الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفتح على غير إمامه في الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

( قوله والسلام ورده ) لأنه من كلام الناس أطلقه فشمل العمد والسهو كما صرح به في الخلاصة وشمل ما إذا قال السلام فقط من غير أن يقول عليكم كما في الخلاصة أيضا وفي الهداية ما يخالفه فإنه قال بخلاف السلام ساهيا لأنه من الأذكار فيعتبر ذكرا في حالة النسيان وكلاما في حالة التعمد لما فيه من كاف الخطاب ا هـ .

وتبعه الشارحون وهكذا قيد صدر الشريعة السلام بالعمد ولم يقيد الرد به قال الشمني لأن رد السلام مفسد عمدا كان أو سهوا لأن رد السلام ليس من الأذكار بل هو كلام وخطاب والكلام مفسد مطلقا ا هـ .

وهكذا قيد السلام بالعمد في المجمع ولم أر من من وفق بين العبارات وقد ظهر لي أن المراد بالسلام المفسد مطلقا أن يكون لمخاطب حاضر فهذا لا فرق فيه بين العمد والنسيان أي نسيان كونه في الصلاة وأن المراد بالسلام المفسد حالة العمد فقط أن لا يكون لمخاطب [ ص: 9 ] حاضر كما قالوا لو سلم على رأس الركعتين في الرباعية ساهيا فإن صلاته لا تفسد وكذا لو سلم المسبوق مع الإمام ثم بعد ذلك رأيت التصريح به في البدائع أن السلام على إنسان مبطل مطلقا

وأما السلام وهو الخروج من الصلاة فإنه مفسد إن كان عمدا والله الموفق وفي القنية سلم قائما على ظن أنه أتم الصلاة ثم علم أنه لم يتم فسدت وقيل يبني لأنه سلم في غير محله بخلاف القعود وصلاة الجنازة ا هـ .

وهو مقيد لإطلاقهم بما إذا كان السلام حالة القعود وفيها سلم المسبوق ساهيا ودعا بدعاء كان عادته أعاد ولو قال أستغفر الله وهو عادته لا يعيد ولو قال المسبوق بعد الترويحة سبحان الله إلى آخره كما هو المعتاد ينبغي أن لا تفسد قرأ المسبوق الفاتحة بعد سلام الإمام على المحتاج ناسيا فسدت ا هـ .

ثم هذا كله إذا سلم أو رد بلسانه أما إذا رد السلام بيده ففي الفتاوى الظهيرية والخلاصة وغيرهما لو سلم إنسان على المصلي فأشار إلى رد السلام برأسه أو بيده أو بأصبعه لا تفسد صلاته ولو طلب إنسان من المصلي شيئا فأومأ برأسه أو قيل له أجيد هذا فأومأ برأسه بلا أو بنعم لا تفسد صلاته ا هـ .

وفي المجمع لو رد السلام بلسانه أو بيده فسدت ومن العجب أن العلامة ابن أمير حاج الحلبي مع سعة إطلاعه قال إن بعض من ليس من أهل المذهب قد عزى إلى أبي حنيفة أن الصلاة تفسد بالرد باليد وأنه لم يعرف أن أحدا من أهل المذهب نقل الفساد في رد السلام باليد وإنما يذكرون عدم الفساد من غير حكاية خلاف في المذهب فيه بل وصريح كلام الطحاوي في شرح الآثار يفيد أن عدم الفساد قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وكأن هذا القائل فهم من نفي الرد بالإشارة الفساد على تقديره كما هو كذلك في الرد بالنطق لكن الثبت ما ذكرنا ا هـ .

فإن صاحب المجمع من أهل المذهب المتأخرين والحق ما ذكره العلامة الحلبي أن الفساد ليس بثابت في المذهب وإنما استنبطه بعض المشايخ في فرع نقله من الظهيرية والخلاصة وغيرهما أنه لو صافح المصلي إنسانا بنية السلام فسدت صلاته ونقل الزاهدي بعد نقله عن حسام الأئمة المودني أنه قال فعلى هذا تفسد أيضا إذا رد بالإشارة لأنه كالتسليم باليد وكذا ذكره البقالي وقال عند أبي يوسف لا تفسد ا هـ .

ويدل لعدم كونه مفسدا ما ثبت في سنن أبي داود وصححه الترمذي عن ابن عمر قال { خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى قباء فصلى فيه قال فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي فقلت لبلال كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد السلام عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي قال يقول هكذا وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق } .

وما { عن صهيب مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة . ولا أعلمه } قال الإشارة بأصبعه رواه أبو داود والترمذي وحسنه فإن قلت إنها تقضي عدم الكراهة وقد صرحوا كما في منية المصلي وغيرها بكراهة السلام على المصلي ورده بالإشارة

[ ص: 10 ] أجاب العلامة الحلبي بأنها كراهة تنزيهية وفعله عليه السلام لها إنما كان تعليما للجواز فلا يوصف بالكراهة وقد أطال رحمه الله الكلام هنا إطالة حسنة كما هو دأبه وحينئذ فيحتاج إلى الفرق بين المصافحة والرد باليد وقد علل الولوالجي لفسادها بالمصافحة بأنها سلام وهو مفسد وعلل الزيلعي بأنها كلام معنى ويرد عليه أن الرد بالإشارة كلام معنى فالظاهر استواء حكمهما وهو عدم الفساد للأحاديث الواردة في ذلك ثم اعلم أنه يكره السلام على المصلي والقارئ والجالس للقضاء أو البحث في الفقه أو التخلي ولو سلم عليهم لا يجب عليهم الرد لأنه في غير محله كذا ذكر الشارح وصرح في فتح القدير من باب الأذان أن السلام على المتغوط حرام ولا يخفى ما فيه إذ الدليل ليس بقطعي والله سبحانه أعلم

التالي السابق


( قوله وقد ظهر لي أن المراد بالسلام إلخ ) يؤيده عطف المصنف الرد على السلام فإنه قرينة على أن المراد به سلام التحية وهذا لا فرق فيه بين العمد والنسيان فلذا أطلقه [ ص: 9 ] ( قوله ثم بعد ذلك رأيت التصريح به في البدائع إلخ ) ومثل ما في البدائع ما في شرح العلامة المقدسي عن الزاد حيث قال وفي الهارونيات لو سلم قائما على ظن أنه أتم ثم علم أنه لم يتم تفسد لأنه سلم في غير محله بخلاف القعود وصلاة الجنازة ولو سلم على إنسان ساهيا فقال السلام ثم علم فسكت تفسد ا هـ .

وفي النهر ثم رأيت في زاد الفقير للعلامة ابن الهمام كلاما حسنا قال الكلام مفسد إلا السلام ساهيا وليس معناه السلام على إنسان إذ صرحوا بأنه إذا سلم على إنسان ساهيا فقال السلام ثم علم فسكت تفسد صلاته بل المراد السلام للخروج من الصلاة ساهيا قبل إتمامها ومعنى المسألة أن يظن أنه أكمل أما إذا سلم في الرباعية مثلا ساهيا بعد ركعتين على ظن أنها ترويحة ونحو ذلك تفسد صلاته فليحفظ هذا ا هـ .

( قوله لأنه سلم في غير محله ) تعليل للفساد لا لقوله وقيل يبني كما توهمه العبارة على أن قوله وقيل يبني ليس موجودا فيما رأيته في القنية ( قوله على المحتاج ) كذا هو في القنية وانظر ما معناه وفي بعض نسخ البحر على المعتاد وفي بعضها على المختار

( قوله وكأن هذا القائل ) وهو المعبر عنه ببعض من ليس من أهل المذهب فهم من نفي الرد بالإشارة الفساد أي فهم من قولهم ولا يرد بالإشارة أن المراد أنها تفسد على تقدير الرد بها كما أن الحكم كذلك في الرد بالنطق فقوله من نفي الرد مصدر مجرور بمن مضاف إلى مفعوله وقوله بالإشارة متعلق بالرد وقوله الفساد بالنصب مفعول فهم ( قوله فإن صاحب المجمع ) تعليل لقوله ومن العجب إلخ وقوله والحق حاصله إقرار العلامة الحلبي على أن الفساد ليس بثابت في المذهب بعد انتقاد قوله وأنه لم يعرف أن أحدا من أهل المذهب نقل الفساد بأن صاحب المجمع نقله وهو من أهل المذهب وهذا منشأ العجب ( قوله فإن قلت إنها تقتضي عدم الكراهة ) ذكر الشارح الزيلعي ما يمنع ذلك فإنه قال ولا يرد بالإشارة لأنه عليه السلام لم يرد بالإشارة على ابن مسعود ولا على جابر وما روي من قول { صهيب سلمت على النبي عليه السلام وهو يصلي فرد علي بالإشارة } يحتمل أنه كان نهيا له عن السلام أو كان في حالة التشهد وهو يشير فظنه ردا ا هـ .

وفي شرح العلامة المقدسي [ ص: 10 ] بعد ذكره لحاصل ما في شرح المنية أقول : وما ذكره الشارح رحمه الله تعالى يرد هذا لأن الرد مشترك يراد به عدم القبول ولعله المراد من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم فكأنه يرد عليهم سلامهم ويعلمهم أنه في الصلاة ويراد به المكافأة على السلام الذي هو حق على المسلم لأخيه وليس هذا بمراد في هذا المقام وبهذا التوفيق يستغنى عن التطويل والتعسف وجعله مكروها تنزيها لوقوعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ا هـ .

وظاهر كلامه الميل إلى القول بالفساد ولكن لا يخفى أنه إذا قيل سلمت عليه فرد علي سلامي إنما يستعمل الرد فيه بمعنى جواب التحية بقرينة المقام والاستعمال ولو كان بمعنى عدم القبول والنهي عن السلام كان الواجب أن يقال فلم يجب سلامي أو لم يقبل أو نهاني ونحو ذلك مما لا يوهم خلاف المراد وحمل الأدلة على المتبادر منها أولى وغيره تعسف لا يصار إليه إلا بملجئ ( قوله ويرد عليه أن الرد بالإشارة كلام معنى ) قال في النهر فالأولى أن يعلل الفساد بالمصافحة بأنه عمل كثير بخلاف الرد باليد ا هـ وهو ظاهر كلام الشيخ إبراهيم الحلبي في شرح المنية

( قوله ثم اعلم أنه يكره السلام إلخ ) قال في النهر وزيد عليه مواضع وأحسن من جمعها الشيخ صدر الدين الغزي فقال

سلامك مكروه على من ستسمع ومن بعد ما أبدي يسن ويشرع     لمصل وتال ذاكر ومحدث
خطيب ومن يصغى إليهم ويسمع     مكرر فقه جالس لقضائه
ومن بحثوا في العلم دعهم لينفعوا     مؤذن أيضا أو مقيم مدرس
كذا الأجنبيات الفتيات تمنع     ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم
ومن هو مع أهل له يتمتع     ودع كافرا ومكشوف عورة
ومن هو في حال التغوط أشنع     ودع آكلا إلا إذا كنت جائعا
وتعلم منه أنه ليس يمنع

وقد زدت عليه المتفقه على أستاذه كما في القنية والمغني ومطير الحمام وألحقته فقلت

كذلك أستاذ مغن مطير     فهذا ختام والزيادة تنفع

. ا هـ .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث