وأما قبض الصغير فللاب والجد والوصي دون سائر الأولياء ولو أما فلو دفعه إلى أمها فإن وصية برئ وإلا خيرت بعد بلوغها بين أخذها منه أو منها وله أن يرجع على الأم إن أخذت منه البنت كما في المحيط وغيره ، وللأب والجد المطالبة به وإن كانت صغيرة لا يستمتع بها ، بخلاف النفقة . والقاضي كالأب إلا إذا زفت ، وليس لأحد قبض مهر الثيب البالغة فلو اختلف الأب والزوج في الدخول فالقول للأب ويحلف على نفي العلم إن لم تعترف المرأة به وله تحليفها أيضا على أنه لم يدخل بها كما في الذخيرة وإقرار الأب بقبض الصداق عند إنكارها وعدم البينة غير مقبول إن كانت وقته ثيبا بالغة وإلا فمقبول وإقراره أنه قبضه وهي صغيرة مع إنكارها وعدم البيان غير مقبول إن كانت وقته بالغة وإلا فمقبول وترجع على الزوج [ ص: 119 ] وليس للزوج أن يرجع على الأب إلا إذا شرط براءته من الصداق وقت القبض كما في فتح القدير وغيره وفي الذخيرة والحكم فيما بين الوكيل والمدين ورب الدين في مثل هذا نظير الحكم فيما بين الأب والمرأة والزوج . ا هـ .

وفي المحيط رجل قبض مهر ابنته من الزوج ثم ادعى عليه الرد ثانيا إن كانت المرأة بكرا لم يصدق إلا ببينة ; لأن له حق القبض وليس له حق الرد وإن كانت ثيبا صدق ; لأنه ليس له حق القبض فإذا قبض بأمر الزوج كان أمانة للزوج عنده فيصدق في رد الأمانة عليه كالمودع إذا قال رددت الوديعة . ا هـ .

وفي الذخيرة للأب المخاصمة مع الزوج في مهر البكر البالغة كما له أن يقبضه ، ولا يشترط إحضار المرأة للاستيفاء عندنا خلافا لزفر فإن قال الزوج للقاضي : مر الأب فليقبض المهر مني وليسلم الجارية إلي ، فإن القاضي يقول له : اقبض المهر وادفعها إليه ، فإن امتنع الأب من ذلك ليس على الزوج دفعه إليه ولو قال الأب : ليست في منزلي ولا أعرف مكانها فليس على الزوج دفعه أيضا ، وإن قال الأب : هي في منزلي ، وإنما أقبض المهر وأجهزها به وأسلمها إليه فالقاضي يأمر الزوج بالدفع إليه فإن طلب الزوج كفيلا بالمهر فالقاضي يأمر الأب بكفيل بالمهر فإذا أتى بكفيل أمر الزوج بدفع المهر فإن سلم البنت إليه برئ الكفيل وإن عجز عن ذلك توصل الزوج إلى حقه بالكفيل فيعتدل النظر من الجانبين ، وهكذا كان يقول أبو يوسف أولا ثم رجع وقال : القاضي يأمر الأب أن يجعل المرأة مهيأة للتسليم ويحضرها ويأمر الزوج بدفع المهر والأب بتسليم البنت فيكون دفع الزوج المهر عند تسليمها نفسها إلى الزوج ; لأن النظر لا يحصل للزوج بالكفالة ; لأنه لا يصل إلى المرأة لا محالة بالكفالة ، وإنما النظر في تسليم المهر بحضرتها ، قال الخصاف ، وهذا أحسن القولين ا هـ وفي الخلاصة الأب إذا جعل بعض مهر البنت آجلا والبعض عاجلا ووهب البعض كما هو المعهود ، ثم قال : إن لم تجز البنت الهبة فقد ضمنت من مالي أن أؤدي قدر الهبة لا يصح هذا الضمان ا هـ .

التالي السابق


( قوله لا تساوي المهر ) قال الرملي قيد به ; لأنها لو ساوته جاز ; لأنه شراء الأب للابن بمثل القيمة . ( قوله والقاضي كالأب إلا إذا زفت ) قال الرملي أي بالزفاف إلى الزوج تنقطع ولاية القاضي عن قبض المهر واسترداد الصغيرة بخلاف غيره من الأولياء فإن لهم حق استردادها إلى منزلها ومنعها من الزوج حتى يدفع مهرها إلى من له حق قبضه كما في جامع الفصولين وغيره وإذا زفت الكبيرة انقطع الأب عن قبض المهر وإن كانت بكرا . ( قوله وإلا فمقبول ) أي وإن لم تكن ثيبا بالغة فإقراره مقبول ، وتحت هذا ثلاث صور : بأن كانت بكرا بالغة ، قال في البزازية أقر الأب بقبض الصداق إن بكرا صدق وإن ثيبا لا ا هـ .

أو كانت وقته صغيرة مطلقا ففي هذه الثلاثة يقبل ، وظاهر كلام البزازية أنه لا يقبل في الثيب الصغيرة [ ص: 119 ] لجعله المدار على البكارة والثيوبة .

قال الرملي وفي جامع الفصولين والحق أن يجعل الصغر مدار الحكم ا هـ .

والأكثر على إدارة الحكم على البكارة والثيوبة إلا في الثيب الصغيرة فإن الحكم فيها كالصغيرة البكر ، وقد نقله في جامع الفصولين عن فتاوى رشيد الدين وعن الجامع والفتاوى ، ونقله هنا عن الذخيرة فإن تقييده بالثيب البالغة يفيد أن البكر البالغة ، للأب ولاية قبض صداقها وهو الذي قدمه في صدر المقولة ومثله في البزازية ومجمع الفتاوى والظهيرية ، وأغلب كتب الفتاوى فليكن المعول عليه ، وهذا كله إن لم تنهه عن القبض ، أما إذا أنهته فلا يملكه ولا يبرأ الزوج منه ، صرح بذلك كثير من علمائنا فاعلم ذلك ا هـ .

، وقد مر التصريح به من المؤلف أيضا . ( قوله وفي الذخيرة للأب المخاصمة إلخ ) قال الرملي أي بغير وكالة منها كما في المضمرات وفي مجمع الفتاوى رجل تزوج امرأة بكرا ودفع المهر إلى [ ص: 120 ] الأب بريء وليس للأب أن يأخذ الزوج بالمهر إلا بوكالة منها ا هـ . فهو مخالف لما هنا تأمل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث