الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ولا تخطب معتدة ) أي : تحرم خطبتها وهي بكسر الخاء مصدر بمنزلة الخطب مثل قولك إنه لحسن القعدة والجلسة تريد القعود والجلوس وفي اشتقاقه وجهان الأول أن الخطب هو الأمر والشأن يقال ما خطبك أي : ما شأنك فقولهم خطب فلان فلانة أي : سألها أمرا وشأنا في نفسها والثاني أن أصل الخطبة من الخطاب الذي هو الكلام يقال خطب المرأة خطبة ; لأنه خاطب في عقد النكاح وخطب خطبة أي : خاطب بالزجر والوعظ والخطب الأمر العظيم ; لأنه يحتاج فيه إلى خطاب كثير كذا ذكر الإمام الرازي أطلقها فشمل المعتدة عن طلاق بنوعيه وعن وفاة وعن عتق وعن غير ذلك ولم أره صريحا وعلم منه حرمةخطبة المنكوحة بالأولى وتحرم تصريحا وتعريضا كما في البدائع وقيد بالمعتدة ; لأن الخالية عن نكاح وعدة تحل خطبتها تصريحا وتعريضا لجواز نكاحها لكن بشرط أن لا يخطبها غيره قبله ، فإن خطبها فعلى ثلاثة أوجه :

إما أن تصرح بالرضا فتحرم أو بالرد فتحل أو تسكت فقولان للعلماء ولم أر هذا التفصيل لأصحابنا وأصله الحديث الصحيح { لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه } وقيدوه بأن لا يأذن له واستفيد من حرمة خطبة المعتدة حرمة نكاحها على غير المطلق بالأولى وهو ظاهر ولكن جعلوا دليله قوله تعالى { ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله } ووجهه أن المراد لا تعقدوا وعبر عنه بالعزم ; لأنه سببه مبالغة في المنع عنه ، وقيل هو باق على حقيقته والمراد به الإيجاب يقال عزمت عليك أي أوجبت عليك والإيجاب سبب للوجود ظاهرا فكان مجازا عنه أي : لا توجدوا عقد النكاح ، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين ، وفي الكتاب وجهان أحدهما المكتوب والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها .

الثاني : أن الكتاب بمعنى الفرض أي : حتى يبلغ هذا الكتاب آخره ونهايته وتمامه في التفسير الكبير .

( قوله وصح التعريض ) وهو لغة خلاف التصريح والفرق بينه وبين الكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة ليس فيها ذكر كقولك ما أقبح البخل تعريض بأنه بخيل والكناية ذكر الرديف وإرادة المردوف كقولك فلان طويل النجاد وكثير رماد القدر يعني أنه طويل القامة ومضياف كذا في [ ص: 165 ] المغرب والمراد به هنا أن يذكر شيئا يدل على شيء لم يذكره نحو أن يقول إني أريد أن أتزوج امرأة من أمرها كذا أو من أمرها كذا كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما وما قيل : إن منه أن يقول لها إنك لجميلة وإني فيك لراغب وإنك لتعجبيني أو إني لأرجو أن أجتمع أنا وإياك وإنك لدينة فهو غير سديد ولا يحل لأحد أن يشافه امرأة أجنبية لا يحل له نكاحها للحال بمثل هذه الكلمات ; لأن بعضها صريح في الخطبة وبعضها صريح في إظهار الرغبة فلا يجوز شيء من ذلك كذا في البدائع وظاهره أن التعريض جائز لكل معتدة وليس كذلك بل لا يجوز إلا للمتوفى عنها زوجها بالإجماع كذا في المعراج .

وأما المطلقة فغير جائز لما فيه من إيراث العداوة بين المطلق والخاطب بخلاف الميت فإن النكاح قد انقطع فلا عداوة من الميت ولا ورثته والأصل في ذلك قوله تعالى { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا } قال الرازي في تفسيره أراد به المتوفى عنها زوجها بدليل سياق الآية والمعنى لا إثم عليكم فيما ذكرتم لهن من الألفاظ الموهمة لإرادة نكاحهن أو أضمرتم في أنفسكم فلم تنطقوا به تعريضا ولا تصريحا علم الله أنكم ستذكرونهن فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحا والاستثناء من لا تواعدوهن وهو منقطع ; لأن القول المعروف ليس داخلا في السر والاستدراك مما قدرناه وتمامه في التفسير الكبير .

التالي السابق


( قوله فقولان للعلماء ) قال الرملي مقتضى قولهم لا ينسب إلى ساكت قول ترجيح الجواز ( قوله وأصله الحديث إلخ ) قال الرملي وفي الذخيرة كما { نهى صلى الله عليه وسلم عن الاستيام على سوم الغير نهى عن الخطبة على خطبة الغير } والمراد من ذلك أن يركن قلب المرأة إلى خاطبها الأول كذا في التتارخانية في باب الكراهية ( قوله وقيدوه بأن لا يأذن ) قال الرملي أي : الخاطب الأول [ ص: 165 ] ( قوله وما قيل : إن منه إلخ ) قال في النهر فيه نظر فقد أخرج البيهقي عن ابن جبير في قوله تعالى { إلا أن تقولوا قولا معروفا } يقول إني فيك لراغب وإني لأرجو أن نجتمع قال في الفتح ونحوه إنك لجميلة أو صالحة فلا يصرح بنكاحها ولم يعول على ما في البدائع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث