الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التطهير بالدهن

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : لا الدهن ) أي لا يجوز التطهير بالدهن ; لأنه ليس بمزيل وما روي عن أبي يوسف من أنه لو غسل الدم من الثوب بدهن حتى ذهب أثره جاز فخلاف الظاهر عنه بل الظاهر عن أبي حنيفة وصاحبيه خلافه ، كذا في شرح منية المصلي وكذا ما روي في المحيط من كون اللبن مزيلا في رواية فضعيف وعلى ضعفه فهو محمول على ما إذا لم يكن فيه دسومة وفي المجتبى والماء المقيد ما استخرج بعلاج كماء الصابون والحرض والزعفران والأشجار والأثمار والباقلا فهو طاهر غير طهور يزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن جميعا كذا قال الكرخي والطحاوي وفي العيون لا يزيل عن البدن في قولهم جميعا والصحيح ما ذكراه ا هـ .

( قوله : والخف بالدلك بنجس ذي جرم وإلا يغسل ) بالرفع عطفا على البدن أي يطهر الخف بالدلك إذا أصابته نجاسة لها جرم ، وإن لم يكن لها جرم فلا بد من غسله لحديث أبي داود { إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر ، فإن رأى في نعله أذى أو قذرا فليمسحه وليصل فيهما } وفي حديث ابن خزيمة { فطهورهما التراب } وخالف فيه محمد والحديث حجة عليه ، ولهذا روي رجوعه كما في النهاية قيد بالخف ; لأن الثوب والبدن لا يطهران بالدلك إلا في المني ; لأن الثوب لتخلخله يتداخله كثير من أجزاء النجاسة فلا يخرجها إلا الغسل والبدن للينه ورطوبته وما به من العرق لا يجف ، فعلى هذا فما روي عن محمد في المسافر إذا أصاب يده نجاسة يمسحها بالتراب فمحمول على أن المسح لتقليل النجاسة لا للتطهير وإلا فمحمد لا يجوز الإزالة بغير الماء وهما لا يقولان بالدلك إلا في الخف والنعل ، كذا في فتح القدير وظاهر ما في النهاية أن المسح للتطهير فيحمل على أن عن محمد روايتين ولم يقيده بالجفاف للإشارة إلى أن قول أبي يوسف هنا هو الأصح فإن عنده لا تفصيل بين الرطب واليابس وهما قيداه بالجفاف وعلى قوله أكثر المشايخ وفي النهاية والعناية والخانية [ ص: 235 ] والخلاصة وعليه الفتوى وفي فتح القدير وهو المختار لعموم البلوى ولإطلاق الحديث وفي الكافي والفتوى أنه يطهر لو مسحه بالأرض بحيث لم يبق أثر النجاسة ا هـ

فعلم به أن المسح بالأرض لا يطهر إلا بشرط ذهاب أثر النجاسة وإلا لا يطهر وأطلق الجرم فشمل ما إذا كان الجرم منها أو من غيرها بأن ابتل الخف بخمر فمشي به على رمل أو رماد فاستجمد فمسحه بالأرض حتى تناثر طهر وهو الصحيح ، كذا في التبيين ، ثم الفاصل بينهما أن كل ما يبقى بعد الجفاف على ظاهر الخف كالعذرة والدم فهو جرم وما لا يرى بعد الجفاف فليس بجرم واشتراط الجرم قول الكل ; لأنه لو أصابه بول فيبس لم يجزه حتى يغسله ; لأن الأجزاء تتشرب فيه فاتفق الكل على أن المطلق مقيد فقيده أبو يوسف بغير الرقيق وقيداه بالجرم والجفاف

وإنما قيده أبو يوسف به ; لأنه مفاد بقوله طهور أي مزيل ونحن نعلم أن الخف إذا تشرب البول لا يزيله المسح فإطلاقه مصروف إلى ما يقبل الإزالة بالمسح ، كذا في النهاية والعناية وتعقبه في فتح القدير بأنه لا يخفى ما فيه إذ معنى طهور مطهر ، واعتبر ذلك شرعا بالمسح المصرح به في الحديث الآخر الذي ذكرناه مقتصرا عليه وكما لا يزيل ما تشرب به من الرقيق كذلك لا يزيل ما تشرب من الكثيف حال الرطوبة على ما هو المختار للفتوى باعتراف هذا المجيب .

والحاصل فيه بعد إزالة الجرم كالحاصل قبل الدلك في الرقيق فإنه لا يشرب إلا ما في استعداده قبوله ، وقد يصيبه من الكثيفة الرطبة مقدار كثير يشرب من رطوبته مقدار ما يشربه من بعض الرقيق . ا هـ .

وقد يفرق بأن التشرب ، وإن كان موجودا فيهما لكن عفي عنه في التشرب من الكثيف حال الرطوبة للضرورة والبلوى ولأنا نعلم أن الحديث يفيد طهارتها بالدلك مع الرطوبة إذ ما بين المسجد والمنزل ليس مسافة يجف في مدة قطعها ما أصاب الخف رطبا ولم يعف عن التشرب في الرقيق لعدم الضرورة والبلوى إذ قد جوزوا كون الجرم من غيرها بأن يمشي به على رمل أو تراب فيصير لها جرم فتطهر بالدلك فحيث أمكنه ذلك لا ضرورة في التطهير بدونه . والله سبحانه أعلم .

وذكر المصنف الدلك بالأرض تبعا لرواية الأصل وهو المسح فإنه ذكر في الأصل إذا مسحهما بالتراب يطهر وفي الجامع الصغير أنه إن حكه أو حته بعدما يبس طهر قال في النهاية قال مشايخنا لولا المذكور في الجامع الصغير . لكنا نقول : إنه إذا لم يمسحهما بالتراب لا يطهر ; لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة فإن محمدا قال في المسافر إذا أصاب يده نجاسة يمسحها بالتراب ، فأما الحك فلا أثر له في باب الطهارة فالمذكور في الجامع الصغير بين أن له أثرا أيضا . ا هـ .

وقد قدمنا مسألة مسح المسافر يده المتنجسة . واعلم أنا قد قدمنا أن الطهارة بالمسح خاصة بالخف والنعل وأن المسح لا يجوز في غيرهما كما قالوا وينبغي أن يستثنى منه ما في الفتاوى الظهيرية وغيرها إذا مسح الرجل محجمه بثلاث خرقات رطبات نظاف أجزأه عن الغسل هكذا ذكره الفقيه أبو الليث ونقله في فتح القدير وأقره عليه ، ثم قال وقياسه ما حول محل الفصد إذا تلطخ ويخاف من الإسالة السريان إلى الثقب ا هـ .

وهو يقتضي تقييد مسألة المحاجم بما إذا خاف من الإسالة ضررا كما لا يخفى والمنقول مطلق . وفي الفتاوى الظهيرية خف بطانة ساقه من الكرباس فدخل في خروقه ماء نجس فغسل الخف ودلكه باليد ، ثم ملأ الماء وأراقه طهر للضرورة يعني من غير توقف على عصر الكرباس كما صرح به البزازي في فتاويه ، ثم قال في الظهيرية أيضا الخف يطهر بالغسل ثلاثا إذا جففه في كل مرة بخرقة وعن القاضي الإمام صدر الإسلام أبي اليسر أنه لا يحتاج إلى التجفيف وفي السراج الوهاج الخف إذا دهن بدهن نجس ، ثم غسل بعد ذلك فإنه يطهر .

التالي السابق


( قوله وأطلق الجرم إلخ ) قال في النهر أنت خبير بأن قوله ذي جرم وقع صفة نجس فاقتضى قوله وإلا يغسل أنه إذا لم يكن كذلك كالبول ونحوه غسل ومن تأمل كلام الشارح لم يتردد في ذلك . ا هـ .

وهو كما قال فإن الشارح بعد حل المتن قال وقيل إذا مشى على الرمل أو التراب فالتصق بالخف أو جعل عليه ترابا أو رمادا أو رملا فمسحه يطهر وهو الصحيح إلخ ( قوله على أن المطلق ) وهو الأذى والقذر في الحديث السابق . ( قوله : وإنما قيده أبو يوسف به ) أي بغير الرقيق يعني بذي الجرم قال في المعراج والرقيق كالخمر والبول . ا هـ .

والحاصل أنهم اتفقوا على التقييد بالجرم وانفرد أبو حنيفة ومحمد بزيادة الجفاف ( قوله وتعقبه إلخ ) هذا وارد على القولين . ( قوله : بثلاث خرقات ) لم يقيده في القنية بالثلاث فقال رامز النجم الأئمة الحكيمي مسح الحجام موضع الحجامة مرة واحدة وصلى المحجوم أياما لا يجب عليه إعادة ما صلى إن أزال الدم بالمرة الواحدة ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث