الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( قوله : ومنع عن الصلاة وسجدة التلاوة وصلاة الجنازة عند الطلوع والاستواء والغروب إلا عصر يومه ) لما روى الجماعة إلا البخاري من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال { ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل وحين تضيف للغروب حتى تغرب } ومعنى تضيف تميل وهو بالمثناة الفوقية المفتوحة فالضاد المعجمة المفتوحة فالمثناة التحتية المشددة وأصله تتضيف حذف منه إحدى التاءين والمراد بقوله وأن نقبر صلاة الجنازة كناية ; لأنها ذكر الرديف وإرادة المردوف إذ الدفن غير مكروه خلافا لأبي داود لما رواه ابن دقيق العيد في الإمام عن عقبة قال { نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي على موتانا عند طلوع الشمس } أطلق الصلاة فشمل فرضها ونفلها ; لأن الكل ممنوع فإن المكروه من قبيل الممنوع ; لأنها تحريمية لما عرف من أن النهي الظني الثبوت غير المصروف عن مقتضاه يفيد كراهة التحريم وإن كان قطعيه أفاد التحريم فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة وكراهة التحريم في رتبة الواجب والتنزيه في رتبة المندوب والنهي في حديث عقبة من الأول فكان الثابت به كراهة التحريم ،

فإن كانت الصلاة فرضا أو واجبة فهي غير صحيحة ; لأنها لنقصان في الوقت بسبب الأداء فيه تشبيها بعبادة الكفار المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم { إن الشمس تطلع بين قرني شيطان إذا ارتفعت فارقها ، ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها وإذا غربت فارقها ونهى عن الصلاة في تلك الساعات } رواه مالك في الموطإ وهذا هو المراد بنقصان الوقت وإلا فالوقت لا نقص فيه نفسه بل هو وقت كسائر الأوقات إنما النقص في الأركان فلا يتأدى بها ما وجب كاملا فخرج الجواب عما قيل لو ترك بعض الواجبات صحت الصلاة مع أنها ناقصة يتأدى بها الكامل ; لأن ترك الواجب لا يدخل النقص في الأركان التي هي المقومة للحقيقة بخلاف فعل الأركان في هذه الأوقات ، وإنما جاز القضاء في أرض الغير وإن كان النهي ثم لمعنى في غيره أيضا ; لأن النهي ثم ورد للمكان وهنا للزمان واتصال الفعل بالزمان أكثر ; لأنه داخل في ماهيته ولهذا فسد صوم يوم النحر وإن ورد النهي فيه لمعنى في غيره ; لأن النهي فيه باعتبار الوقت والصوم يقوم به ويطول بطوله ويقصر بقصره ; لأنه معياره فازداد الأثر فصار فاسدا وإن كانت الصلاة نفلا فهي صحيحة مكروهة حتى وجب قضاؤه إذا قطعه ويجب قطعه وقضاؤه في غير مكروه في ظاهر الرواية ، ولو أتمه خرج عن عهدة ما لزمه بذلك الشروع وفي المبسوط القطع أفضل والأول هو مقتضى الدليل والوتر داخل في الفرض ; لأنه فرض عملي أو في الواجب فلا يصح في هذه الأوقات كما في الكافي والمنذور المطلق الذي لم يقيد بوقت الكراهة داخل فيه أيضا كما صرح به الإسبيجابي والنفل إذا شرع فيه في وقت مستحب ، ثم أفسده داخل فيه أيضا فلا يصح في هذه الأوقات كما في المحيط بخلاف ما لو قضى في وقت مكروه ما قطعه من النفل المشروع فيه في وقت مكروه وحيث يخرجه عن العهدة وإن كان آثما ; لأن وجوبه ضرورة صيانة المؤدي عن البطلان ليس غير والصون عن البطلان يحصل مع النقصان كما لو نذر أن يصلي في الوقت المكروه فأدى فيه يصح ويأثم ويجب أن يصلي في غيره وقول الشارح فيهما والأفضل أن يصلي في غيره ضعيف كما قدمناه ، ويدخل في الواجب ركعتا الطواف فلا تصح في هذه الأوقات الثلاثة اعتبرت واجبة في حق هذا الحكم ونفلا في كراهتها بعد صلاة الفجر والعصر احتياطا [ ص: 263 ] فيهما وعبارة الكتاب أولى من عبارة أصله الوافي حيث قال لا تصح صلاة إلى آخره لما علمت أن عدم الصحة إنما هن من الفرائض والواجبات لا في النوافل بخلاف المنع فإنه يعم الكل وأراد بسجدة التلاوة وصلاة الجنازة ما وجبت قبل هذه الأوقات ، أما إذا تلاها فيها أو حضرت الجنازة فيها فأداها فإنه يصبح من غير كراهة إذ الوجوب بالتلاوة والحضور لكن الأفضل التأخير فيهما وفي التحفة الأفضل أن يصلي على الجنازة إذا حضرت في الأوقات الثلاثة ولا يؤخرها بخلاف الفرائض وظاهر التسوية بين صلاة الجنازة وسجدة التلاوة أنه لو حضرت الجنازة في غير مكروه فأخرها حتى صلى في الوقت المكروه فإنها لا تصح وتجب إعادتها كسجود التلاوة وذكر الإسبيجابي لو صلى صلاة الجنازة فإنه يجوز مع الكراهة ولا يعيد ولو سجد سجدة التلاوة ينظر إن قرأها في هذا الوقت تجوز مع الكراهة وتسقط عن ذمته وإن قرأها قبل ذلك ، ثم سجدها في هذا الوقت لا يجوز ويعيد . ا هـ .

وسجدة السهو كسجدة التلاوة ، كذا في المحيط حتى لو دخل وقت الكراهة بعد السلام وعليه سهو فإنه لا يسجد لسهوه وسقط عنه ; لأنه لجبر النقصان المتمكن في الصلاة فجرى ذلك مجرى القضاء ، وقد وجب ذلك كاملا فلا يتأدى بالناقص ، كذا في شرح المنية وذكر في الأصل ما لم ترتفع الشمس قدر رمح فهي في حكم الطلوع واختار الفضلي أن الإنسان ما دام يقدر على النظر إلى قرص الشمس في الطلوع فلا تحل الصلاة فإذا عجز عن النظر حلت وهو مناسب لتفسير التغير المصحح كما قدمناه وأراد بالغروب التغير كما صرح به قاضي خان في فتاويه حيث قال وعند احمرار الشمس إلى أن تغيب والشافعي رحمه الله أخرج من النهي في حديث عقبة الفوائت عملا بقوله عليه السلام { من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها } متفق عليه والجواب عنه أن كونه مخصصا لعموم النهي متوقف على المقارنة فلما لم تثبت فهو معارض في بعض الأفراد فيقدم حديث عقبة ; لأنه محرم ولو تنزلنا إلى طريقهم في كون الخاص مخصصا كيفما كان فهو خاص في الصلاة عام في الأوقات ، فإن وجب تخصيص عموم الصلاة في حديث عقبة وجب تخصيص حديث عقبة عموم الوقت ; لأنه خاص في الوقت وتخصيص عموم الوقت هو إخراجه الأوقات الثلاثة من عموم وقت التذكر في حق الصلاة الفائتة

كما أن تخصيص الآخر هو إخراج الفوائت من عموم منع الصلاة في الأوقات الثلاثة وحينئذ فيتعارضان في الفائتة في الأوقات المكروهة إذ تخصيص حديث عقبة يقتضي إخراجها عن الحل في الثلاثة وتخصيص حديث التذكر للفائتة من عموم الصلاة يقتضي حلها فيها ، ويكون إخراج حديث عقبة أولى ; لأنه محرم وأخرج أيضا النوافل بمكة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم { يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار } وجوابه أنه عام في الصلاة والوقت فيتعارض عمومهما في الصلاة ويقدم حديث عقبة لما قلنا وكذا يتعارضان في الوقت إذ الخاص يعارض العام عندنا وعلى أصولهم يجب أن يخص منه حديث عقبة في الأوقات الثلاثة ; لأنه خاص فيها وأخرج أبو يوسف منه النفل يوم الجمعة وقت الزوال لما رواه الشافعي في مسنده { نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة } وجوابه أن الاستثناء عندنا تكلم بالباقي فيكون حاصله نهيا مقيدا بكونه بغير يوم الجمعة فيقدم عليه حديث عقبة المعارض له فيه ; لأنه محرم وبحث فيه المحقق ابن الهمام بأنه يحمل المطلق على المقيد لاتحادهما حكما وحادثة ولم يجب عنه فظاهره ترجيح قول أبي يوسف فلذا قال في الحاوي وعليه الفتوى كما عزاه له ابن أمير حاج في شرح المنية وفي العناية إن حديث أبي يوسف منقطع أو معناه ولا يوم الجمعة واستثنى المصنف من المنع [ ص: 264 ] عصر يومه فأفاد أنه لا يكره أداؤه وقت التغير ، وقد قدمنا أن المكروه إنما هو تأخيره لا أداؤه لأنه أداه كما وجب ; لأن سبب الوجوب آخر الوقت إن لم يؤد قبله وإلا فالجزء المتصل بالأداء وإلا فجميع الوقت وعلل المصنف في كافيه بأنه لا يستقيم إثبات الكراهة للشيء ; لأنه مأمور به وقيل الأداء مكروه أيضا . ا هـ .

وعلى هذا مشى في شرح الطحاوي والتحفة والبدائع والحاوي وغيرها على أنه المذهب من غير حكاية خلاف وهو الأوجه للحديث السابق الثابت في صحيح مسلم وغيره وقيد بعصر يومه ; لأن عصر أمسه لا يجوز وقت التغير ; لأن الأجزاء الصحيحة أكثر فيجب القضاء كاملا ترجيحا للأكثر الصحيح على الأقل الفاسد وأورد عليه أن من بلغ أو أسلم في الجزء الناقص لا يصح منه في ناقص غيره مع تعذر الإضافة في حقه إلى الكل لعدم الأهلية وأجيب بأن لا رواية فيها فتلتزم الصحة والصحيح أن النقص لازم الأداء في ذلك الجزء ، وأما الجزء فلا نقص فيه ، غير أن تحمل ذلك النقص لو أدى فيه العصر ضرورة ; لأنه مأمور بالأداء فيه فإذا لم يؤد لم يوجد النقص الضروري وهو في نفسه كامل فيثبت في ذمته كذلك فلا يخرج عن عهدته إلا بالكامل وبهذا اندفع ما ذكره السراج الهندي في شرح المغني من أن السبب لما كان ناقصا في الأصل كان ما ثبت في الذمة ناقصا أيضا فعند مضي الوقت لا يتصف بالكمال لما علمت أنه لا نقص في الوقت أصلا ، وأشار إلى أن فجر يومه يبطل بالطلوع والفرق بينهما أن السبب في العصر آخر الوقت وهو وقت التغير وهو ناقص فإذا أداها فيه أداها كما وجبت ووقت الفجر كله كامل فوجبت كاملة فتبطل بطرو الطلوع الذي هو وقت فساد لعدم الملاءمة بينهما ، فإن قيل روى الجماعة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح } أجيب بأن التعارض لما وقع بين هذا الحديث وبين النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة في الفجر رجعنا إلى القياس كما هو حكم التعارض فرجحنا حكم هذا الحديث في صلاة العصر وحكم النهي في صلاة الفجر ، كذا في شرح النقاية وظاهره أن ترجيح المحرم على المبيح إنما هو عند عدم القياس

أما عنده فالترجيح له ، وفي القنية كسالى العوام إذا صلوا الفجر وقت الطلوع لا ينكر عليهم ; لأنهم لو منعوا يتركونها أصلا ظاهرا ولو صلوها تجوز عند أصحاب الحديث والأداء الجائز عند البعض أولى من الترك أصلا وفي البغية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الأوقات التي تكره فيها الصلاة والدعاء والتسبيح أفضل من قراءة القرآن . ا هـ .

ولعله ; لأن القراءة ركن الصلاة وهي مكروهة فالأولى ترك ما كان ركنا لها والتعبير بالاستواء أولى من التعبير بوقت الزوال ; لأن وقت الزوال لا تكره فيه الصلاة إجماعا ، كذا في شرح منية المصلي .

[ ص: 263 ]

التالي السابق


[ ص: 263 ] ( قوله : فإن وجب تخصيص عموم الصلاة ) تخصيص الأول مصدر مضاف لمفعوله والأصل تخصيصه كما هو عبارة الفتح والضمير لحديث التذكر وتخصيص الثاني مضاف لفاعله .

والحاصل أن في كل من الحديثين خصوصا وعموما ، فإن وجب تخصيص أحدهما لعموم الآخر وجب في الثاني كذلك بقي أن كون حديث التذكر عاما فيه خفاء بل الظاهر أنه مطلق كما صرح به في العناية ويمكن استفادة العموم من إضافة الظرف إلى ما بعده فإن الإضافة تأتي لما تأتي له الألف واللام . ( قوله : وأخرج أيضا إلخ ) أي الشافعي رحمه الله تعالى .

( قوله : وفي العناية إلخ ) عبارته والجواب عن الثاني أن هذه الزيادة لم تثبت ; لأنها شاذة أو أن معناه ولا بمكة كما في قوله تعالى { إلا خطأ } أي ولا خطأ . ا هـ .

زاد في معراج الدراية أو يحمل ذلك على أنه قبل النهي . ا هـ . [ ص: 264 ] ( قوله : ; لأنه مأمور به ) أقول : عبارة المصنف في كافيه مع الأمر به . ( قوله : فيثبت في ذمته كذلك إلخ ) قال في النهر وبهذا التقرير علمت أنه لو صلى العصر ثم استمر حتى غربت أنها تفسد كما بحثه بعض الطلبة وهو متجه وذلك ; لأنها وإن فاتت إلا أنها تقررت في ذمته كاملة فلا تؤدى بالناقص . ا هـ .

أقول : هذا البحث مشهور ، وقد ذكره صاحب البحر في شرحه على المنار وذكر جوابه ، وعبارته في الجواب وأجيب بأن الشرع جعل الوقت متسعا وجعل له شغل كل الوقت فالفساد الذي يعترض حالة البقاء جعل عذرا ; لأن الاحتراز عنه في الإقبال على الصلاة متعذر . ا هـ .

وقال أيضا لكن قال في التنقيح هذا يشكل بالفجر وأجاب عنه في التلويح بأن العصر يخرج إلى ما هو وقت لصلاة في الجملة بخلاف الفجر أو بأن في الطلوع دخولا في الكراهة وفي الغروب خروجا عنهما . ا هـ .

( قوله : أجيب إلخ ) وفي إمداد الفتاح بعد نقله ذلك وروى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال { إذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان } رواه مسلم وروي أيضا { ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة } على أنه ذكر في الأسرار أن النهي عنها متأخر ; لأنه أبدا يطرأ على الأصل الثابت ولأن الصحابة عملت به فعلم أنه لاحق بل قال الطحاوي : إنها كلها منسوخة بالنصوص الناهية وإلا يلزم العمل ببعض الحديث وترك بعضه بمجرد قولنا طرأ ناقص على كامل في الفجر بخلاف عصر يومه مع أن النقص قارن العصر ابتداء والفجر بقاء فيبطل في العصر كالفجر

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث