الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : لا جنبا ) أي لا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل والمحققون على أن الموضع موضع النفي فلا حاجة إلى التصوير وحاصله أنه إذا أجنب وقد لبس على وضوء وجب نزع خفيه وغسل رجليه وذكر شمس الأئمة أن الجنابة ألزمته غسل جميع البدن ومع الخف لا يتأتى ذلك وفي الكفاية صورته توضأ ولبس جوربين مجلدين ثم أجنب ليس له أن يشدهما ويغسل سائر جسده مضطجعا ويمسح عليه ا هـ .

وبهذا اندفع ما في النهاية من أنه لا يتأتى الاغتسال مع وجود الخف ملبوسا وقيل صورته مسافر أجنب ولا ماء عنده فتيمم ولبس ثم أحدث ووجد ماء يكفي وضوءه لا يجوز له المسح ; لأن الجنابة سرت إلى القدمين والتيمم ليس بطهارة كاملة فلا يجوز له المسح إذا لبسهما على طهارته فينزعهما ويغسلهما فإذا فعل ولبس ثم أحدث وعنده ماء يكفي للوضوء توضأ ومسح ; لأن هذا الحدث يمنعه الخف السراية لوجوده بعد اللبس على طهارة كاملة فلو مر بعد ذلك بماء كثير عاد جنبا فإذا لم يغتسل حتى فقده تيمم له فإذا أحدث بعد ذلك وعنده ماء يكفي للوضوء توضأ وغسل رجليه ; لأنه عاد جنبا ، فإن أحدث بعد ذلك وعنده ماء للوضوء فقط توضأ ومسح وعلى هذا تجري المسائل وقد ذكر شراح الهداية أن هذا تكلف غير محتاج إليه

وفي فتح القدير أنه يفيد أنه يشترط لجواز المسح كون اللبس على طهارة الماء لا طهارة التيمم معللا بأن طهارة التيمم ليست بطهارة كاملة ، فإن أريد بعدم كمالها عدم الرفع عن الرجلين فهو ممنوع ، وإن أريد عدم إصابة الرجلين في الوظيفة حسا فيمنع تأثيره في نفي الكمال المعتبر في الطهارة التي يعقبها اللبس ويمكن أن يوجه الحكم المذكور بأن المسح على خلاف القياس ، وإنما ورد من فعله صلى الله عليه وسلم على طهارة الماء ولم يرد من قوله ما يوسع مورده فيلزم فيه الماء قصرا على مورد الشرع وحديث صفوان صريح في منعه للجنابة . ا هـ .

وهو ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة بسند صحيح عن صفوان بن عسال قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 177 ] يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها لا عن جنابة ولكن عن بول وغائط } وروي إلا من جنابة في كتب الحديث المشهورة وروي بحرف النفي وكلاهما صحيح ولكن المشهور رواية إلا الاستثنائية ووقع في كتب الفقه ولكن عن بول أو غائط أو نوم بأو والمشهور في كتب الحديث بالواو كذا ذكر النووي وفي معراج الدراية معزيا إلى المجتبى سألت أستاذي نجم الأئمة البخاري عن صورته فقال توضأ ولبس خفيه ثم أجنب ليس له أن يشد خفيه فوق الكعبين ثم يغتسل ويمسح

وما ذكروا من الصور ليس بصحيح ; لأن الجنابة لا تعود على الأصح ا هـ .

ولم يتعقبه ولا يخفى ضعفه ، فإنهم صرحوا بأن التيمم ينتقض برؤية الماء ، فإن كان جنبا وتيمم عادت الجنابة برؤية الماء ، وإن كان محدثا عاد الحدث والذي يدلك على أن الصورة المتقدمة تكلف أنها لا تناسب وضع المسألة إذ وضعها عدم جواز المسح للجنب في الغسل وما ذكر إنما هو عدم جوازه في الوضوء فليتنبه لذلك وفي شرح منية المصلي قوله من كل حدث موجب للوضوء احترازا من الجنابة ، وما في معناها مما يوجب الغسل كالحيض على أصل أبي يوسف في حق المرأة إذا كانت مسافرة ; لأن أقل الحيض عنده يومان وليلتان وأكثر اليوم الثالث والنفاس ، فإنه لا ينوب المسح على الخفين في هذه الأحداث عن غسل الرجلين لعدم جعل الخف مانعا من سرايتها إلى الرجل شرعا كما صرح به في الجنابة حديث صفوان المتقدم ويقاس الحيض والنفاس في ذلك عليها إن لم يكن فيها إجماع ا هـ .

وإنما جعل الحيض مبنيا على أصل أبي يوسف لظهور أنه لا يتأتى على أصلهما ، فإنها إذا توضأت ولبست الخفين ثم أحدثت وتوضأت ومسحت ثم حاضت كان ابتداء المدة من وقت الحدث ، فإذا انقطع الدم لثلاثة أيام انتقض المسح قبلها فلا يتصور أن يمنع المسح لأجل غسل الحيض ; لأنه امتنع لانتقاضه بمضي المدة ، وإن لبستهما في الحيض فغسل الرجلين واجب لفوات شرط المسح ، وهو لبس الخفين على طهارة والمقصود تصوير المسألة بحيث لا يكون مانع من مسح الخفين سوى وجوب الاغتسال وصورة عدم مسح النفساء أنها لبست على طهارة ثم نفست وانقطع قبل ثلاثة ، وهي مسافرة أو قبل يوم وليلة ، وهي مقيمة .

التالي السابق


( قوله : وروي إلا من جنابة ) قال بعض المحققين تقرير هذا الاستثناء والاستدراك الحاصلين بإلا ولكن هو أن الاستثناء من النزع ; لأنه أرخص لهم المسح مع ترك النزع ثم استثنى منه الجنابة فكأنه قال لا تنزعوها إلا عند غسل الجنابة ثم قال مستدركا لكن عن بول أو غائط أو نوم فلا تنزعوها وبيان ذلك أن قوله إلا من جنابة تقديره أمرنا أن ننزعها من جنابة وهذه جملة إيجابية فلما أراد أن يستدرك جاء بجملة فقال لكن لا تنزعها من غائط وبول ونوم وفائدة هذا الاستدراك تبيين الحالات التي تضمنتها الرخصة وأنها إنما جاءت في مثل هذه الأحداث خاصة لا في الجنابة ، وهذا التقدير ، وإن كان مرادا ، فإنه في حالة الإيجاب لا بد من ذكر الجملة بتمامها ، وإنما جاز حذفها في مثل هذا الموضع لدلالة الحال عليه ووجه الدلالة من وجهين أحدهما أن قوله أمرنا أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة ، وإن كان معناه الإيجاب إلا أنه على نفي والاستدراك من النفي لا يحتاج إلى ذكر الجملة بعده .

والثاني : أن قوله من غائط يستدعي عاملا يتعلق به حرف الجر وأقرب ما يضمر له من العوامل فعل دل الفعل الظاهر عليه ، وهو النزع فكان التقدير لكن لا ننزعها من غائط وبول ونوم وهذه معان دقيقة لا يدركها كثير من الأفهام .

( قوله : ولا يخفى ضعفه إلخ ) قد يقال معنى قوله ; لأن الجنابة لا تعود أي جنابة أعضاء الوضوء المغسولة لا تعود بمعنى أنه سقط عنها فرض الغسل فلا يجب غسلها ثانيا وذلك ; لأن قوله ; لأن الجنابة لا تعود رد لقولهم المار إذا أحدث وعنده ماء للوضوء توضأ وغسل رجليه ; لأنه عاد جنبا وقولهم قبله ; لأن الجنابة سرت إلى القدمين وحاصل الرد أنه إذا كان عنده ماء للوضوء فقط لا يعود الجنابة إذ ليس قادرا على الماء الكافي للجنابة ولا تعود جنابة أعضاء [ ص: 178 ] الوضوء فقط ; لأن الأصح أن الحدث لا يتجزأ زوالا ولا ثبوتا ، وإنما حل بأعضاء الوضوء الحدث الأصغر فيكون ما ذكروه من الصورة من قبيل المسح للحدث والكلام في المسح للجنب فلذا كان ما صوروه ليس بصحيح .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث