الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        قال رحمه الله ( ولو رهن عينا عند رجلين صح ) سواء كانا شريكين في الدين أو لم يكونا شريكين فيه ويكون جميع العين رهنا عند كل واحد منهما ; لأن الرهن أضيف إلى كل العين في صفقة واحدة ولا يكون شائعا باعتبار تعدد المستحق ; لأن موجبه جعله محبوسا بدين كل [ ص: 288 ] واحد منهما ، إذ لا تضايق في استحقاق الحبس ولهذا لو رهن لا ينقسم على أجزاء الدين بل يكون كله محبوسا بكل الدين وبكل جزء من أجزائه فلا شيوع قال صاحب العناية أخذا من النهاية قيل هو منقوض بما إذا باع من رجلين أو وهب من رجلين على قول أبي يوسف ومحمد ، فإن العقد فيهما أضيف إلى جميع الدين في صفقة واحدة وفيه الشيوع حتى كان المبيع والمرهون بينهما نصفين كما لو نص على المناصفة .

                                                                                        والجواب أن إضافة العقد إلى اثنين توجب الشيوع فيما يكون العقد مفيدا للملك كالهبة والبيع ، فإن العين الواحدة لا يمكن أن تكون مملوكة لشخصين على الكمال فتجعل شائعة فتنقسم عليهما للجواز والرهن غير مفيد للملك وإنما يفيد الاحتباس ويجوز أن تكون العين الواحدة محتبسة لحقين على الكمال فيمتنع الشيوع فيه تحريا للجواز لكون القبض لا بد منه في الرهن والشيوع يمنع عنه إلى هنا كلامه أقول : بخلاف الهبة من رجلين حيث لا يجوز عند الإمام ; لأن العين تنقسم عليهما لاستحالة ثبوت الملك لكل واحد منهما في الكل فيثبت الشيوع ضرورة ، وقد تقدم بيانه في كتاب الهبة وكل واحد منهما في نوبته كالعدل في حق الآخر ، وهذا إذا كان مما لا يتجزأ ظاهر ، وإن كان مما يتجزأ وجب أن يحبس كل واحد منهما النصف ، فإن دفع أحدهما كله إلى الآخر وجب أن يضمن الدافع عند الإمام خلافا لهما . وفي المبسوط مسائله على فصول : الأول في رهن رجلين من واحد . والثاني في ارتهان الرجلين من واحد . والثالث في التفاسخ .

                                                                                        فصل في رهن رجلين بدين عليهما رجلا رهنا وأخذه جاز ; لأن قبض المرتهن يتحقق في الكل من غير شيوع وتفرق أملاكهما لا يوجب شيوعها في الرهن ، فإنه يجوز أن يكون ملك الغير مرهونا بدين الغير كما لو استعار شيئا فرهنه ; لأنهما لما رهنا جملة فقد رضيا بكون كله رهنا لكل واحد منهما بدينه ; لأنهما قصدا صحة الرهن ولن يصح إلا بأن يجعل كل واحد منهما راهنا كله بدينه تصحيحا للرهن ; لأنه يحتال لتصحيح العقد ما أمكن ، وهذا ممكن ، ألا ترى أن من رهن عبدا آخر بإذنه بألف صار راهنا كله بكل درهم مثلا حتى لو قضى كل الدين إلا درهما بقي كل العبد رهنا بذلك الدرهم فكذا هذا ويعتبر اتحاد صفقة الرهن واختلافهما ولا يعتبر اختلاف الدينين واتفاقهما حتى لو رهن بدينه عينا في صفقتين لم يجز لاختلاف صفقة الرهن فيمكن الشيوع في كل صفقة ، ولو مات أحد الراهنين فورثه الآخر فالرهن على حاله ; لأن الوارث يقوم مقام الموروث في حقوقه وأملاكه .

                                                                                        والرهن لا يبطل بموت الراهن ولا بموت المرتهن فيبقى الرهن على حاله ومن رهن مالين بدين واحد وقيمة المالين سواء صار كل واحد منهما رهنا بنصف الدين فلو ارتهن رجلان من رجل رهنا والدينان مختلفان أو المالان كانا مختلفين جاز ولكل واحد منهما قدر دينه فيما بينهما ; لأن الدين أضيف إلى كل العبد ولا شيوع فيه كأنه رهن لكل منهما ، ولم يرهن البعض من هذا والبعض من هذا وموجبه صيرورته محبوسا بالدين ، وهذا مما يقابل الوصف بالتجزي فصار محبوسا لكل واحد منهما بكماله فيمسك هذا يوما والآخر يوما وصار كل واحد منهما في اليوم الذي يمسك كالعدل في حق الآخر ، فإذا هلك صار كل واحد منهما مستوفيا بقدر حصته ; لأن الاستيفاء مما يقبل الوصف بالتجزي ، ولو قضى الراهن دين أحدهما ليس له أخذ شيء من الرهن وللآخر أن يمسكه كله حتى يستوفي دينه ; لأن العين صارت محبوسة لكل واحد بكماله والعين الواحدة تجوز أن تصير كلها محبوسة بحق هذا ، وعلى هذا لو اشترى رجلان شيئا واحدا وأدى أحدهما حصته لم يكن له أن يقضيه شيئا وللبائع أن يحبسه كله حتى يستوفي ما على الآخر ، فإن هلك عنده بعد ما قضى دينه يسترد ما أعطاه لما ذكرنا .

                                                                                        ولو تفاسخ الراهن والمرتهن فما لم يقبضه الراهن فهو رهن يمسكه المرتهن ; لأن نقض الرهن لا يصح إلا بنقض القبض كالرهن لا يصح إلا بالقبض ; لأن نقض الشيء ضد العقد حكما ، ولو بدا للراهن أن يتركه فللمرتهن أن يرده ; لأن الرهن غير لازم في حق المرتهن . رهن اثنان لم يكن لأحدهما أن يسترده بدون الآخر ; لأن أحدهما متى انفرد بالرد أبطل حق الأخر ، فإن حق الآخر بقي في النصف شائعا والرهن في نصف شائع باطل وإنما جعل الرهن منهما رهنا من كل واحد منهما على الكمال ضرورة تصحيح العقد تحريا للجواز والضرورة في تصحيح العقد لا في تصحيح الفسخ فيعتبر الفسخ متجزئا فمتى انفرد أحدهما [ ص: 289 ] بالفسخ يبقى في حق الآخر الرهن في جزء شائع وكان في نقضه نقض الرهن في الكل فلا يملكه ، ولو نقض أحد شريكي المفاوضة جاز ; لأن تصرف أحدهما كتصرفهما حتى يكون رهن أحدهما كرهنهما فكذا نقض أحدهما كنقضهما ، لا يملكه أحد شريكي العنان ; لأنه ليس تصرف أحدهما كتصرفهما حتى لا يجعل رهن أحدهما كرهنهما ، فإن نقضه وقبضه وهلك عنده ، ولم يباشر العقد بإذن شريكه كان المرتهن ضامنا حصة من لم ينقض ويرجع بدينه عليهما وبنصف القيمة التي ضمن على الذي قبض منه الرهن طعن عيسى ، فقال لا يرجع على المرتهن بما ضمن على القابض إلا إذا ادعى الوكالة من صاحبه ودفع إليه المرتهن من غير تصديق قيل في الجواب عنه بأن عقد الشركة بينهما من حيث الظاهر يصير بمنزلة دعوى الوكالة .

                                                                                        فإن قيام الشركة بينهما خلل ظاهر ; لأن كل واحد منهما حق النقض على صاحبه فصار المرتهن مغرورا من جهته اعتمادا منه على أن لأحد الشريكين النقض لقيام الشركة بينهما فيرجع بذلك ، وقيل تأويله إذا قال وكلني صاحبي بقبض نصيبه وكذبه المرتهن أو لم يكذبه ، ولم يصدقه كذا في المستودع ، وذكر الفقيه أبو الليث في العيون رجلان لكل واحد منهما ألف درهم على رجل فارتهنا منه أرضا بدينهما وقبضاها ، ثم قال أحدهما إن المال الذي لنا على فلان باطل والأرض في أيدينا تلجئة ، قال الفقيه أبو الليث وأبو يوسف رحمه الله بطل الرهن ; لأن الدينين ، وإن اختلفا ولكن الرهن بهما واحد ، فإذا اعترف أحدهما ببطلان الدين والرهن بطل الرهن أصلا .

                                                                                        وقال محمد رحمه الله تعالى لا يبطل الرهن ويبرأ من حصته من الدين والرهن بحاله ; لأن الدينين مختلفان والرهن إنما يصح بهما حقا لهما فإقراره يصح مبطلا لحق نفسه دون شريكه فبطل حق المقر في الدين والرهن وبقي حق الآخر فيهما على حاله الجامع لرجل على رجلين دين على أحدهما ألف درهم وعلى الآخر مائة دينار قيمتها ألف وخمسمائة فرهن عبدا يساوي ألفين وهلك العبد صار كل واحد منهما موفيا أربعة أخماس دينه ويرجع من عليه الدراهم على الآخر بأربعين درهما ويرجع عليه الآخر بأربعمائة درهم ولا تصح المقاصة إلا برضاهما ; لأن الرهن أقل من الدين والدين ألفان وخمسمائة والرهن ألفان ، فإذا هلك ذهب من الدين قدر قيمته وذلك ألفان وبقي خمسمائة وألفان أربعة أخماس الدين فصار كل واحد منهما بالهلاك قابضا أربعة أخماس دينه وذلك ثمانمائة نصفه من نصيبه من العبد ونصفه من نصيب صاحبه لما ذكرنا أن كل واحد من الراهنين صار راهنا جميع العبد بدينه فصار من عليه الدراهم قاضيا ثمانمائة درهم نصفها من مال صاحبه وذلك أربعمائة فيرجع عليه صاحبه بذلك ; لأن من قضى دين غيره بأمره فله أن يرجع بما قضي عليه والمقاصة لا تصح من الجنسين المختلفين إلا أن يتقاصا ويخرج على هذا الأصل ، ولو كان الدين ثلاثة آلاف على أحدهم ألف وخمسمائة وعلى الآخر ألف وعلى الثالث خمسمائة فرهنوا بذلك عبدا بينهما أثلاثا وقيمته ألفان فهلك في يده صار كل واحد منهما قاضيا ثلثي دينه وبقي عليه ثلثه إلا أن كل واحد منهما صار قاضيا ثلثي دينه ثلث ذلك من نصيبه وثلثه من نصيب صاحبه فيرجعان على القاضي بما قضى دينه من نصيبهما على نحو ما ذكرنا ، والله أعلم .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية