الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( قوله البيع يلزم بإيجاب وقبول ) أي حكم البيع يلزم بهما ; لأنه جعلهما غيره وأنه يلزم بهما مع أن البيع ليس إلا هما ; لأنهما ركناه على ما حققناه وما قيل إنه معنى شرعي كما قدمناه فليس هو إلا الحكم فالمتحقق من الشرع ليس إلا ثبوت الحكم المعلوم من تبادل الملكين عند وجود الفعلين أعني الشطرين بوضعهما سببا له شرعا وليس هنا شيء ثالث .

كذا حققه في فتح القدير ، وقد يقال لا حاجة إلى هذا التكلف إذ يصح الكلام بدونه ; لأن الانعقاد كما في العناية تعلق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعا في البناية أنه انضمام كلام أحدهما للآخر على وجه يظهر أثره في المحل ا هـ .

وهو أمر ثالث غير الإيجاب والقبول والبيع مجموع الثلاثة فصح التركيب وفي شرح الوقاية من كتاب النكاح فالعقد ربط أجزاء التصرف أي الإيجاب والقبول شرعا لكن هنا أريد بالعقد الحاصل بالمصدر وهو الارتباط لكن النكاح الإيجاب والقبول مع ذلك الارتباط ، وإنما قلنا هذا ; لأن الشرع يعتبر الإيجاب والقبول أركان عقد النكاح لا أمورا خارجية كالشرائط ونحوها ، وقد ذكرت في شرح التنقيح في فصل النهي كالبيع ، فإن الشرع يحكم بأن الإيجاب والقبول الموجودين حسا يرتبطان ارتباطا حكميا فيحصل معنى شرعي يكون ملك المشتري أثرا له فذلك المعنى هو البيع فالمراد بذلك المعنى المجموع المركب من الإيجاب والقبول مع ذلك الارتباط للشيء لا أن البيع مجرد ذلك المعنى الشرعي والإيجاب والقبول آلة له كما توهم البعض ; لأن كونهما أركانا ينافي ذلك ا هـ . وهو تقرير حسن .

وقال في كتاب البيع المبادلة علة صورية للبيع والإيجاب والقبول والتعاطي علة مادية والمبادلة تكون بين اثنين فهي العلة الفاعلية وسكت عن العلة الغائية هنا ، وذكرها في النكاح وهي هنا الملك وثمة المصالح المتعلقة بالنكاح ، وذكر الشمني أن المعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقبول ا هـ .

وفي القاموس عقدت الحبل والعهد والبيع فانعقد ا هـ .

فإن قلت : فما معنى قولهم البيع ينعقد ، وكذا أمثاله ، فإن المعنى العقد ينعقد قلت : المعنى العقد الشرعي الخاص يثبت بالإيجاب والقبول وفي القاموس عقد الحبل والبيع والعهد يعقده شده وفي تفسير الفخر الرازي العقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستثبات والاستحكام ا هـ .

وفي تفسير القاضي وأصل العقد الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال بينهما ا هـ .

والعقد شرعا على ما في التوضيح ربط القبول بالإيجاب . وأما حمل كلام المستصفى على الحكم الذي هو الملك فليس بظاهر ; لأنه قال البيع عبارة عن أثر شرعي يظهر في المحل عند الإيجاب والقبول حتى يكون العاقد قادرا على التصرف ا هـ .

ولا يصح حمله عليه ; لأن الحكم لا يظهر عندهما إنما يظهر بهما عقيبهما ; لأن حكم الشيء يعقبه ولأنه جعل القدرة على التصرف غاية لذلك الأثر والقدرة هي الملك فلا يصح أن يراد بذلك الأثر الملك ; لأن المغيا غير الغاية فافهم هذا التقرير ، فإنه دقيق والإيجاب لغة الالتزام والإثبات وفي الفقه في المعاملات ما يذكر أولا من كلام المتعاقدين الدال على الرضا وسمي به ; لأنه يثبت خيار القبول للآخر وسواء وقع من البائع كبعت أو من المشتري كأن يبدأ المشتري ; والقبول في اللغة من قبلت العقد أقبله من باب تعب قبولا بالفتح [ ص: 284 ] والضم لغة حكاها ابن الأعرابي . كذا في المصباح وفي الفقه اللفظ الصادر ثانيا الواقع جوابا للأول ، ولذا سمي قبولا هكذا عرفه الجمهور وخالفهم في فتح القدير فعرفه بأنه الفعل الصادر ثانيا ، قال : وإنما قلنا بأنه الفعل الأعم منه ، ومن القبول

، فإن من الفروع ما لو قال كل هذا الطعام بدرهم فأكله تم البيع وأكله حلال والركوب واللبس بعد قول البائع اركبها بمائة والبسه بكذا رضا بالبيع ، وكذا إذا قال بعته بألف فقبضه ، ولم يقل شيئا كان قبضه قبولا بخلاف بيع التعاطي ، فإنه ليس فيه إيجاب بل قبض بعد معرفة الثمن فقط ففي جعل مسألة القبض بعد قوله بعتك بألف من صور التعاطي كما فعل بعضهم أي في غاية البيان نظر كما لا يخفى ا هـ .

ولا حاجة إلى تغيير كلام القوم وما ذكره من الفروع إنما هو من باب أن القبول يقوم مقامه فعل .

ولهذا قال في الخانية يقوم القبض مقام القبول وفي التتارخانية اشتريت طعامك هذا بألف فتصدق به ففعل في المجلس ، ولم يتكلم جاز ، وإن تفرقا لا وقيد اللزوم بالإيجاب والقبول للإشارة إلى أن البائع إذا باع وقبل المشتري لا يحتاج بعدهما إلى إجازة البائع ، قال في الذخيرة ذكر محمد بن الحسن رحمه الله تعالى في كتاب الوكالة مسألة تدل على أن من قال لغيره بعت منك هذا العبد بكذا ، فقال المشتري قبلت أن البيع لا ينعقد بينهما ما لم يقل البائع بعد ذلك أجزت وبه قال بعض المشايخ ، وهذا لأن البائع لما قال بعت منك فقد ملك العبد من المشتري فإذا قال المشتري اشتريت فقد تملك العبد وملكه الثمن فلا بد من إجازة البائع بعد ذلك ليملك الثمن وعامة المشايخ على أنه لا يحتاج إلى إجازة البائع بعد ذلك ا هـ .

وهو الصحيح وهكذا روي عن محمد ا هـ .

وينبغي حفظه لغرابته ولأنه إذا أوجب أحدهما فللآخر أن لا يقبل ; لأنه لا يلزمه حكم العقد بدون رضاه وللموجب أن يرجع لخلوه عن إبطال حق الغير ; لأن الموجب أثبت له حق أن يتملك مع ثبوت حقيقة الملك له والحقيقة مقدمة على الحق ولا بد من سماع الآخر رجوع الموجب كما في التتارخانية وفي التتمة يصح الرجوع ، وإن لم يعلم به الآخر ، وإنما يمتد خيار القبول إلى آخر المجلس لكونه جامعا للمتفرقات فاعتبرت ساعاته ساعة واحدة دفعا للعسر وتحقيقا لليسر وسيأتي بيان ما يبطله وأشار باللزوم بهما إلى أنهما لو أقرا ببيع ، ولم يكن بينهما حقيقة لم ينعقد كما في الصيرفية وإلى نفي خيار المجلس عندنا ، ولولا هذه الإشارة لكان التعبير بالانعقاد تبعا للقوم أولى ; لأن المترتب عليهما إنما هو الانعقاد .

وأما اللزوم فموقوف على شرائط أخر مخصوصة كما في إيضاح الإصلاح وأثبته الشافعي عملا بحديث البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا } وأوله أبو يوسف بتفرق الأبدان بعد الإيجاب قبل القبول وأوله محمد تبعا لإبراهيم النخعي بتفرق الأقوال بناء على أن المراد بالخيار فيه خيار القبول واعتمده في الهداية بأن في الحديث إشارة إليه ، فإنهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها ويؤيده قوله تعالى { ، وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ، فإن الفرقة تحصل بقولهما ، وإن داما جالسين وهو مبني على أن اسم الفاعل حقيقة في الحال وفيه نظر ; لأن تسميتهما متبايعين قبل تمام العقد مجاز آخر ، وإذا تعذر الحمل على الحقيقة تعين المجاز ، وإذا تعارض المجازان فالأقرب إلى الحقيقة أولى ، كذا في فتح الباري .

وقال البيضاوي ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين حمله التفرق على الأقوال وحمله المتبايعين على المتساومين وأيضا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه ; لأنه يصير التقدير أن المتساومين إن شاءا عقدا أو إن شاءا لم يعقدا أو هو تحصيل الحاصل ا هـ .

وقد استدل في البناية بقوله تعالى { أوفوا بالعقود } والبيع عقد فيجب الوفاء به وبقوله تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم } أمر بالإشهاد للتوثق فلو كان له الخيار لم يكن له معنى { وبقوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 285 ] لحبان بن منقذ إذا بايعت فقل لا خلابة } ، ولو كان له خيار لم يحتج إليه ا هـ .

وفيه نظر لجواز أن يكون الكل بعد الافتراق لا قبله ورجح عيسى بن أبان الأول بأن المعهود في الشرع أن الفرقة بالبدن موجبة للفساد كما في الصرف حال القبض واختلف المتأخرون في معنى التفرق بالأقوال ففي المستصفى وفتح القدير وهو أن يقول الآخر بعد الإيجاب لا أقبل فالتفرق رد القول الأول كتفرق بني إسرائيل اثنين وسبعين فرقة بمعنى اختلاف عقائدهم .

وفي غاية البيان هو قبول الآخر بعد الإيجاب فإذا قبله فقد تفرقا وانقطع الخيار كتفرق الزوجين فعلى الأول إذا وجد التفرق لم يبق البيع أصلا وعلى الثاني لم يبق الخيار ولزم البيع وقد فهم الراوي أعني ابن عمر رضي الله عنهما خيار المجلس من الحديث فكان كما رواه البخاري إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه لكن تأويل الراوي لا يكون حجة عندنا على غيره وفي فتح الباري عن ابن حزم أن خيار المجلس ثابت بهذا الحديث سواء قلنا التفرق بالكلام أو بالأبدان ، فإن قلنا بالأبدان فواضح ، وكذا إن قلنا بالأقوال ; لأن قول أحدهما بعتكه بعشرة وقول الآخر لا بل بعشرين افتراق في الكلام بخلاف ما لو قال اشتريته بعشرة ، فإنهما متوافقان فيتعين ثبوت الخيار لهما فعلى هذا إذا وجد التفرق انقطع البيع لا أنه ينقطع الخيار .

وظاهر الحديث انقطاع الخيار به مع بقاء العقد ، وإذا احتمل فلم يبق حجة على معين ، وقد روى البخاري رواية أخرى عن ابن عمر مرفوعا { إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر } وكانا جميعا ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ، ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع وهو ظاهر في انفساخ البيع بفسخ أحدهما قال الخطابي رحمه الله تعالى هو أوضح شيء في ثبوت خيار المجلس مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث ، وكذلك قوله في آخره ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا فيه البيان الواضح على أن التفرق بالأبدان ، ولو كان معناه بالقول لخلا الحديث عن الفائدة ، كذا في فتح الباري وأطلق في الإيجاب والقبول ، ولم يقيدهما بالماضي كما في الهداية ; لأن التحقيق أنه لا يتقيد بذلك لانعقاده بكل لفظين ينبئان عن معنى التملك والتمليك ماضيين أو حالين كما في الخانية لكن ينعقد بالماضي بلا نية وبالمضارع بها على الأصح ، كذا في البدائع ، وإنما احتيج إليها مع كونه حقيقة للحال عندنا على الأصح لغلبة استعماله في الاستقبال حقيقة أو مجازا ، كذا في البدائع وهو المراد بقول بعضهم أنه ينعقد في المستقبل بالنية وفي القنية إنما يحتاج إلى النية إذا لم يكن أهل البلد يستعملون المضارع للحال لا للوعد والاستقبال ، فإن كان كذلك كأهل خوارزم لا يحتاج إليها .

وإنما قيده به في الهداية لإخراج المستقبل فقط أمرا أو مضارعا مبدوءا بالسين أو سوف كما في الخانية ما لم يؤد معناهما فيقال إن دل الأمر على المعنى المذكور انعقد به كخذه بكذا ، فقال أخذته ، فإنه كالماضي يستدعي سابقة البيع إلا أن استدعاء الماضي سبق البيع يحسب الوضع واستدعاء خذه بطريق الاقتضاء كما لو قال بعتك فخذ عبدي هذا بألف ، فقال فهو حر عتق ويثبت اشتريت اقتضاء ويصير قابضا بخلاف ما لو قال وهو حر فلا يعتق كقوله هو حر .

[ ص: 283 ]

التالي السابق


[ ص: 283 ] ( قوله ; لأنه ) أي المصنف جعلهما أي الإيجاب والقبول غيره أي غير البيع . ( قوله وما قيل إنه معنى شرعي ) قائله المصنف في المستصفى كما مر . ( قوله : وقد يقال لا حاجة إلى هذا التكلف ) أي تقدير المضاف قبل البيع وهو لفظ حكم ومراده الرد على الفتح ثم إن قوله ; لأن الانعقاد إلخ إنما يظهر على عبارة الهداية حيث عبر فيها بينعقد بدل قول المصنف يلزم وفرق ما بينهما ، ثم إن ما بنى عليه كلامه من أن البيع مجموع الإيجاب والقبول مع الارتباط لا يفيد ; لأن المعنى يصير البيع الذي هو مجموع الثلاثة ينعقد بالإيجاب والقبول أي يرتبط نعم يتضح تفسير ينعقد بيحصل تأمل [ ص: 284 ] ( قوله ولأنه إذا أوجب أحدهما إلخ ) معطوف على قوله للإشارة إلى أن البائع

.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث