الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله وتنقطع إن طهرت من الحيض الأخير لعشرة ، وإن لم تغتسل ، ولأقل لا حتى تغتسل أو يمضي وقت صلاة ) أي ، وتنقطع الرجعة إن حكم بخروجها من الحيضة الثالثة إن كانت حرة أو الثانية إن كانت أمة لتمام عشرة أيام مطلقا ، وليس المراد من الطهارة هنا الانقطاع لأنها بمضي العشرة خرجت من الحيض ، وإن لم ينقطع .

                                                                                        وأشار بمضي الوقت إلى أنه لا بد من خروجه لتصير الصلاة دينا في ذمتها فإن كان الطهر في آخر الوقت فهو ذلك الزمن اليسير الذي تقدر فيه على الاغتسال والتحريمة لا ما دونه ، وإن كان في أوله لم يثبت هذا حتى يخرج جميعه لأن الصلاة لا تصير دينا إلا بذلك ، وعلى هذا لو طهرت في وقت مهمل كبعد الشروق لا تنقطع الرجعة إلى دخول وقت العصر ، وأطلق الاغتسال فشمل ما إذا اغتسلت بسؤر الحمار ، ولو مع وجود الماء المطلق فإنه تنقطع الرجعة لاحتمال طهارته ، وإن كانت لا تصلي به لاحتمال النجاسة ، ولذا لا يقربها الزوج ، ولا تتزوج بآخر احتياطا كما في التتارخانية ، وإنما شرط في الأقل أحد الشيئين لأنه لما احتمل عود الدم لبقاء المدة فلا بد من أن يتقوى الانقطاع بحقيقة الاغتسال أو يلزم شيء من أحكام الطاهرات فخرجت الكتابية لأنه لا يتوقع في حقها أمارة زائدة فاكتفى بالانقطاع كذا ذكره الشارحون ، وظاهره أن القاطع للرجعة الانقطاع لكن بما كان غير محقق اشترط معه ما يحققه فأفاد أنها لو اغتسلت ثم عاد الدم ، ولو يجاور العشرة كان له الرجعة ، وتبين أن الرجعة لم تنقطع بالغسل .

                                                                                        ولو تزوجت بعد الانقطاع للأقل قبل الغسل ، ومضى الوقت تبين صحة النكاح هكذا [ ص: 58 ] أفاد في فتح القدير بحثا ، وهو إن خالف ظاهر المتون لكن المعنى يساعده ، والقواعد لا تأباه ( قوله أو تتيمم وتصلي ) أي لا تنقطع الرجعة عند فقد الماء حتى تتيمم وتصلي به فرضا كان أو غيره ، ولا يكفي مجرد التيمم عندهما لأنها طهارة ضرورية لم تشرع إلا عند العجز عن الماء فلا بد لها من مؤكد فلا ينافيه قولهما في باب الإمامة إنها طهارة مطلقة حتى جوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم لأن مرادهما بالإطلاق أنه يرفع الحدث إلى غاية وجود الماء كالطهارة بالماء فهي مطلقة من هذه الجهة ، وإن كانت ضرورية من جهة أخرى ، وكذا لا ينافيه قول الكل في باب التيمم أيضا إنها مطلقة لما علمت ، ولا تنافي هنا أيضا بين قول محمد هنا إنها مطلقة حتى اكتفى بمجرد التيمم لانقطاعها وبين قوله في باب الإمامة إنها ضرورية حتى منع اقتداء المتوضئ بالمتيمم لما علمت أن الإطلاق من جهة ، والضرورة من جهة أخرى لكن محمدا عمل بالاحتياط فيهما ، وقد رجح في فتح القدير قولهما في الإمامة وقوله في الرجعة .

                                                                                        وتمام تحقيقه فيه قيد توقف الانقطاع على الصلاة لأن حل قربان الزوج لها غير متوقف عليها بل يجوز قبل الصلاة ، وأجمعوا أن حلها للأزواج متوقف على صلاتها بذلك التيمم كما ذكره الإسبيجابي .

                                                                                        وأشار بقوله حتى تصلي إلى أنها لا تنقطع حتى تفرغ من الصلاة على الصحيح لاحتمال وجود الماء في أثنائها فتبطل ، وقيد بالصلاة لأنها لو قرأت القرآن بعد التيمم أو مست المصحف أو دخلت المسجد لا تنقطع الرجعة لأنها اتباع الصلاة فلا يعطى لها حكمها ، وقال الكرخي تنقطع لأنه من أحكام الطاهرات ( قوله ولو اغتسلت ، ونسيت أقل من عضو تنقطع ، ولو عضوا لا ) لأن ما دون العضو يتسارع إليه الجفاف لقلته فلا يتيقن بعدم وصول الماء إليه قيد بالانقطاع لأنه لا يحل لزوجها أن يقربها ، ولا يحل لها أن تتزوج بزوج آخر ما لم تغسل تلك اللمعة أو يمضي عليها أدنى وقت صلاة مع القدرة على الاغتسال كما ذكره الإسبيجابي ، والمراد بالعضو نحو اليد ، والرجل ، وبما دونهما نحو الإصبع ، والإصبعين ، وبعض العضو ، والساعد ، وأحد المنخرين ، وترك المضمضة أو الاستنشاق كترك عضو عند أبي يوسف ، وعنه وهو قول محمد كترك ما دون العضو ، وقيد بالنسيان لأنها لو تعمدت إخلاء ما دون العضو لا تنقطع .

                                                                                        [ ص: 57 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        [ ص: 57 ] ( قوله وظاهره أن القاطع للرجعة الانقطاع إلخ ) قال في النهر ودل كلامه أي المصنف أن هذا فيمن تخاطب بالغسل ، والصلاة أما الكتابية فبمجرد الانقطاع لما دون العشرة تنقطع رجعتها لعدم خطابها ، وينبغي أن تكون المجنونة والمعتوهة كذلك ، ولقائل أن يقول اشتراط الغسل بعد الانقطاع لتمام العادة قبل العشرة يرده الدليل ، وهو قوله تعالى { ثلاثة قروء } لخلوه عن اشتراطه ، وإن أجيب بأن تيقن الانقطاع منتف لغرض أنه ليس أكثر الحيض ، واحتمال عود الدم دفع بأن هذا الاغتسال الزائد لا يجدي قطع هذا الاحتمال لا في الواقع ، ولا شرعا لأنها لو اغتسلت ثم عاد الدم ، ولم يجاوز العشرة كان له الرجعة بعد أن قلنا انقطعت الرجعة فكان الحال موقوفا على عدم العود بعد الغسل كما هو كذلك قبله ، ولو راجعها بعد هذا الغسل الذي قلنا إن به تنقطع الرجعة ثم عاودها ، ولم يجاوز العشرة صحت رجعته ، وكذا الكلام في التيمم فليس جواب المسألة في الحقيقة إلا مقيدا هكذا إذا انقطع لأقل من عشرة ، ولم يعاودها أو عاودها ، ولم يتجاوزها ظهر انقطاع الرجعة من وقت الانقطاع لانقضاء العدة إذ ذاك حتى لو كانت تزوجت قبل الغسل ظهر صحته ، وإن عاودها الدم ، ولم يجاوز فالأحكام المذكورة بالعكس كذا في فتح القدير قال في البحر وهذا أعني صحة الرجعة والنكاح فيما إذا عاودها الدم فيما دون العشرة كذا أفاده في فتح القدير بحثا ، وهو وإن خالفه ظاهر المتون لكن المعنى يساعده . ا هـ .

                                                                                        وأنت قد علمت بأن البحث ليس إلا في اشتراط الغسل فقط ، ولا نسلم المخالفة لظاهر المتون لأنه لو عاودها تبين عدم انقطاعه ، والله تعالى الموفق ا هـ .

                                                                                        ولا يخفى عليك أن البحث في اشتراط الغسل يؤدي إلى صحة النكاح بعد الانقطاع للأقل قبل الغسل ، وكذا يؤدي إلى صحة الرجعة ، وعدم صحة النكاح لو اغتسلت ثم عاودها ، ولم يجاوز بل كل ذلك موجود في كلام الفتح فما معنى الرد على المؤلف في النقل ثم إن قول المتن ، ولأقل لا حتى تغتسل يفيد أنها لو لم تغتسل لا تنقطع الرجعة ، وإن لم يعاودها الدم ، وكذا يفيد عدم صحة تزوجها قبل الغسل ، وبحث صاحب الفتح بخلاف هذا كما لا يخفى ، وقوله قال في البحر وهذا أعني صحة الرجعة والنكاح إلخ الظاهر أن فيه سقطا ، والأصل وعدم صحة النكاح تأمل بقي أن ظاهر كلام المتن هنا أن الاغتسال فيما لو انقطع لأقل من العشرة يقطع الرجعة ، ولو كان لدون العادة ، وظاهر صدر عبارة الفتح السابقة تخصيصه بالعادة ، وذكر المؤلف في باب الحيض ما نصه وفي الخلاصة إذا انقطع دم المرأة دون عادتها المعروفة في حيض أو نفاس اغتسلت حتى تخاف فوت الصلاة وصلت واجتنب زوجها قربانها احتياطا حتى تأتي على عادتها لكن تصوم رمضان احتياطا ، ولو كانت هذه الحيضة هي الثالثة من العدة انقطعت الرجعة احتياطا ، ولا تتزوج بزوج آخر احتياطا فإن تزوجها رجل إن لم يعاودها الدم جاز ، وإن عاودها إن كان في العشرة ، ولم يزد على العشرة فسد نكاح الثاني ، وكذا صاحب الاستبراء يجتنبها احتياطا ا هـ .

                                                                                        قال في فتح القدير ومفهوم التقييد أنه إذا زاد لا يفسد ، ومراده إذا كان العود بعد انقضاء العادة أما قبلها فيفسد ، وإن زاد لأن الزيادة توجب الرد إلى العادة ، والفرض أنه عاودها فيها فظهر أن النكاح [ ص: 58 ] قبل انقضاء الحيضة ا هـ .

                                                                                        كلام المؤلف هناك ( قوله لأن حل قربان الزوج لها غير متوقف عليها إلخ ) مخالف لما مر تصحيحه في الطهارة ، وعبارة المؤلف هناك فالحاصل أن التيمم لا يوجب حل وطئها ، وانقطاع الرجعة ، وحلها للأزواج إلا بالصلاة على الصحيح من المذهب ، ونقل تصحيحه عن المبسوط وأنه عند الكل ثم قال لكن قال الإسبيجابي ، وأجمعوا أنه يقربها زوجها ، وإن لم تصل ، و لا تتزوج زوجا آخر ما لم تصل ، وفي انقطاع الرجعة الخلاف




                                                                                        الخدمات العلمية