الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يبطل كتاب القاضي إلي القاضي بموت الكاتب وعزله

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وإذا رفع إليه حكم قاض أمضاه إن لم يخالف الكتاب والسنة المشهورة والإجماع ) لترجح الاجتهاد الأول بالقضاء فلا ينقضه أطلقه فشمل ما إذا كان موافقا لرأيه أو مخالفا لكون لفظ الحكم نكرة في سياق الشرط فتعم فليس في كلامه ما يوهم أنه إنما يمضيه إذا كان موافقا لرأيه كما زعم الشارح وفي الجامع الصغير وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه وفي المعراج وإنما ذكر لفظ الجامع بهذا اللفظ المذكور ; لأن فيه فائدتين إحداهما أنه قيد بالفقهاء ; لأن القاضي إذا كان غير عالم بموضع الاجتهاد فاتفق قضاؤه في موضع الاجتهاد فعلى قول عامة المشايخ لا يجب على الثاني تنفيذه كذا ذكره في فصول الأسروشني محالا إلى المحيط والذخيرة فقال لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك قيل ينفذ قضاؤه وعامتهم لا ينفذ وإنما ينفذ إذا علم بكونه مجتهدا فيه قال شمس الأئمة هذا هو ظاهر المذهب والثاني أنه قيد بقوله يرى غير ذلك وفي رواية القدوري لم يتعرض لذلك فيحتمل أن قوله أمضاه فيما إذا كان موافقا . ا هـ .

وفي الخلاصة أن هذا الشرط يعني كونه عالما بالاختلاف وإن كان ظاهر المذهب لكن يفتى بخلافه والتحقيق المعتمد أن علمه بكون ما حكم فيه مجتهدا فيه شرط ، وأما علمه بكون المسألة اجتهادية فلا ويدل عليه ما في الفتاوى الصغرى وشمل قوله حكم قاض ما إذا كان الحكم موافقا لرأيه ومخالفا وما إذا كان القاضي باقيا على قضائه أو مات أو عزل كما في خزانة الأكمل [ ص: 9 ] فلو قضى في المجتهد فيه مخالفا لرأيه ناسيا لمذهبه نفذ عند أبي حنيفة وفي العامد روايتان وعندهما لا ينفذ في الوجهين واختلف الترجيح ففي الخانية أظهر الروايتين عن أبي حنيفة نفاذ قضائه وعليه الفتوى ا هـ .

وهكذا في الفتاوى الصغرى وفي المعراج معزيا إلى المحيط الفتوى على قولهما وهكذا في الهداية وفي فتاوى ظهير الدين استحق للسلطان أن ينقضه . ا هـ .

وفي فتح القدير فقد اختلف في الفتوى والوجه في هذا الزمان أن يفتى بقولهما لأن التارك لمذهبه عمدا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل ، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره هذا كله في القاضي المجتهد فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة فلا يملك المخالفة فيكون معزولا بالنسبة إلى ذلك الحكم ا هـ .

ثم اعلم أن عبارات المشايخ قد اختلفت في هذه المسألة أعني ما إذا قضى المقلد بخلاف مذهبه موافقا لمذهب مجتهد ففي البزازية معزيا إلى شرح الطحاوي إذا لم يكن القاضي مجتهدا وقضى بالفتوى ثم تبين أنه على خلاف مذهبه نفذ وليس لغيره نقضه وله أن ينقضه كذا عن محمد وقال الثاني ليس له أن ينقضه أيضا . ا هـ .

وهكذا ذكر العمادي في الفصول ثم قال القاضي إذا قضى في محل الاجتهاد وهو يرى خلاف ذلك في بعض المواضع أنه لا ينفذ وفي بعضها أنه ينفذ ولم يذكر فيه خلافا والصحيح أن فيه خلافا بين أبي حنيفة وصاحبيه وذكر في المحيط اختلاف الرواية في بعضها في نفاذ القضاء وفي بعضها في حل الإقدام على القضاء ا هـ .

وفي عمدة الفتاوى القاضي إذا قضى بقول مرجوع عنه جاز وكذا لو قضى في فصل مجتهد فيه ا هـ .

وكذا في السراجية وفي مآل الفتاوى قضى بخلاف مذهبه وهو مختلف فيه قال أبو حنيفة ينفذ وقال أبو يوسف لا ينفذ ا هـ .

فقد تحرر أن القاضي المقلد إذا قضى بمذهب غيره فإنه ينفذ وكذا إذا قضى برواية ضعيفة أو بقول ضعيف لإطلاق قولهم أن القول الضعيف يتقوى بقضاء القاضي وما قيده به في فتح القدير من أن هذا إنما هو في المجتهد ثابت في بعض العبارات ولذا قال في القنية القاضي المقلد إذا قضى بخلاف مذهبه لا ينفذ ا هـ .

ويخالفه ما أفتى به شيخه الشيخ عمر قارئ الهداية حين سئل عن وقف لم يحكم به رجع الواقف عنه ووقفه على جهة أخرى وحكم به قاض حنفي فهل يصح الثاني أم الأول أجاب بأن الثاني هو الصحيح وإن كان الفتوى على خلاف قول أبي حنيفة لكنه تأيد بحكم الحاكم وفي شرح منظومة ابن وهبان له صورة المسألة لو حكم الحاكم في واقعة بحكم بخلاف مذهب مقلده بفتح اللام يعني الإمام الذي يقلده وهذا إذا كان القاضي مقلدا وليس هو من أهل الاجتهاد كالقضاة الحنفية في زماننا مثلا هل يصح قضاؤه أو لا والجواب أنه إن كان ذاكرا لمذهبه لا يجوز وإلا جاز عنده خلافا لهما ا هـ .

ومن العجيب أن صاحب البدائع قيد الخلاف بعكس ما في فتح القدير فقال ما نقل أن القاضي إذا قضى بخلاف مذهبه عمدا وقع باطلا وإن كان ناسيا عنده يصح وعندهما لا يصح وهذا إذا كان القاضي ليس من أهل الاجتهاد فأما إذا كان من أهل الاجتهاد فينبغي أن يصح قضاؤه في الحكم بالإجماع ولا يكون لقاض آخر أن يبطله [ ص: 10 ] ; لأنه لا يصدق على النسيان بل يحمل على أنه اجتهد فأدى اجتهاده إلى مذهب خصمه فقضى به فيكون قضاؤه باجتهاده فيصح . ا هـ .

بلفظه والحق في هذه المسألة أن القاضي إذا حكم على خلاف مذهبه فإن كان متوهما أنه على وفقه باطل يجب نقضه وإن وافق مجتهدا فيه وإن كان معتمدا مذهب غيره فإنه لا ينقض وهذا التفصيل متعين في حكام زماننا فإنهم لا يعتمدون في أحكامهم على الاجتهاد لا مطلقا ولا مقيدا لكونهم مقلدين فإذا جرى منهم الحكم بخلاف مذهبهم فهو مقطوع بكونه منه خطأ فينقض وقولهم لا ينقض الحكم في المجتهدات معلل بأن الاجتهاد لا ينقض بمثله لا مطلقا فإذا كان القاضي متوهما أنه مذهبه فأخطأ فيه لم يكن مجتهدا فيه ومعنى قوله أمضاه حكم بمقتضاه وفي السراج الوهاج المراد من الحاكم القاضي والمراد من الإمضاء إلزام الحكم بعد دعوى صحيحة من خصم على خصم ولذا قال في البزازية وإن أرادوا أن يثبتوا حكم الخليفة عند الأصل لا بد من تقديم دعوى صحيحة على خصم حاضر وإقامة البينة كما لو أرادوا إثبات قضاء آخر ا هـ .

فالحاصل أن الحكم المرفوع لا بد أن يكون في حادثة وخصومة صحيحة كما صرح به العمادي في الفصول والبزازي في الفتاوى قالا وهنا شرط لنفاذ القضاء في المجتهدات وهو أن يصير حادثة تجري بين يدي القاضي من خصم على خصم حتى لو فات هذا الشرط لا ينفذ القضاء ; لأنه فتوى ا هـ .

فلو رفع إلى حنفي قضاء مالكي بلا دعوى لم يلتفت إليه ويحكم بمقتضى مذهبه ولا بد في إمضاء الثاني لحكم الأول من الدعوى أيضا كما سمعت ولا يشترط إحضار شهود الأصل بل يكفي على قضاء القاضي قال في البزازية قاضي بلدة حكم على رجل بمال وسجل ثم مات القاضي وأحضر المدعي المحكوم عليه عند قاض آخر وبرهن على قضاء الأول أجبره الثاني على أداء المال إن كان الحكم الأول صحيحا ولو شهدوا أن قاضيا من قضاة البلد قضى بهذا المال لا يحكم به وفي كل فعل لا بد من تسمية الفاعل ونسبه فإن قال الشهود إن القاضي الأول غير عدل لا يمضي القاضي الثاني قضاءه ا هـ .

وكتبنا في الفوائد الفقهية أن القاضي إذا ارتاب في حكم الأول له أن يطلب شهود الأصل وإذا علمت ذلك ظهر لك أن التنافيذ الواقعة في زماننا غير معتبرة لصدورها بلا دعوى وحادثة وإنما يقيم صاحب الواقعة بينة يشهدون على حكم القاضي فلان ليكتب له القاضي الثاني أنه اتصل به حكم الأول ونفذه فإن قلت : القاضي إذا قضى بشيء في حادثة بعد دعوى هل يكون قضاء فيما هو من لوازمه وإن لم يعلم به القاضي .

قلت : لا لما في قضاء البزازية في فصل فسخ اليمين المضافة وإن زوجه رجل امرأة بلا أمره وأجاز بالفعل ثم طلقها ثلاثا ثم تزوجها بنفسه ثم ترافعا إلى القاضي فإن أعلمه بتقدم نكاح الفضولي فقضى بالنكاح صح ويكون قد قضى ببطلان اليمين وببطلان نكاح الفضولي وببطلان الثلاث بعده وإن لم يعلم بتقدم النكاح يعلمه حتى يقضي في موضع الاجتهاد ويقصد بالقضاء اليمين المضافة ونكاح الفضولي ا هـ .

ثم قال وروي عن الإمام الثاني فيمن قال كل امرأة يتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة وهو لا يرى الوقوف فرفعته امرأته إلى قاض لا يرى الوقوع فقضى بصحة النكاح ثم تحول رأي الرجل إلى الوقوع فتزوج امرأة أخرى بعدها فإنه يمسك الأولى ويعمل برأيه الحادث في الحادثة فيفارقها ; لأن القاضي إنما قضى بإبطال الطلاق في الأولى بالاجتهاد فنفذ قضاؤه فبعد ذلك بتحول رأيه لا يملك نقض رأيه ذلك ، وأما الحادثة فيثبت عليها الحل الآن ولم يجر عليها حكم القاضي فيعمل برأيه والحيلة فيه أن يتزوج امرأة بعد فسخ ويدعي عند القاضي أنها زوجته بحكم الفسخ على امرأة أخرى وتزعم المرأة أنها عليه حرام أخذا بمذهب الثاني فيترافعان إلى القاضي الحنفي فيحكم القاضي الحنفي بأنها زوجته بمذهب محمد ا هـ .

فقد علمت من ذلك كثيرا من المسائل [ ص: 11 ] فإذا قضى شافعي بصحة بيع عقار وموجبه لا يكون حكما منه بأن لا شفعة للجار لعدم حادثتها وكذا إذا قضى حنفي لا يكون حكما بأن الشفعة للجار وإن كانت الشفعة من مواجبه ; لأن حادثتها لم توجد وقت الحكم ولا شعور للقاضي بها وكذا إذا قضى مالكي بصحة التعليق في اليمين المضافة لا يكون حكما بأنه لا يصح نكاح الفضولي المجاز بالفعل لعدمه وقته فافهم فإن أكثر أهل الزمان عنه غافلون وشرط أن لا يخالف الكتاب والسنة والإجماع فإن خالف واحدا منها لم يمضه وإنما ينقضه لكونه ليس في محل الاجتهاد الصحيح وهو خلاف لا اختلاف ومثال ما خالف الكتاب القضاء بحل متروك التسمية عامدا لقوله تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } بناء على أنه شامل لذبائح المسلمين كالمشركين بناء على أن الواو في قوله تعالى { وإنه لفسق } للعطف .

وأما إذا كانت للحال كانت مقيدة بما أهل به لغير الله ; لأن الفسق فسر به كذلك في قوله أو فسقا أهل به لغير الله ولذا قال في التحرير إن الواو تحتمل أن تكون حالا فتكون قيدا للنهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ويحتمل أن يراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة أو ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى فإن الفسق هو ما أهل به لغير الله تعالى ومثال ما خالف السنة أي المشهورة القضاء بشاهد ويمين فإنه مخالف للحديث المشهور { البينة على من ادعى واليمين على من أنكر } ومثال القضاء المخالف للإجماع القضاء ببيع أمهات الأولاد والمراد من الإجماع ما ليس فيه خلاف يستند إلى دليل شرعي ومن الغريب ما في الخلاصة ، وأما القضاء بحل متروك التسمية عامدا فجائز عندهما وعند أبي يوسف لا يجوز . ا هـ .

وهو يدل على أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد عندهما ; لأنه يفيد الحل كما فهمه ابن الهمام ; لأنه لا خلاف عندنا في عدم الحل أنه من قبيل ما لا يسوغ فيه الاجتهاد عندنا لنقل الفقهاء والأصوليين بحيث شددوا النكير على الشافعي في القول بحله حتى قال الأصوليون إنه جهل لا يصلح عذرا لمخالفته الدليل القطعي وقد ألفت فيها رسالة مشتملة على بيان الدلائل من الجانبين .

وفي الهداية المعتبر الاختلاف في الصدر الأول وهم الصحابة والتابعون وعليه فرع الخصاف أن للقاضي أن ينقض القضاء ببيع أم الولد لمخالفته لإجماع التابعين وقد حكي فيه الخلاف عندنا فقيل هذا قول محمد أما على قولهما فيجوز قضاؤه وهو مبني على أن الإجماع المتأخر هل يرفع الخلاف المتقدم فعندهما لا يرفع وعنده يرفع وفي التقويم لأبي زيد أن محمدا روى عنهم أن القضاء ببيع أم الولد لا يجوز وتفرع على كون الخلاف في الصدر الأول شرطا لكون المحل اجتهاديا ما قال بعضهم إن للقاضي أن يبطل ما قضى به المالكي والشافعي برأيه وفي الأقضية وأصحابنا لم [ ص: 12 ] يعتبروا خلاف مالك والشافعي وفي فتح القدير وعندي أن هذا لا يعول عليه فإن صح أن مالكا والشافعي وأبا حنيفة مجتهدون فلا شك في كون المحل اجتهاديا وإلا فلا ولا شك أنهم أهل اجتهاد ورفعة .

ولقد نرى في أثناء المسائل جعل المسألة اجتهادية بخلاف بين المشايخ حتى ينفذ القضاء بأحد القولين فكيف لا يكون كذلك إذا لم يعرف الخلاف إلا بين هؤلاء الأئمة يؤيده ما في الذخيرة عن الحلواني أن الأب إذا خالع الصغيرة على صداقها ورآه خيرا لها بأن كانت لا تحسن العشرة مع زوجها فإن على قول مالك يصح ويزول الصداق عن ملكها ويبرأ الزوج عنه فإذا قضى به قاض نفذ وفي حيض منهاج الشريعة عن مالك فيمن طلقها فمضى عليها ستة أشهر لم ترد ما فإنها تعتد بعده بثلاثة أشهر فإذا قضى بذلك قاض ينبغي أن ينفذ ; لأنه مجتهد فيه إلا أنه نقل مثله عن ابن عمر قال وهذه المسألة يجب حفظها فإنها كثيرة الوقوع ا هـ .

ويؤيده أيضا في الخلاصة لو قضى في المأذون في نوع أنه لا يكون مأذونا في الأنواع كلها نفذ ا هـ . وهو مذهب الشافعي .

والحاصل أن كلامهم قد اضطرب في هذا الباب فتارة اعتبروا خلافهما وأخرى لم يعتبروه ويمكن أن يقال إنهم إنما قالوا بالنفاذ في هذه المسائل لأجل خلاف سابق على مالك والشافعي لا بخلافهما خاصة ثم اعلم أن صاحب الهداية نقل أولا عبارة القدوري وهي وإذا رفع إليه حكم حاكم أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة والإجماع أو يكون قولا لا دليل عليه وثانيا ما في الجامع الصغير قال وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي ثم جاء قاض آخر يرى غير ذلك أمضاه ا هـ .

فقال الشارحون إنما ذكر عبارة الجامع بعد القدوري لفائدتين ليستا في القدوري إحداهما تقييده بالفقهاء فأفاد أنه لو لم يكن عالما بالخلاف لا ينفذ والثانية التقييد بكون القاضي يرى غير ذلك فإن القدوري لم يتعرض لذلك فيحتمل أن يكون مراده أنه إذا كان رأيه في ذلك موافقا الحكم الأول أمضاه وإن كان مخالفا له لا يمضيه فأبانت رواية الجامع أن الإمضاء عام فيما سوى المستثنيات سواء كان ذلك موافقا لرأيه أو لا وتعقبهم في فتح القدير بأنه لا دلالة في عبارة الجامع على كونه عالما بالخلاف وإنما مفاده أن ما اختلف فيه الفقهاء في نفس الأمر فقضى القاضي بذلك الذي اختلف فيه عالما بأنه مختلف فيه أو لا فإنه أعم من كونه عالما ثم جاء قاض آخر يرى خلاف ذلك الذي حكم به هذا أمضاه فربما يفيد أن الثاني عالم بالخلاف وليس الكلام فيه فإن هذا هو المنفذ والكلام في القاضي الأول الذي ينفذ هذا حكمه وليس فيه دليل على أنه كان عالما بالخلاف بطريق من طرق الدلالة نعم في الجامع الصغير التنصيص على أنه ينفذه وإن كان خلاف رأيه وكلام القدوري يفيده أيضا فإنه قال إذا رفع إليه حكم حاكم وهو أعم ينتظم ما إذا كان مخالفا لرأيه أو موافقا . ا هـ .

وأقول : لم يفهموا مراد صاحب الهداية إنما ذكر عبارة الجامع بعد القدوري ليفيد أن ما في الجامع لا استثناء فيه بل كل مسألة اختلفت فيها الفقهاء فإنها تصير محل اجتهاد فإن قضى قاض بقول ارتفع الخلاف ، وأما عبارة القدوري فاستثناء كما علمت وإذا علمت ذلك فما ذكره أصحاب الفتاوى من المسائل التي لا ينفذ فيها قضاء القاضي لمخالفة كتاب أو سنة مشهورة أو إجماع إنما هو على عبارة [ ص: 13 ] القدوري ، وأما على ما في الجامع فلا وعلمت من هنا أن من قال لا اعتبار بخلاف مالك والشافعي اعتمد قول القدوري ومن قال باعتبار خلافهما اعتمد ما في الجامع وهذا لم أسبق إليه وإنما رأيت في الواقعات الحسامية ما يفيده قال قال الفقيه أبو الليث رواية محمد أن كل شيء اختلف فيه الفقهاء فقضى القاضي بذلك جاز قضاؤه ولم يكن لقاض آخر أن يبطله ولم يذكر فيه الاختلاف وبه نأخذ .

قلت : هذا خلاف ما ذكره في شرح أدب القاضي المنسوب إلى الخصاف أن القضاء في موضع الاختلاف يجوز وفي موضع الخلاف لا يجوز أراد بالأول ما كان فيه خلاف معتبر كالخلاف بين السلف وأراد بموضع الخلاف ما لم يكن معتبرا ولم يعتبر بخلاف الشافعي قال أستاذنا الفتوى على تفاصيل أدب القاضي ا هـ . فهذه العبارة أزالت اللبس وأوضحت كل تخمين وحدس .

والحاصل أن الفتوى على عبارة القدوري وتفاصيل الخصاف فلهذا السر أورد صاحب الهداية ما في الجامع بعد القدوري فالآن نذكر المواضع التي نص أهل المذهب على مسائل لا ينفذ القضاء فيها أخذا من كلام الخصاف وقد ذكرناها في الفوائد الفقهية ولا بأس بسردها تكميلا للفائدة هنا قضى ببطلان الدعوى بمضي سنين أو فرق بين الزوجين لعجزه عن النفقة حال غيبته أو حكم بصحة نكاح مزنية أبيه أو ابنه أو بصحة نكاح أم مزنيته أو بنتها أو بصحة نكاح المتعة أو بسقوط المهر بلا بينة أو إقرار أخذا بقول البعض إن قدم النكاح يوجب سقوط المهر أو بعدم تأجيل العنين أو بعدم صحة الرجعة بلا رضاها أو بعدم وقوع الثلاث على الحامل أو بعدم وقوع الثلاث على غير المدخولة أو بعدم وقوع الطلاق في طهر جامعها فيه أو بنصف الجهاز لمن طلق امرأته قبل الدخول بها بعد قبض المهر والتجهيز أو بالشهادة على خط أبيه أو بشاهد ويمين أو في الحدود والقصاص بشهادة رجل أو امرأتين أو بما في ديوانه وقد نسي وبشهادة شاهد على صك لم يذكر ما فيه إلا أنه يعرف خطه وخاتمه أو بشهادة من شهد على قضية مختومة من غير أن تقرأ عليه وبقضاء المرأة في حد وقود وبقضاء عبد أو صبي أو نصراني أو في قسامة بقتل .

أو فرق بين الزوجين بشهادة واحدة على الرضاع أو قضى لولده بشهادة الأجانب أو حكم بالحجر على مفسد مستحق له أو بصحة بيع نصيب الساكت من قن حرره أحد الشريكين معسرا وبجواز بيع متروك التسمية عامدا أو بجواز بيع أم الولد أو ببطلان عفو المرأة عن [ ص: 14 ] القود بناء على قول البعض إنه لا حق لهن فيه أو بصحة ضمان الخلاص وألزمه تسليم الدار عند الاستحقاق أو بالزيادة في معلوم الإمام من أوقاف المسجد أو بحل المطلقة ثلاثا بمجرد عقد المحلل بلا دخول عملا بقول سعيد أو بعدم تملك الكفار مال المسلم المحرز بدراهم أو بجواز بيع درهم بدرهمين أخذا من قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو بصحة صلاة المحدث أو بالقسامة على أهل المحلة بتلف المال قياسا على النفس أو بحد القذف بحكم التعريض أو بقرعة في رقيق أعتق الميت منهم واحدا أو بعدم جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها وهذه المسائل منقولة من البزازية وجامع الفصولين والخانية والقنية والصيرفية وفي الأشباه والنظائر للأسيوطي معزيا إلى فتاوى السبكي أن قضاء القاضي ينقض عند الحنفية إذا كان حكما لا دليل عليه قال وما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص وهو حكم لا دليل عليه سواء كان نصه في الوقف نصا أو ظاهرا . ا هـ .

وهذا موافق لقول مشايخنا كغيرهم شرط الواقف كنص الشارع فيجب اتباعه كما صرح به في شرح المجمع للمصنف وهذا كله إذا كان الاختلاف في المقضي به أما إذا كان في نفس القضاء ففيه روايتان في رواية لا ينفذ ذكره الخصاف وهو الصحيح ; لأن محل الخلاف لا يوجد قبل القضاء فإذا قضى فحينئذ يوجد محل الاختلاف والاجتهاد فلا بد من قضاء آخر يرجح أحدهما وذلك مثل القضاء على الغائب وللغائب وقضاء المحدود في القذف وشهادته بعد التوبة كذا ذكر الشارح وفي فتح القدير من باب المفقود إذا رأى القاضي المصلحة في القضاء على الغائب أو له فحكم فإنه لا ينفذ ; لأنه مجتهد فيه فإن قيل ينبغي أن لا ينفذ حتى يمضيه قاض آخر لأن نفس القضاء مجتهد فيه كما لو كان القاضي محدودا في قذف فإن نفاذ قضائه موقوف على أن يمضيه قاض آخر أجيب بمنع أنه من ذلك بل المجتهد سببه وهو هذه البينة هل تكون حجة للقضاء من غير خصم حاضر أم لا فإذا قضى بها نفذ كما لو قضى بشهادة المحدود في قذف وفي الخلاصة الفتوى على هذا . ا هـ .

فقد اختلف الترجيح وفي فتح القدير في شرح قوله ولا يقضي على غائب والذي يقتضيه النظر أن نفاذ القضاء على الغائب موقوف على تنفيذ قاض آخر ; لأن نفس القضاء مجتهد فيه . ا هـ .

وسيأتي إيضاحه قريبا وفي الإصلاح ويمضي حكم قاض قال في الإيضاح لم يقل حاكم احترازا عن الحكم ; لأن الحكم فيه غير هذا ولم يقيده بقوله آخر ليعم حكم نفسه قبل ذلك ا هـ .

التالي السابق


( قوله أطلقه فشمل ما إذا كان موافقا لرأيه ) أي لرأي القاضي المرفوع إليه حكم القاضي الأول ( قوله لكون لفظ الحكم نكرة في سياق الشرط فتعم ) فيه نظر فإن ذلك إذا كان الشرط يمينا مثبتا مثل إن كلمت رجلا فكذا فإن المعنى لا أكلم رجلا فتكون النكرة في سياق النفي معنى فتعم بخلاف قولك اليمين المنفي مثل إن لم أكلم رجلا فلا تعم ; لأنه في معنى لأكلمن رجلا فهي نكرة في سياق الإثبات وبخلاف الشرط الواقع غير يمين مثل إن جاءك رجل فأكرمه فإنه أيضا غير نص في العموم ; لأنه في سياق الإثبات وما في المتن من هذا القبيل كما لا يخفى ( قوله والتحقيق المعتمد إن علمه إلخ ) قال ابن الكمال وهاهنا شرط آخر وهو أن يكون القاضي عالما بأن ما حكم فيه مجتهد فيه ولا يكفي فيه علمه بأن المسألة مجتهد فيها كما إذا قضى ببيع أم الولد غير عالم بأنها أم ولد فإنه لا يجوز وإن كان عالما بأن مسألة أم الولد اجتهادية ذكره في منية المفتي . ا هـ .

( قوله وشمل قوله حكم قاض ما إذا كان الحكم موافقا لرأيه ) أي لرأي القاضي الأول الذي رفع حكمه إلى القاضي الثاني ثم إن هذه المسألة غير ما قبلها فإن ما قبلها هو اشتراط كون القاضي الأول عالما بالخلاف لينفذ حكمه وهذه في اشتراط كونه حكم على وفق مذهبه لا إذا كان ناسيا وحكم على مذهب غيره [ ص: 9 ]

( قوله وفي العامد روايتان ) كأنه اقتصر في معين الحكام على رواية عدم النفاذ فحكى الإجماع حيث قال كما نقله الرملي عند ذكر القاضي أبي بكر الرازي رحمه الله تعالى الخلاف فيما إذا قضى بخلاف مذهبه وقد نسيه ، وأما إذا قضى بخلاف مذهبه حال ذكر مذهبه لا يجوز حكمه بالإجماع ا هـ .

لكن في الشرنبلالية نقل عن شرح الجامع الكبير أنه في العامد لا خلاف بين أصحابنا قال والخلاف ثابت على الصحيح ( قوله والوجه في هذا الزمان إلخ ) قال في الشرنبلالية نقل هذا في البرهان عن الكمال ثم قال وهذا صريح الحق الذي يعض عليه بالنواجذ ( قوله ثم اعلم أن عبارات المشايخ قد اختلفت إلخ ) قال في النهر بعدما مر آنفا عن الفتح وهو ظاهر في أن كونه عالما بالخلاف إنما هو في القاضي المجتهد وفي القنية القاضي المقلد إذا قضى بخلاف مذهبه لا ينفذ وادعى في البحر أن المقلد إذا قضى بمذهب غيره أو برواية ضعيفة أو بقول ضعيف نفذ وأقوى ما تمسك به ما في البزازية إذا لم يكن القاضي مجتهدا وقضى بالفتوى إلخ وما في الفتح يجب أن يعول عليه في المذهب وما في البزازية محمول على رواية عنهما إذ قصارى الأمر أن هذا منزل منزلة الناسي لمذهبه وقد مر عنهما في المجتهد أنه لا ينفذ فالمقلد أولى .

( قوله يعني الإمام الذي يقلده ) كان عليه أن يقول الذي يقلده هو بزيادة الضمير العائد إلى القاضي .

والحاصل أن المراد به مذهب المجتهد كأبي حنيفة والشافعي مثلا لا السلطان المقلد بكسر اللام ( قوله ومن العجب أن صاحب البدائع قيد الخلاف إلخ ) حاصله أن صاحب البدائع جعل الخلاف في نفاذ قضائه بخلاف مذهبه وعدم نفاذه في القاضي غير المجتهد عكس ما صرح به في الفتح بقوله هذا كله في القاضي المجتهد وقول الرملي ما تقدم من قوله وفي فتح القدير لا يظهر منه أنه عكسه وكذا قوله وما قيده به في فتح القدير فتأمل . ا هـ . غير ظاهر .

ثم إن ما ذكره في البدائع وجيه فإن المجتهد إذا حكم بخلاف مذهبه عمدا كان ذلك رجوعا عن مذهبه الأول لتغير اجتهاده ووجوب اتباع ما ظهر له ثانيا وإن لم يعلم أنه خالفه عمدا يحمل عليه لا على أنه نسي مذهبه وحكم بخلافه إذا الأصل أنه فعل ذلك عمدا وهذا معنى قول البدائع ; لأنه لا يصدق على النسيان إلخ [ ص: 10 ] ( قوله وقولهم لا ينقض الحكم في المجتهدات إلخ ) قال الرملي يجب أن يقيد ذلك بما إذا لم يقيده السلطان بمذهب أما إذا قيده بمذهب كما إذا قال له أو كتب في منشوره وليتك لتحكم بين الناس بما صح أو بالصحيح من مذهب أبي حنيفة مثلا فلا ينفذ قضاؤه بغيره لما تقرر أن القضاء يتخصص بالزمان والمكان والأشخاص والحوادث فتنبه لذلك ( قوله وكتبنا في الفوائد الفقهية أن القاضي إلخ ) نقله في النهر عن المؤلف ثم قال ولم أجده لغيره .

( قوله التنافيذ الواقعة إلخ ) قال الرملي سيأتي أيضا في شرح قوله وأمضى القاضي حكمه . ا هـ .

قلت : وتقدم أيضا في البحث السادس أول كتاب القضاء ( قوله فقضى بالنكاح ) أي الثاني ( قوله أن يتزوج امرأة بعد فسخ ) أي بعد فسخ اليمين تأمل ( قوله فإذا قضى شافعي إلخ ) قال المؤلف في بعض رسائله وفي القاسمية أما كون الحكم حادثة فاحتراز عما لم يحدث بعد كما لو حكم بموجب إجارة لا يكون حكما بالفسخ بموت أحد المتآجرين وكما لو حكم بموجب بيع عقار لا يكون حكما باستحقاق شفعة الجوار ; لأنه لم توجد فيه خصومة .

وأما الخصومة الصحيحة فهي الدعوى المشتملة على شرائط الصحة ا هـ .

وذكر فيها أيضا أن اشتراط تقدم الدعوى والحادثة مجمع عليه ثم قال فيها وقال الشيخ محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي قاضي قضاة الحنابلة في رسالة له ، وأما الحكم بالموجب بفتح الجيم فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو غيرها هذا هو معنى الموجب ولا معنى له غيره فينظر في الدعوى فإن [ ص: 11 ] كانت مشتملة على ما يقتضي صحة العقد المدعى به كان الحكم بموجبها حكما بالصحة وإن لم تشتمل على ما يقتضي صحة العقد المدعى به لم يكن الحكم حكما بصحة العقد والحكم بالموجب حكم على العاقد بما ثبت عليه من العقد لا حكم بالعقد ا هـ .

وتمام ذلك في رسالة المؤلف ورأيت في كلام بعض المحققين من الشافعية أن الموجب عبارة عن الأثر المترتب على ذلك الشيء وهو والمقتضى مختلفان خلافا لمن زعم اتحادهما إذ المقتضى لا ينفك والموجب قد ينفك فالأول كانتقال الملك للمشتري بعد لزوم البيع والثاني كالرد بالعيب والموجب أعم أي لأنه الأثر اللازم سواء كان ينفك أو لا وذكر أن الحكم بالموجب يتضمن الحكم بالصحة ; لأنه لولا صحة العقد ما ترتبت عليه تلك الآثار إذ لا يصح الشيء مع تخلف آثاره عنه وكذا الحكم بالصحة يتضمن الحكم بالموجب فإذا حكم بصحة الشيء فقد حكم بترتب آثاره عليه ثم ذكر أن التحقيق أن الحكم بالموجب وارد على الآثار نصا ومنها الصحة بخلاف الحكم بالصحة فإنه يتناول الآثار ضمنا لا صريحا فيكون الحكم بالموجب أعلى لتناوله جميع الآثار ; لأنه مفرد مضاف فيعم كل موجب لكنه خلاف المشهور .

( قوله ; لأنه لا خلاف عندنا في عدم الحل ) علة لقوله ومن الغريب والظاهر أنه علة لقوله لا أنه يفيد الحل إلخ وفيه نظر فإن عدم الخلاف عند نافي عدم الحل قبل حكم حاكم بحله أما بعد حكم حاكم يراه ففيه خلاف وهو ما نقله في الخلاصة وهذا مراد صاحب الفتح بإفادته الحل فإن ما في الخلاصة دل على أنه مما يسوغ فيه الاجتهاد فإذا كان كذلك أفاد القضاء به الحل كما لا يخفى ( قوله والحق أنه من قبيل ما لا يسوغ فيه الاجتهاد عندنا ) ذكر ابن أمير حاج في شرحه على التحرير من بحث الجهل آخر الكتاب بحثا في هذا المحل جيدا حيث قال قلت : ثم لقائل أن يقول المجتهد فيه المعارض لمدلول هذه الأصول الثلاثة المحكوم بعدم اعتباره حتى أن القضاء به لا ينفذ إما أن يكون معارضا لما كان من الكتاب قطعي الدلالة غير منسوخ أو ما كان من السنة كذلك متواتر الثبوت أو ما كان من الإجماع قطعي الثبوت والدلالة وهذا لا شك فيه لكن في صدور هذا من المجتهد بعد عظيم ; لأن استحلال مخالفة كل من ذلك كفر فلا ينبغي أن يكون المراد .

وإما أن يكون معارضا لما كان من الكتاب أو السنة ظني الدلالة سواء كانت السنة قطعية الثبوت أو لا ومن الإجماع ما كان ظني الثبوت أو الدلالة وهذا في عدم نفاذ الحكم بمعارضه مطلقا نظر ظاهر إلى أن قال والذي يظهر أن القضاء بحل متروك التسمية عمدا وبشاهد ويمين المدعي ينفذ من غير توقف على إمضاء قاض آخر وببيع أمهات الأولاد لا ينفذ ما لم يمضه قاض آخر [ ص: 12 ] ( قوله والحاصل أن كلامهم قد اضطرب إلخ ) قال الرملي قال في جامع الفصولين بعد نقل ما يقتضي الاضطراب فظهر أن فيه اختلاف مشايخنا ( قوله ثم اعلم إلخ ) مكرر مع ما قبله نعم في هذا مبسوطة على ما مر .

( قوله وإنما مفاده أن ما اختلف فيه الفقهاء إلخ ) ما الموصولة اسم إن واختلف صلة الموصول وقوله فقضى معطوف عليه وقوله فإنه أعم إلخ تعليل للتعميم بقوله عالما أو لا وقوله ثم جاء معطوف على قضى والإشارة بقوله هذا للقاضي الأول وقوله أمضاء خبر إن والضمير فيه عائد للقاضي الآخر هذا وقد نقل في النهر كلام الفتح ملخصا ثم قال وأقره في الحواشي السعدية وعندي فيه نظر وذلك أن الداعي لحمل المشايخ كلام محمد على ما مر أن شرطه أن يكون الحاكم عالما بالاختلاف حتى لو قضى في فصل مجتهد فيه وهو لا يعلم بذلك لا يجوز قضاؤه عند عامتهم ولا يمضيه يعني الثاني كما في الشرح وغيره وجزم به في منية المفتي حيث قال قضى في مجتهد فيه ولا يعلم بذلك لا ينفذ فإنه ذكر في السير الكبير له مدبرون عتقوا بموته فأثبت رجل دينا عليه فباعهم القاضي على ظن أنهم عبيد وقضى بجوازه ثم ظهر أنهم مدبرون بطل قضاؤه لعدم علمه بذلك حتى لو علم فاجتهد وأبطل التدبير جاز ا هـ .

فقوله وما اختلف فيه الفقهاء فقضى به القاضي أي بما اختلف فيه الفقهاء يعني عالما باختلافهم ليصح قوله أمضاه إذ قد علمت أنه مع غير العلم لا يمضيه فإن قلت : في الخلاصة هذا الشرط وإن كان ظاهر المذهب لكن يفتى بخلافه قلت : كلام محمد إنما هو مبني على ظاهر المذهب ا هـ .

أقول : لا يخفى أن حاصل كلامه أن الذي أفاد اشتراط العلم بالخلاف هو قوله أمضاه وذلك لا يدفع رد ابن الهمام على الشارحين في دعواهم أنه مستفاد من التقييد بالفقهاء نعم يدفع تعميمه بقوله عالما أو غير عالم بعد تسليم أن كلام محمد مبني على ظاهر المذهب لا على المفتى به تأمل ( قوله وأقول : لم يفهموا مراد صاحب الهداية إلخ ) نقله في النهر وأقره وعبارة الواقعات أدل دليل عليه فجزاه الله تعالى خيرا حيث حقق المقام وأبان المرام [ ص: 13 ]

( قوله أو بسقوط المهر ) صورته أن المرأة متى لم تخاصم زوجها في المفروض حتى مضت مدة طويلة ثم خاصمته يبطل حقها في الصداق والقاضي لا يلتفت إلى خصومتها شرح أدب القضاء ( قوله أو بعدم وقوع الثلاث على غير المدخولة ) قال في المنح بعد هذا أو بعدم وقوع طلاق الحائض أو بعدم وقوع الزائد على الواحد أو بعدم وقوع الثلاث بكلمة أو بعدم وقوع الطلاق في طهر إلخ والظاهر أن هذا سقط من الناسخ وعبارة شرح أدب القضاء أوضح وهي قوله قال : وكذلك رجل طلق زوجته ثلاثا وهي حبلى أو حائض أو قبل أن يدخل بها فقضى قاض بإبطال ذلك أو أبطل بعضه فرفع إلى قاض آخر لا يرى ذلك فإنه يبطل قضاء القاضي بذلك وينفذ على الزوج ما كان منه ; لأن على قول أهل الزيغ إذا أوقع الثلاث وهي حبلى أو في حالة الحيض أو في طهر جامعها فيه لا يقع أصلا وعلى قول الحسن البصري إذا أوقع الثلاث تقع واحدة لكن كلا القولين باطل ; لأنه مخالف للكتاب قال الله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد } الآية من غير فصل : والمراد منه الطلقة الثالثة فمن قال لا يقع شيء أو تقع واحدة فقد أثبت الحل للزوج الأول بدون الزوج الثاني وهو مخالف للكتاب فإذا قضى القاضي لا ينفذ فإذا رفع إلى قاض آخر كان له أن يبطله . ا هـ .

أقول : وبهذا يعلم أن ما ذكر في الفتاوى المنسوبة إلى ابن كمال باشا من وقوع طلقة واحدة لو طلقها ثلاثا وهي حائض أو حبلى أو غير مدخول بها باطل لا يعول عليه فتنبه .

( قوله أو بالشهادة على خط أبيه ) صورته أن الرجل إذا مات فوجد ابنه خط أبيه في صك علم يقينا أنه خط أبيه يشهد بذلك الصك ; لأن الابن خليفة الميت في جميع الأشياء شرح أدب القضاء ( قوله أو في قسامة بقتل ) قال الرملي أي قضى بما فيه القسامة بالقتل . ا هـ .

( قوله أو حكم بالحجر على مفسد ) قال في شرح أدب القضاء ولو أن قاضيا حجر على رجل فاسد يستحق الحجر فجاء قاض آخر فأطلق حجره وأجاز ما صنع كان إطلاقه جائزا وما صنع في ماله من شراء أو بيع قبل إطلاقه وبعد إطلاقه عنه جاز لوجهين أحدهما أن الأول ليس بقضاء لعدم المقضي له والمقضي عليه بل فتوى منه فكان للثاني أن لا يعمل به فيطلق والثاني إن كان قضاء فنفس القضاء مجتهد فيه فلا يكون حجرا منه بل يتوقف على إمضاء قاض آخر إن أمضاه نفذ وصار القاضي الثاني بيانا في محل مجتهد والبيان من الثاني في محل مجتهد يكون بمنزلة القضاء في محل مجتهد ولو قضى في محل مجتهد فيه ينفذ قضاؤه ولا يكون للثاني أن يرده فكذا إذا بين الثاني لا يكون للثالث أن يرده فإذا رد القاضي الثاني القضاء الأول بطل فلا يكون للثالث أن ينفذه وصار هذا نظير القاضي إذا قضى في حادثة وهو محدود في قذف فإن هذا القضاء لا يكون حجة حتى يتصل به الإمضاء من القاضي الثاني ا هـ .

وأنت خبير بأن كلامنا فيما لا ينفذ القضاء فيه والقضاء بالحجر لا ينفذ كما علمت من أنه فتوى لكن لو نفذه قاض آخر نفذ [ ص: 14 ]

( قوله أو بصحة ضمان الخلاص ) يريد به أن الإنسان يبيع داره من إنسان ويضمن له الخلاص أو غير البائع يضمن له الخلاص وتفسيره أنه لو جاء مستحق واستحقها فهو ضامن للخلاص يستخلص الدار من يد المستحق إما شراء أو هبة أو بوجه من الوجوه فإذا ضمن كذلك ثم ظهر الاستحقاق فرفع إلى قاض آخر يرى ذلك الضمان صحيحا فقضى عليه بتسليم الدار ثم رفع إلى آخر لا يراه فإنه يبطله ; لأنه شرط لا يقدر على الوفاء به وهذا التفسير قول أبي حنيفة واختيار الخصاف ، وأما عندهما فهو والعهدة والدرك واحد وهو الرجوع بالثمن على البائع عند الاستحقاق وتمامه في شرح أدب القضاء ( قوله أو بحد بحكم التعريض ) كقوله لآخر أما أنا فلست بزان ( قوله ليعم حكم نفسه قبل ذلك ) أي الحكم الصادر منه قبل ذلك الحكم وفي الفواكه البدرية خلافه حيث قال فإن قيل هل يجوز للقاضي الأول أن يحكم بصحة الحكم الصادر منه المختلف فيه أو الطريق الواقعة عنده المختلف فيها ويكون هذا رافعا للخلاف في ذلك ولا يحتاج في نفوذه على المخالف إلى قاض آخر موافق للقاضي الأول في المذهب أم ليس له ذلك والجواب أنه لا يجوز ; لأنه غير ممكن شرعا إذ القاضي لا يقضي لنفسه بالإجماع فلا بد في نفوذه على المخالف من إمضاء قاض آخر موافق لمذهبه إلى آخر ما قرره فتأمل .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث