الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل ما يفعله من أراد الدخول في الصلاة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( قوله وقرأ تشهد ابن مسعود رضي الله عنه ) ، وهو ما رواه أصحاب الكتب الستة ، وهو : التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده [ ص: 343 ] ورسوله فسمي تشهدا تسمية للكل باسم جزئه الأشرف ; لأن التشهد أشرف أذكاره ، ثم في تفسير ألفاظها أقوال كثيرة ، أحسنها : أن التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات البدنية والطيبات العبادات المالية فجميع العبادات لله تعالى لا يستحقه غيره ولا يتقرب بشيء منه إلى ما سواه ، ثم هو على مثال من يدخل على الملوك فيقدم الثناء أولا ، ثم الخدمة ثانيا ، ثم بذل المال ثالثا ، وأما قوله : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته حكاية سلام الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام فهي ثلاثة بمقابلة الثلاث التي أثنى بها النبي صلى الله عليه وسلم على ربه ليلة الإسراء ، والسلام من سلم الله تعالى عليه أو من تسليمه من الآفات وإلا ظهر أن المراد بالرحمة هنا نفس الإحسان منه تعالى لا إرادته ; لأن المراد الدعاء بها والدعاء إنما يتعلق بالممكن والإرادة قديمة بخلاف نفس الإحسان ، والبركة النماء والزيادة من الخير

ويقال : البركة جماع كل خير ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعطى سهما من هذه الكرامة لإخوانه الأنبياء والملائكة وصالح المؤمنين من الإنس والجن ; لأنه يعمهم كما شهدت به السنة الصحيحة حيث قال صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض ، والعباد جمع عبد ، قال بعضهم : ليس شيء أشرف من العبودية ، ومراده من صفات المخلوقين وإلا فهي منبئة عن النقص لدلاتها على الحاجة والافتقار كما ذكره الغزالي في جواهر القرآن وعرفها النسفي بأنها الرضا بما يفعله الرب ، والعبادة فعل ما يرضي الرب وأن العبودية أقوى منها ; لأنها لا تسقط في العقبى بخلاف العبادة والصالح هو القائم بحقوق الله وحقوق عباده ولذا وصف الأنبياء نبينا عليه الصلاة والسلام به ليلة الإسراء فقالوا : مرحبا بالنبي الصالح ولذا قالوا لا ينبغي الجزم به في حق شخص معين من غير شهادة الشارع له به ، وإنما يقال هو صالح فيما أظن أو في ظني خوفا من الشهادة بما ليس فيه ، وأشهد معناه أعلم وأتيقن ألوهية الله تعالى وحده لا شريك له وعبودية محمد ورسالته صلى الله عليه وسلم وقدمت العبودية على الرسالة لما قدمناه أنها أشرف صفاته ، ولهذا وصفه الله تعالى بها في قوله تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده } وفي قوله تعالى { فأوحى إلى عبده ما أوحى } واختير لفظ الشهادة دونهما ; لأنها أبلغ في معناها وأظهر منهما لكونها مستعملة في ظواهر الأشياء وبواطنها ، بخلاف العلم واليقين فإنهما يستعملان غالبا في البواطن فقط ، ولذا لو أتى الشاهد بلفظ أعلم أو أتيقن مكان أشهد لم تقبل شهادته

وإنما ذكرنا بعض معاني التشهد لما أن المصلي يقصد بهذه الألفاظ معانيها مرادة له على وجه الإنشاء منه كما صرح به في المجتبى بقوله : ولا بد من أن يقصد بألفاظ التشهد معناها التي وضعت لها من عنده كأنه يحي الله ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نفسه وأوليائه ا هـ .

وعلى هذا فالضمير في قوله السلام علينا عائد إلى الحاضرين من الإمام والمأموم والملائكة كما نقله في الغاية عن النووي واستحسنه وبهذا يضعف ما ذكره في السراج الوهاج أن قوله السلام عليك أيها النبي حكاية سلام الله عليه لا ابتداء سلام من المصلي عليه واحترز بتشهد ابن مسعود عن غيره ليخرج تشهد عمر رضي الله عنه ، وهو : التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله رواه مالك في الموطإ وعمل به إلا أنه زاد عليه ( وحده لا شريك له ) الثابت في تشهد عائشة المروي في الموطإ أيضا وبه علم تشهدها وخرج تشهد ابن عباس رضي الله عنهما المروي في مسلم وغيره مرفوعا : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله [ ص: 344 ] إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله إلا أن في رواية الترمذي سلام عليك بالتنكير وبهذا أخذ الشافعي

وقال : إنه أكمل التشهد ورجح مشايخنا تشهد ابن مسعود بوجوه عشرة ذكرها الشارح وغيره أحسنها : أن حديثه اتفق عليه الأئمة الستة في كتبهم لفظا ومعنى ، واتفق المحدثون على أنه أصح أحاديث التشهد بخلاف غيره حتى قال الترمذي إن أكثر أهل العلم عليه من الصحابة والتابعين وممن عمل به أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان يعلمه الناس على المنبر كالقرآن ، ثم وقع لبعض الشارحين أنه قال والأخذ بتشهد ابن مسعود أولى فيفيد أن الخلاف في الأولوية حتى لو تشهد بغيره كان آتيا بالواجب والظاهر خلافه ; لأنهم جعلوا التشهد واجبا وعينوه في تشهد ابن مسعود فكان واجبا ، ولهذا قال في السراج الوهاج ويكره أن يزيد في التشهد حرفا أو يبتدئ بحرف قبل حرف قال أبو حنيفة ، ولو نقص من تشهده أو زاد فيه كان مكروها ; لأن أذكار الصلاة محصورة فلا يزاد عليها ا هـ .

وإذا قلنا بتعينه للوجوب كانت الكراهة تحريمية وهي المحمل عند إطلاقها كما ذكرناه غير مرة وأشار إلى أنه لا يزيد على تشهد ابن مسعود في القعدة الأولى فلا يأتي بالصلاة صلى الله عليه وسلم فيها ، وهو قول أصحابنا ومالك وأحمد ، وعند الشافعي على الصحيح أنها مستحبة فيها ، للجمهور ما رواه أحمد وابن خزيمة من حديث ابن مسعود ثم إن { كان صلى الله عليه وسلم في وسط الصلاة نهض حين فرغ من تشهده } قال الطحاوي من زاد على هذا فقد خالف الإجماع ، فإن زاد فيها ، فإن كان عامدا فهو مكروه ولا يخفى وجوب إعادتها ، وإن كان ساهيا فقد اختلفت الرواية والمشايخ والمختار كما صرح به في الخلاصة أنه يجب السجود للسهو إذا قال اللهم صل على محمد لا لأجل خصوص الصلاة بل لتأخير القيام المفروض واختاره قاضي خان وبهذا ظهر ضعف ما في منية المصلي من أنه إذا زاد حرفا واحدا وجب عليه سجود السهو على قول أكثر المشايخ ; لأن الحرف أو الكلمة يسير يعسر التحرز عنه وما ذكره القاضي الإمام من أن السجود لا يجب حتى يقول وعلى آل محمد ; لأن التأخير حاصل بما ذكرناه وما في الذخيرة من أنه لا يجب حتى يؤخر مقدر ما يؤدي ركنا فيه ; لأنه لا دليل عليه .

[ ص: 343 ]

التالي السابق


[ ص: 343 ] ( قوله دونهما ) أي دون أعلم وأتيقن . [ ص: 344 ] ( قوله والظاهر خلافه ) قال الرملي بل الظاهر أن الخلاف في الأولوية ومعنى قولهم التشهد واجب أي التشهد المروي على الاختلاف لا واحد بعينه وقواعدنا تقتضيه ومن صبغ يده في الفقه وعلم حقيقة اصطلاحهم رضيه ، تأمل ، ثم رأيت في النهر قريبا مما قلت : فإنه قال وأقول : عبارة بعضهم بعد سبر وجوه ترجيحات ابن مسعود رضي الله عنه فكان الأخذ به أولى ، وقال الشارح في وجوه الترجيحات له إنه عليه الصلاة والسلام أمره أن يعلمه الناس فيما رواه أحمد والأمر للوجوب فلا ينزل عن الاستحباب وهذا صريح في نفي الوجوب وعليه فالكراهة السابقة تنزيهية ا هـ .

والله تعالى الموفق . وأقول : لو قلنا تحريمية فالمراد الزيادة والنقص على المروي بمطلقه تأمل . ا هـ .

( وقوله وما ذكره ) أي وظهر ضعف ما ذكره قال الرملي ، وفي شرح منية المصلي والأول وهو زيادة وعلى آل محمد هو الذي عليه الأكثر ، وهو الأصح . ا هـ .

وقد اختلف التصحيح كما ترى فينبغي ترجيح ما ذكره القاضي الإمام تأمل ا هـ .

وهذا ما رجحه شارح المنية الشيخ إبراهيم الحلبي في شرحه الصغير وكلامه في شرحه الكبير يدل على ترجيح ما رجحه المؤلف كما نذكره ( قوله وما في الذخيرة إلخ ) أقول : ما في الذخيرة لا يخالف الأول لأن المراد بمقدار أداء الركن مقدار أداء أقصر ركن من أركان الصلاة وذلك قدر تسبيحة ، ثم رأيت في شرح المنية قال والصحيح أن قدر زيادة الحرف ونحوه غير معتبر في جنس ما يجب به سجود السهو وإنما المعتبر مقدار ما يؤدى فيه ركن في الجهر فيما يخافت وعكسه وكما في التفكر حال الشك ونحوه على ما عرف في باب السهو ، وقوله : اللهم صل على محمد يشغل من الزمان ما يمكن أن يؤدى فيه ركن بخلاف ما دونه لأنه زمن قليل يعسر الاحتراز عنه . ا هـ .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث