الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في المشيئة

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : أنت طالق متى شئت أو متى ما أو إذا أو إذا ما فردت الأمر لا يرتد ولا يتقيد بالمجلس ولا تطلق إلا واحدة ) أما في كلمة متى ومتى ما فلأنها للوقت وهي عامة في الأوقات كلها كأنه قال في أي وقت شئت فلا يقتصر على المجلس ، ولو ردت الأمر لم يكن ردا لأنه ملكها الطلاق في الوقت الذي شاءت فلم يكن تمليكا قبل المشيئة حتى يرتد بالرد ولا تطلق نفسها إلا واحدة لأنها تعم الأزمان دون الأفعال فتملك التطليق في كل زمان ولا تملك تطليقا بعد تطليق كذا في الهداية وتعقبه في فتح القدير بأن هذا ليس تمليكا في حال أصلا لأنه صرح بطلاقها معلقا بشرط مشيئتها فإذا وجدت مشيئتها وقع طلاقه وإنما يصح ما ذكره في طلقي نفسك متى شئت لأنها تتصرف بحكم الملك بخلاف ما لو قالت طلقت نفسي في هذه المسألة فإنه ، وإن وقع الطلاق لكن الواقع طلاقه المعلق وقولها طلقت إيجاد للشرط الذي هو مشيئة الطلاق على تقدير أن المشيئة تقارن الإيجاد ا هـ .

وجوابه أن هذا ، وإن كان تعليقا لكن أجروه مجرى التمليك في جميع الوجوه فيتقيد بالمجلس ويبطل بما يدل على الإعراض فإطلاق التمليك عليه صحيح ولذا قال في المحيط أنه يتضمن معنيين معنى التعليق وهو تعليق الطلاق بتطليقها ، والتعليق لازم لا يقبل الإبطال ويتضمن معنى التمليك لأن تعليق الطلاق بمشيئتها تمليك منها لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئته وإرادته وهي عاملة في التطليق لنفسها ، والمالك هو الذي يعمل لنفسه وجواب التمليك يقتصر على المجلس ا هـ .

وقال في المحيط من كتاب الأيمان من قسم التعليق معزيا إلى الجامع لو قال لها : أنت طالق إن شئت أو أحببت أو هويت فليس بيمين لأن هذا تمليك معنى تعليق صورة ولهذا يقتصر على المجلس ، والعبرة للمعنى دون الصورة ا هـ .

وفائدته أنه لا يحنث في يمينه لا يحلف وأما كلمة إذا وإذا ما فهي ومتى سواء عندهما وعند أبي حنيفة ، وإن كان تستعمل للشرط كما تستعمل للوقت لكن الأمر صار بيدها فلا يخرج بالشك ، وقد مر من قبل كذا في الهداية وتعقبه في فتح القدير بأن الوجه أن يقال إن قوله إذا شئت يحتمل أنه تعليق طلاقها بشرط هو مشيئتها وأنه إضافة إلى زمانه وعلى كل من التقديرين لا يرتد بالرد حتى إذا تحققت مشيئتها بعد ذلك بأن قالت شئت ذلك الطلاق أو قالت طلقت نفسي وقع معلقا كان أو مضافا لا ما قال المصنف من أن الأمر دخل في يدها فلا يخرج بالشك لأن معناه أنه ثبت ملكها بالتمليك فلا يخرج بالشك فالمراد بإذا أنه محض الشرط فيخرج من يدها بعد المجلس أو الزمان فلا يخرج كمتى ، وقد صرح آنفا في متى بعدم ثبوت التمليك قبل المشيئة لأنه إنما ملكها في الوقت الذي شاءت فيه فلم يكن تمليكا قبله حتى يرتد بالرد وعلى ما ذكرناه فالذي دخل ملكها تحقيق الشرط أو المضاف إليه الزمان وهو مشيئتها الطلاق ليقع طلاقه وعلى هذا [ ص: 368 ] فقولهم في قوله أنت طالق كلما شئت لها أن تطلق نفسها واحدة بعد واحدة معناه تطلق بمباشرة الشرط تجوزا بالتطليق عنه بأن تقول شئت طلاقي أو طلقت نفسي فيقع طلاقه عند تحقيق الشرط وإنما يصح كلامهم في قوله طلقي نفسك ا هـ .

ولم يذكر المصنف الحين ، وفي المحيط ولو قال حين شئت فهو بمنزلة قوله إذا شئت لأن الحين عبارة عن الوقت ا هـ .

ولم يذكر المصنف ما إذا جمع بين إن وإذا وذكره في المحيط فقال : ولو قال إن شئت فأنت طالق إذا شئت فلها مشيئتان مشيئة في الحال ومشيئة في عموم الأحوال لأنه علق مشيئتها في الحال طلاقا معلقا بمشيئتها في أي وقت كان ، والمعلق بالشرط كالمرسل عند وجود الشرط فإذا شاءت في المجلس صار كأنه قال أنت طالق إذا شئت ا هـ .

وفي فتح القدير آخر الفصل ، ولو قال لها : أنت طالق إذا شئت إن شئت أو أنت طالق إن شئت إذا شئت فهما سواء تطلق نفسها متى شاءت وعند أبي يوسف إن أخر قوله إن شئت فكذلك ، وإن قدمه تعتبر المشيئة في الحال فإن شاءت في المجلس تطلق نفسها بعد ذلك إذا شاءت ولو قامت عن المجلس قبل أن تقول شيئا بطل ثم ذكر ما نقلناه عن المحيط معزيا إلى السرخسي وإنما ذكر ما مع متى ليفيد أنها لا تفيد التكرار معها أيضا رد القول بعض النحاة أنه إذا زيد عليها ما كانت للتكرار قال في المصباح وهو ضعيف لأن الزائد لا يفيد غير التأكيد وهو عند بعض النحاة لا يغير ويقول قولهم إنما زيد قائم بمنزلة إن زيدا قائم فهو يحتمل العموم كما يحتمله إن زيدا قائم وعند الأكثر ينقل المعنى من احتمال العموم إلى معنى الحصر فإذا قيل إنما زيد قائم فالمعنى لا قائم إلا زيد ويقرب منه ما تقدم من أن ما يمكن استيعابه من الزمان يستعمل فيه متى وما لا يمكن استيعابه يستعمل فيه متى ما وهو القياس ، وإن وقعت شرطا كانت للحال في النفي وللحال ، والاستقبال في الإثبات ا هـ .

وفيه " إذا " لها معان أحدها : أن تكون ظرفا لما يستقبل من الزمان ، وفيها معنى الشرط نحو : إذا جئت أكرمتك .

والثاني : أن تكون للوقت المجرد نحو قم إذا احمر البسر أي وقت احمراره ، والثالث : أن تكون مرادفة للفاء فيجازى بها كقوله تعالى : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون } ا هـ .

[ ص: 366 - 367 ]

التالي السابق


[ ص: 366 - 367 ] ( قوله : وجوابه أن هذا ، وإن كان تعليقا لكن أجروه مجرى التمليك في جميع الوجوه فيتقيد بالمجلس ويبطل بما يدل على الإعراض ) قال المقدسي : لا يخفى أن محصل الجواب أنهم تسامحوا وجعلوا تعليق الطلاق بمشيئتها ، ونحوها في حكم التمليك لكونها إذا شاءت وقع فكأنها ملكته وهذا لا ينفي ما حققه في الفتح ، وفي النهر وهذا بعد أن الكلام في متى شئت سهو ظاهر يرشد إليه قول المصنف ولا يتقيد بالمجلس ا هـ .

وأجاب قبله عن التعقب بأن هذا بالنظر إلى صورته أما بالنظر إلى معناه فتمليك لأن المالك هو الذي يتصرف عن مشيئته وإرادته لنفسه وهذه كذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث