الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله والمتعة إن طلقها قبل الوطء ) أي لها المتعة إن لم يسم شيئا وطلقها قبل الوطء والخلوة لقوله تعالى { ومتعوهن على الموسع قدره } الآية ثم هذه المتعة واجبة رجوعا إلى الأمر ولا يكون لفظ المحسنين قرينة صارفة إلى الندب ; لأن المحسن أعم من المتطوع والقائم بالواجب أيضا فلا ينافي الوجوب مع ما انضم إليه من لفظ حقا وعلى وفي الأسرارللدبوسي قال علماؤنا والمتعة بعد الطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه تجب خلفا عن مهر المثل الذي كان واجبا به قبل الطلاق بدلا عن الملك الواقع بالعقد للرجل على المرأة في الحالين جميعا ا هـ .

ثم اعلم أن المتعة إنما تجب في موضع لم تصح التسمية من كل وجه أما إذا صحت من وجه دون وجه فإنه لا تجب المتعة وإن وجب مهر المثل بالدخول كما إذا تزوجها على ألف درهم وكرامتها أو على ألف وعلى أن يهدي لها هدية وأنه إذا طلقها قبل الدخول كان لها نصف الألف لا المتعة مع أنه لو دخل بها وجب مهر المثل لا ينقص من الألف كما في غاية البيان ; لأن المسمى لم يفسد من كل وجه ; لأنه على تقدير كرامتها والإهداء [ ص: 158 ] يوجب الألف لا مهر المثل قيد بالطلاق والمراد منه فرقة جاءت من قبله ولم يشاركه صاحب المهر في سببها طلاقا كانت أو فسخا كالطلاق والفرقة بالإيلاء واللعان والجب والعنة وردته وإبائه الإسلام وتقبيله ابنتها أو أمها بشهوة للاحتراز عن فرقة جاءت من قبلها قبل الدخول فإنه لا متعة لها لا وجوبا ولا استحبابا كما في فتح القدير كما لا يجب نصف المسمى لو كان موجودا كردتها وإبائها الإسلام وتقبيلها ابنه بشهوة والرضاع وخيار البلوغ والعتق وعدم الكفاءة وقيدنا بأنه لم يشاركه في سبيها للاحتراز عما إذا اشترى منكوحته من المولى أو اشتراها وكيله منه فإن مالك المهر يشارك الزوج في السبب وهو الملك فلذا لا تجب المتعة ولا نصف المسمى بخلاف ما لو باعها المولى من رجل ثم اشتراها الزوج منه فإنها واجبة كما في التبيين .

( قوله وهي درع وخمار وملحفة ) وهو مروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما ودرع المرأة بالدال المهملة ما تلبسه فوق القميص وهو مذكر والخمار ما تغطي به المرأة رأسها والملحفة هي الملاءة وهي ما تلتحف به المرأة كذا في المغرب ولم يذكر في الذخيرة الدرع ، وإنما ذكر القميص وهو الظاهر وفي المعراج قال فخر الإسلام هذا في ديارهم أما في ديارنا تلبس أكثر من ذلك فيزاد على هذا إزار ومكعب ا هـ .

وفي البدائع ولو أعطاها قيمة الأثواب دراهم أو دنانير تجبر على القبول ; لأن الأثواب ما وجبت لعينها بل من حيث إنها مال كالشاة في خمس من الإبل في باب الزكاة ا هـ .

ولم يذكر المصنف اعتبارها بحاله أو بحالها للاختلاف فالكرخي اعتبر حالها واختاره القدوري

فإن كانت سفلة فمن الكرباس وإن كانت وسطة فمن القز وإن كانت مرتفعة الحال فمن الإبريسم فإنها بدل بضعها فتعتبر بحالها والإمام السرخسي اعتبر وصححه في الهداية عملا بقوله تعالى { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } لكن ليس على إطلاقه قالوا فلا تزاد على نصف مهر مثلها ; لأن الحق عند التسمية آكد وأثبت منه عند عدم التسمية ثم عندها لا يزاد على نصف المسمى فلأن لا يزاد عند عدمها على نصف مهر المثل أولى ولا تنقص المتعة عن خمسة دراهم ; لأنها تجب على طريق العوض وأقل عوض ثبت في النكاح نصف عشرة فلا بد في المتعة من ملاحظة هذين الأمرين فليس ملاحظة الأمرين مناقضا للقول باعتبار حاله كما في فتح القدير ودعواه بأن الملاحظة المذكورة صريحة في اعتبار حالها ممنوعة ; لأنها لو كانت غنية قيمة متعتها مائة درهم والزوج فقير يناسبه أن تكون المتعة في حقه عشرين درهما فعلى من اعتبر حاله الواجب عشرون وعلى من اعتبر حالها الواجب المائة نعم لو كان غنيا وحاله يقتضي مائة وهي فقيرة متعتها عشرون فحينئذ لا يزاد على العشرين لا باعتبار حالها بل لما ذكرناه والإمام الخصاف اعتبر حالهما قالوا وهو أشبه بالفقه وصححه الولوالجي ; لأن في اعتبار حاله تسوية بين الشريفة والخسيسة وهو منكر بين الناس فقد اختلف الترجيح

والأرجح قول الخصاف ; لأن الولوالجي في فتاواه صححه وقال وعليه الفتوى كما أفتوا به في النفقة وظاهر كلامهم أن ملاحظة الأمرين على جميع الأقوال معتبرة فلا يزاد على نصف مهر المثل ولا ينقص عن خمسة دراهم كما هو صريح الأصل و المبسوط وفي فتح القدير وإطلاق الذخيرة كونها وسطا لا بغاية الجودة ولا بغاية الرداءة لا يوافق رأيا من الثلاثة الاعتبار بحاله أو حالها أو حالهما ا هـ .

ولعله سهو ; لأن اعتبار الوسط موافق للأقوال كلها ; لأنه على قول من اعتبر حالها وكانت فقيرة مثلا [ ص: 159 ] فإنه يجب لها الكرباس الوسط لا الجيد ولا الرديء وفي المتوسطة قز وسط وفي المرتفعة إبريسم وسط وعلى قول من اعتبر حاله وكان فقيرا يجب لها الكرباس الوسط وإن كان متوسطا فقز وسط وإن كان غنيا فإبريسم وسط وعلى قول من اعتبر حالهما وإن كانا فقيرين فالواجب كرباس وسط وإن كانا غنيين فالواجب إبريسم وسط وإن كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا فالواجب قز وسط فقد علمت أن الوسط معتبر على كل تقدير وفي الظهيرية الكفيل بمهر المثل لا يكون كفيلا بالمتعة الواجبة والرهن بمهر المثل القياس أن لا يصير رهنا بالمتعة حتى لا يحبس بها وهو قول أبي يوسف

وفي الاستحسان يصير رهنا بالمتعة حتى يحبس بها وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد وهي من المسائل الثلاث التي رجع أبو يوسف من الاستحسان إلى القياس لقوة وجه القياس والثانية إذا تلا آية السجدة في ركعة ثم أعادها في الركعة الثانية القياس أن تكفيه سجدة واحدة وهو قول أبي يوسف الآخر وفي الاستحسان تلزمه أخرى وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد والثالثة العبد إذا جنى جناية فيما دون النفس يخير المولى بين الدفع والفداء وإن اختار الفداء ثم مات المجني عليه والقياس أن يخير المولى ثانيا وهو قول أبي يوسف الآخر وفي الاستحسان أن لا يخير وهو قوله الأول وهو قول محمد . ا هـ .

التالي السابق


( قوله ولعله سهو إلخ ) قال في النهر وعندي أنه ليس بسهو بل هو الساهي إذ ظاهر الإطلاق في الذخيرة يفيد أنه يجب من القز أبدا ; لأنه الوسط المطلق ، وهذا لا يوافق رأيا من الثلاثة ولا نسلم أن إيجاب الوسط من القز أو الكرباس إيجاب وسط مطلقا بل إيجاب وسط من الأعلى أو من الأدنى وظاهر أن المطلق خلاف المقيد نعم صرف الكلام عن ظاهره بحمل ما في الذخيرة على ما ادعاه في البحر ممكن واعتراضه في الفتح ليس إلا على الإطلاق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث