الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الظهار

جزء التالي صفحة
السابق

ولما شرع في بيان الكفارة لم يقيده بقوله منكم فقال { والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } لكن لما لم يكن أهلا للكفارة لم يصح ظهاره قال بعضهم : والعجب من الشافعي أنه قيد الرقبة بالإيمان ولم يجوز أن يملك الكافر المؤمن وصحح ظهاره فكان تناقضا ورده بعض الشافعية بأنا عينا لكفارته الإطعام ولا يلزم من صحة الظهار أن يكون المظاهر أهلا لكل الأنواع بدليل أن ظهار العبد صحيح عندنا مع أنه ليس أهلا لغير الصوم ، ولو ظاهر المسلم ثم ارتد والعياذ بالله تعالى بقي ظهاره عند أبي حنيفة حتى لو أسلم لا يحل القربان إلا بالكفارة وعندهما لا يبقى ; لأن المرتد ليس أهلا لحكمه وهو الكفارة وله أن الحال حال بقاء حكمه وهو الحرمة لا حال الانعقاد والكفر ليس بمناف للحرمة وحكمه حرمة الوطء ودواعيه إلى غاية الكفارة

. ( قوله حرم الوطء ودواعيه بأنت علي كظهر أمي حتى يكفر ) أما حرمة الوطء فبالكتاب والسنة ، وأما حرمة الدواعي فلدخولها تحت النص المفيد لحرمة الوطء وهو قوله تعالى { من قبل أن يتماسا } ; لأنه لا موجب فيه للحمل على المجاز وهو الوطء لإمكان الحقيقة ويحرم الجماع ; لأنه من أفراد التماس فيحرم الكل بالنص كذا في فتح القدير ، وقد يقال إن الموجب للحمل على المجاز موجود وهو صدق التماس على المس بغير شهوة وليس بمحرم اتفاقا فالتحقيق خلاف ما زعم أنه التحقيق وهو أن الأصل أن الوطء إذا حرم حرم ما كان داعيا إليه ; لأن طريق المحرم محرم وقد استمر هذا في الاستبراء والإحرام والاعتكاف وخرج في الصوم والحيض عن هذا الأصل لنص صريح وهو أنه { عليه السلام كان يقبل بعض نسائه وهو صائم وكان يقبلها وهي حائض } وحكمته لزوم الحرج لو حرمت الدواعي في الصوم والحيض لكثرة وقوعهما بخلاف غيرهما .

وعن محمد للمظاهر تقبيلها إذ قدم من سفره بغير شهوة للشفقة والدواعي المباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها بشهوة كما في البدائع [ ص: 105 ] ولا يدخل فيها النظر إليها بشهوة ، وفي التتارخانية ولا يحرم النظر إلى ظهرها وبطنها ولا إلى الشعر والصدر ، وفي الهداية أن اللفظ الصريح أعني أنت علي كظهر أمي لا يكون إلا ظهارا ، ولو نوى به الطلاق لا يصح ; لأنه منسوخ فلا يتمكن من الإتيان به وهو يقتضي أن الظهار كان طلاقا في الإسلام حتى يوصف بالنسخ مع أنه قال أولا إنه كان طلاقا في الجاهلية وهو يقتضي إن جعله ظهارا ليس ناسخا ولم أر أحدا من شراحها تعرض لذلك ، وذكر الإمام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير البحث الثاني أن الظهار كان من أشد طلاق الجاهلية ; لأنه في التحريم أوكد ما يمكن فإن كان ذلك الحكم مقررا في الشرع كانت الآية ناسخة له وإلا لم يعد ناسخا في الشرع إلا في عادة الجاهلية لكن الذي روي أنه { عليه السلام قال لها : حرمت أو ما أراك إلا قد حرمت عليه } كالدلالة على أنه كان شرعا فأما ما روي أنه توقف في الحكم فلا يدل على ذلك ا هـ .

وأشار المصنف إلى أن هذه الحرمة لا ترتفع إلا بالكفارة فلا يبطل الظهار بزوال ملك النكاح ولا ببطلان حل المحلية حتى لو ظاهر منها ثم طلقها بائنا ثم تزوجها لا يحل له وطؤها حتى يكفر ، وكذا إذا كانت زوجته أمة وظاهر منها ثم اشتراها ، وكذا إذا كانت حرة فارتدت والعياذ بالله تعالى عن الإسلام ولحقت بدار الحرب فسبيت ثم اشتراها ، وفي المحيط أسلم زوج المجوسية فظاهر منها قبل عرض الإسلام عليها صح لكونه من أهل الكفارة ا هـ . .

التالي السابق


( قوله فالتحقيق خلاف ما زعم أنه التحقيق ) أجاب في النهر بأن المس بغير شهوة خارج بالإجماع ، وكذا النظر إليها أو إلى نحو ظهرها بشهوة ( قوله بغير شهوة للشفقة ) قال في النهر تقييده بعدم الشهوة تحريف ; لأن ذلك لا يخص المسافر [ ص: 105 ] ( قوله وهو يقتضي إن جعله ظهارا ليس ناسخا ) أقول : فيه نظر ; لأنه يجوز أنه كان طلاقا في الجاهلية والإسلام فجعله ظهارا ثانيا يكون نسخا وبه يحصل التوفيق بين كلامي الهداية ولعله إنما ساق بعده عبارة التفسير الكبير للإشارة إلى الجواب بما قلنا فإن ذلك التوفيق يؤخذ منها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث