الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله والكفاءة تعتبر نسبا فقريش أكفاء والعرب أكفاء وحرية وإسلاما وأبوان فيهما كالآباء وديانة ومالا وحرفة ) ; لأن هذه الأشياء يقع بها التفاخر فيما بينهم فلا بد من اعتبارها وتعتبر الكفاءة عند ابتداء العقد وزوالها بعد ذلك لا يضر ولذا قال في الظهيرية ولو تزوجها وهو كفء لها ثم صار فاجرا داعرا لا يفسخ النكاح ا هـ .

وقد ذكر المصنف اعتبارها في ستة أشياء : الأول النسب وهو معروف ، وأما العرب فهم خلاف العجم واحدهم عربي والأعراب أهل البادية واحدهم أعرابي وجمع الأعراب أعاريب ، وقيل العرب جمع عربة بالهاء وهي النفس والعربي أيضا المنسوب إلى العرب قال تعالى { قرآنا عربيا } كذا في ضياء الحلوم وفيه : التقرش الاكتساب والتقرش التجمع وبذلك سميت قريش لاجتماعهم بمكة وتقرش الرجل إذا انتسب إلى قريش ا هـ .

ثم القرشيان من جمعهما أب هو النضر بن كنانة فمن دونه ومن لم ينسب إلا لأب فوقه فهو عربي غير قرشي والنضر هو الجد الثاني عشر للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان اقتصر البخاري في نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدنان والأئمة الأربعة الخلفاء رضي الله عنهم أجمعين كلهم من قريش لانتسابهم إلى النضر فمن دونه وليس فيهم هاشمي إلا علي رضي الله عنه فإن الجد الأول للنبي صلى الله عليه وسلم جده فإنه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فهو من أولاد هاشم

وأما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فإنه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجد السادس وهو مرة فإنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجد السابع وهو كعب فإنه عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رواح بن عدي بن معد ورياح [ ص: 140 ] بكسر الراء وبالياء تحتها نقطتان ، وأما عثمان رضي الله عنه فيجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الثالث وهو عبد مناف فإنه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وبهذا استدل المشايخ على أنه لا يعتبر التفاضل فيما بين قريش وهو المراد بقوله فقريش أكفاء حتى لو تزوجت هاشمية قرشيا غير هاشمي لم يرد عقدها وإن تزوجت عربيا غير قرشي لهم رده كتزويج العربية عجميا ، ووجه الاستدلال أن { النبي صلى الله عليه وسلم زوج بنته من عثمان وهو أموي لا هاشمي } وزوج علي رضي الله عنه بنته أم كلثوم من عمر وكان عدويا لا هاشميا فاندفع بذلك قول محمد من أنه تعتبر الزيادة بالخلافة حتى لا يكافئ أهل بيت الخلافة غيرهم من القرشيين ، هذا إن قصد به عدم المكافأة لا إن قصد به تسكين الفتنة وأفاد المصنف أن غير العربي لا يكافئ العربي وإن كان حسيبا أو عالما لكن ذكر قاضي خان في جامعه قالوا الحسيب يكون كفؤا للنسيب فالعالم العجمي يكون كفؤا للجاهل العربي والعلوية ; لأن شرف العلم فوق شرف النسب والحسب مكارم الأخلاق وفي المحيط عن صدر الإسلام الحسيب الذي له جاه وحشمة ومنصب وفي الينابيع الأصح أنه ليس كفؤا للعلوية ، وأصل ما ذكره المشايخ من ذلك ما روي عن أبي يوسف أن الذي أسلم بنفسه أو أعتق إذا أحرز من الفضائل ما يقابل نسب الآخر كان كفؤا له كذا في فتح القدير وكله تفقهات المشايخ وظاهر الرواية أن العجمي لا يكون كفؤا للعربية مطلقا .

[ ص: 140 ]

التالي السابق


[ ص: 140 ] ( قوله حتى لو تزوجت هاشمية قرشيا غير هاشمي لم يرد عقدها ) قال الرملي وفي الفيض للكركي والقرشي لا يكون كفؤا للهاشمي ا هـ .

ومثل ما في هذا الشرح في التبيين وكثير من شروح الكنز والهداية والتتارخانية وغالب المعتبرات فلعل كلمة لا في الفيض من زيادة النساخ تنسبه . ( قوله فاندفع بذلك قول محمد ) قال الرملي المفهوم من كلام الزيلعي والعيني ومنلا مسكين والنهر وكثير أنها رواية عن ( قوله قالوا الحسيب إلخ ) قال الرملي لا يخفى على أخي الفقه ما في قوله قالوا من التبري تأمل .

( قوله وكله تفقهات المشايخ إلخ ) قال الرملي قال في مجمع الفتاوى العالم يكون كفؤا للعلوية ; لأن شرف الحسب أقوى من شرف النسب وعن هذا قيل إن عائشة أفضل من فاطمة رضي الله تعالى عنهما ; لأن لعائشة شرف العلم كذا في المحيط أقول : وقد جزم به صاحب المحيط وارتضاه كما ارتضاه في فتح القدير ، ثم قال في النهر : وقد ارتضاه في فتح القدير وجزم به البزازي وجزم به في الفيض وجامع الفتاوى ، وذكره في الخلاصة بصيغة قال بعض المشايخ ، وقد جعله صاحب الغرر متنا وفي تنوير الأبصار العجمي لا يكون كفؤا للعربية ولو عالما وهو الأصح ا هـ .

قال في شرحه كذا في الفتح نقلا عن الينابيع أقول : وقد أخذه من البحر فتحرر أن فيه اختلافا ولكن حيث صح أن ظاهر الرواية أنه لا يكافئها فهو المذهب وخصوصا ، وقد نص في الينابيع أنه لا يصح تأمل ا هـ . كلام الرملي .

أقول : الثابت في ظاهر الرواية أن العجمي لا يكون كفؤا للعربية ، وهذا وإن كان ظاهره الإطلاق لكن قيده المشايخ بغير العالم ، وكم له من نظير حيث يكون اللفظ مطلقا فيحملونه على بعض مدلولاته أخذا من قواعد مذهبية أو مسائل فرعية أو أدلة شرعية أو عقلية ، وقد أفتى في آخر الفتاوى الخيرية في قرشي جاهل تقدم على عالم في مجلس بأنه يحرم إذ كتب العلماء طافحة بتقدم العالم على القرشي ولم يفرق سبحانه وتعالى بين القرشي وغيره في قوله { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } إلخ وحيث جزم بهذا في مجمع الفتاوى والمحيط والبزازية والفيض وارتضاه المحقق ابن الهمام يجوز العمل به ولا يقال إنه مخالف لظاهر الرواية ، وأما ما صححه في الينابيع فهو مبني على تفسير الحسيب بذي المنصب والجاه لا على تفسيره بالعالم والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث