الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( قوله ولزم النفل بالشروع ولو عند الغروب والطلوع ) بيان لما وجب على العبد من الصلاة بالتزامه وهو نوعان ما وجب بالقول وهو النذر وما وجب بالفعل وهو الشروع في النفل فنبدأ به تبعا للكتاب فنقول إن إبطال العمل حرام بالنص { ولا تبطلوا أعمالكم } فيلزمه الإتمام لأن الاحتراز عن إبطال العمل فيما لا يحتمل الوصف بالتحري لا يكون إلا بالتمام لأن المؤدى وقع قربة بدليل أنه لو مات بعد القدر المؤدى يصير مثابا وقد اتفق أصحابنا على لزوم القضاء في إفساد الصلاة والصوم سواء كان بعذر كالحيض في خلالهما أو بغير عذر وأنه يحل الإفساد لعذر فيهما وأنه لا يحل الإفساد في الصلاة لغير عذر واختلفوا في إباحته في الصوم لغير عذر ففي ظاهر الرواية لا يباح وفي رواية المنتقى يباح كما سيأتي في الصوم وقوله ولو عند الغروب بيان لكونه لازما له إذا شرع فيه في وقت مكروه وهو ظاهر الرواية فإذا أفسده لزمه قضاؤه بخلاف الصوم إذا شرع في وقت مكروه فإنه لا قضاء عليه بالإفساد وسيأتي الفرق إن شاء الله تعالى في الصوم وفي البدائع

وعندنا الأفضل أن يقطعها وإن أتم فقد أساء ولا قضاء عليه لأنه أداها كما وجبت فإذا قطعها لزمه القضاء انتهى وينبغي أن يكون القطع واجبا خروجا على المكروه تحريما وليس بإبطال للعمل لأنه إبطال ليؤديه على وجه أكمل فلا يعد إبطالا ولو قضاه في وقت مكروه آخر أجزأه لأنها وجبت ناقصة وأداها كما وجبت فيجوز كما لو أتمها في ذلك الوقت أطلق الشروع فانصرف إلى الصحيح فلو لم يكن صحيحا لا قضاء عليه كما لو شرع في صلاة أمي متطوعا أو في صلاة امرأة أو جنب أو محدث كما في البدائع وانصرف إلى القصدي فالشروع في الصلاة المظنونة غير موجب والمراد بالشروع هو الدخول فيها بتكبيرة الافتتاح أو بالقيام إلى الشفع الثاني بعد الفراغ من الأول صحيحا فإذا أفسد الشفع الثاني لزمه قضاؤه فقط ولا يسري إلى الأول لما تقدم أن كل شفع منه صلاة على حدة إلا إذا صلى ثلاث ركعات بقعدة واحدة فإن الأصح أنه لا يجوز وفسد الشفع الأول لأن ما اتصل به القعدة وهي الركعة الأخيرة فسدت لأن التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما قبلها كذا في البدائع ثم هذا النفل إذا صار لازما بالشروع لا يخرج عن أصل النفلية ولهذا لو اقتدى متطوعا بإمام مفترض ثم قطعه ثم اقتدى به ولم ينو القضاء فإنه يخرج عن العهدة ولو نوى تطوعا آخر ذكر في الأصل أنه ينوب عما لزمه بالإفساد وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف

وذكر في زيادات الزيادات أنه لا ينوب كما في البدائع أيضا وأما ما يجب بالقول وهو النذر ففي القنية أداء النفل بعد النذر أفضل من أدائه بدون النذر ثم نقل أنه لو أراد أن يصلي نوافل قيل ينذرها ثم يصليها وقيل يصليها كما هي انتهى ويشكل عليه ما رواه مسلم في صحيحه من النهي عن النذر وهو [ ص: 62 ] مرجح لقول من قال لا ينذرها لكن بعضهم حمل النهي على النذر المعلق على شرط لأنه يصير حصول الشرط كالعوض للعبادة فلم يكن مخلصا ووجه من قال بنذرها وإن كانت تصير واجبة بالشروع أن الشروع في النذر يكون واجبا فيحصل له ثواب الواجب به بخلاف النفل والأحسن عند العبد الضعيف أنه لا ينذرها خروجا عن عهدة النهي بيقين ثم المنذور قسمان منجز ومعلق فالمنجز يلزم الوفاء به إن كان عبادة مقصودة بنفسها ومن جنسها واجب فيحرم عليه الوفاء بنذر معصية ولا يلزمه بنذر مباح من أكل وشرب ولبس وجماع وطلاق ولا بنذر ما ليس بعبادة مقصودة كنذر الوضوء لكل صلاة وكذا لو نذر سجدة التلاوة خلافا لما في القنية من أنها تلزمه بخلاف ما إذا قال سجدة لا تلزمه ولا بنذر ما ليس من جنسه واجب كعيادة المريض وتشييع الجنازة قال في البدائع ومن شروطه أن يكون قربة مقصودة فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع الجنائز والوضوء والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والأذان وبناء الرباطات والمساجد وغير ذلك وإن كانت قربا لأنها غير مقصودة فلو قال لله علي أن أصلي أو أصلي صلاة أو علي صلاة لزمه ركعتان وكذا لو قال لله علي أن أصلي يوما لزمه ركعتان كما في القنية

فلو نذر صلوات شهر فعليه صلوات شهر كالمفروضات مع الوتر دون السنن لكنه يصلي الوتر والمغرب أربعا ولو نذر أن يصلي ركعة لزمه ركعتان أو ثلاثا فأربع لأن ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كله كما عرف ولو نذر نصف ركعة لزمه ركعتان عند أبي يوسف وهو المختار كما في الخلاصة والتجنيس ولو نذر أن يصلي الظهر ثمانيا أو أن يزكي النصاب عشرا أو حجة الإسلام مرتين لا يلزمه الزائد لأنه التزام غير المشروع فهو نذر بمعصية كما لو نذر صلاة بغير وضوء لأنها ليست بعبادة بخلاف ما لو نذرها بغير قراءة أو عريانا فإنها تلزمه بقراءة مستورا على المختار لأنها بغير قراءة عبادة كصلاة المأموم والأمي وبغير ثواب لعادمه والظاهر أن مرادهم بغير وضوء بغير طهارة أصلا تجوزا بالخاص عن العام ليكون المشروع الأصلي في مثله هو الخاص وإلا فالصلاة بغير وضوء مشروعة بالتيمم عند العجز عن استعمال الماء وينبغي أن يلزم النذر بالصلاة بغير طهارة على قول أبي يوسف كما قال به بغير وضوء لأنه يقول بمشروعيتها لفاقد الطهورين كما عرف وكأنه لندرته لم يفرع عليه وفي شرح المجمع لمصنفه لو قال صلاة بطهارة بلا طهارة يلزمه بطهارة اتفاقا وأما المعلق فظاهر الرواية أنه يلزمه الوفاء به عند وجود الشرط كما في الظهيرية

و اختار المحققون أنه إن كان معلقا على شرط يريد كونه لجلب منفعة أو دفع مضرة كأن شفى الله مريضي أو مات عدوي فلله علي [ ص: 63 ] صوم أو صدقة أو صلاة لا يجزئه إلا فعل عينه وإن كان معلقا على شرط لا يريد كونه كأن دخلت الدار أو كلمت فلانا كان مخيرا بين الوفاء به وبين كفارة اليمين وصححه في الهداية وقال إن أبا حنيفة رجع عن غيره وكذا في الظهيرية وبه كان يفتي إسماعيل الزاهد ثم في المعلق لا يجوز تعجيله قبل وجود الشرط بخلاف المضاف كأن نذر أن يصلي في غد فصلى اليوم فإنه يجوز عندهما خلافا لمحمد والفرق أن المعلق لا ينعقد سببا في الحال بل عند الشرط والمضاف ينعقد في الحال كما عرف في الأصول وأوضحناه في لب الأصول

ولو عين مكانا فصلى فيما هو أشرف منه أو دونه جاز خلافا لزفر في الثاني وذكر في المصفى أن أقوى الأماكن المسجد الحرام ثم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم مسجد بيت المقدس ثم الجامع ثم مسجد الحي ثم البيت وذكر في الغاية بعد مسجد بيت المقدس مسجد قباء ثم الأقدم فالأقدم ثم الأعظم وذكر النووي أن هذه الفضيلة مختصة بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان في زمانه دون ما زيد فيه بعده فعلى هذا تكون الصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل من الصلاة في تلك الزيادة إلا أن يكون فناء هذا المسجد في حكمه في الفضيلة تشريفا له وهي كانت من فنائه قبل أن تجعل منه والله أعلم بالصواب وفي عدة المفتي للصدر الشهيد مريض قال إن شفاني الله تعالى على أن أقدر فأصلي ركعة فلله علي أن أتصدق بدرهم هكذا إلى أربعة دراهم فقدر على أربع ركعات يجب عليه التصدق بعشرة دراهم انتهى ووجهه أنه يلزمه بالركعة الأولى درهم وبالثانية درهمان وبالثالثة ثلاثة وبالرابعة أربعة فالجملة عشرة دراهم وفي القنية أوجب على نفسه صلاة في وقت بعينه يتعين ولو فات يقضيها كالصوم ولو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة يصلي في التشهد ويستفتح إذا قام إلى الثالثة ا هـ .

التالي السابق


( قول المصنف ولزم النفل بالشروع ) أي صلاة أو صوما كذا قال العيني وتعقبه في النهر بأنه من استعجال الشيء قبل أوانه وهلا قال أو حجا ا هـ .

وأجاب بعضهم بأنه تنصيص على ما فيه خلاف الشافعي بخلاف الحج إذ لا خلاف له فيه ولا في العمرة على ما يعلم من الزيلعي ا هـ .

والظاهر تخصيص الصلاة فقط لأن المقام لها ولأنه ينبو عن الصوم قول المصنف ولو عند الغروب والطلوع كما لا يخفى هذا وإنما لم يذكر الاستواء لأنه وقت ضيق لا يتأتى فيه أداء الصلاة كذا نقله بعضهم عن الشلبي وفيه أن الكلام في الشروع لا في الأداء ومدة الشروع يسيرة يمكن فيه فالأولى الجواب بأن تحري الشروع عند الاستواء نادر لعدم العلم به غالبا بخلاف الطلوع والغروب ( قوله ولو نوى تطوعا آخر ) أي مع الإمام في الصورة المذكورة ( قوله ويشكل عليه ما رواه مسلم في صحيحه ) وكذا رواه البخاري عن ابن عمر ولفظه { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل } [ ص: 62 ]

( قوله عن عهدة النهي ) أي النهي عن النذر فإن النهي الذي في حديث مسلم مطلق وتقييده بالنذر المعلق يحتمل أن يكون مراده ويحتمل عدمه جريا على ظاهر الإطلاق فالأحوط عدم النذر لكن ذكر في فتح القدير في فروع قبيل كتاب الحج لو ارتد عقيب نذر الاعتكاف ثم أسلم لم يلزمه موجب النذر لأن نفس النذر بالقربة قربة فيبطل بالردة كسائر القرب ا هـ .

ففيه التصريح بأن النذر بالقربة قربة فليس بمنهي عنه فيتعين تأويل الحديث بالمعلق بما لا يريد كونه كإن دخلت دار فلان فلله علي صوم كذا ونحوه فإنه لم يقصد به القربة وكذا المعلق بما يريد كونه كإن شفى الله مريضي أو رد غائبي فلله علي كذا فإنه لم يخلص من شائبة العوض حيث جعل القربة في مقابلة الشفاء ونحوه مع ما فيه من إيهام أن الشفاء حصل بسببه فلذا قال في الحديث إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل فإن هذا الكلام قد وقع موقع التعليل للنهي بخلاف النذر غير المعلق على شيء أصلا فإنه تبرع محض بالقربة لله تعالى فلا وجه لجعله داخلا تحت النهي هذا وقد حمل بعض شراح البخاري النهي في الحديث على من يعتقد أن النذر مؤثر في تحصيل غرضه المعلق عليه وما قلناه أقرب والله تعالى أعلم ( قوله ومن جنسها واجب ) انظر ما فائدة التقييد به فإن عيادة المريض وتشييع الجنازة قد خرجا بعبادة مقصودة كما يصرح به ما سينقله عن البدائع ( قوله وينبغي أن يلزم النذر بالصلاة بغير طهارة على قول أبي يوسف ) مقتضى ذلك أنه لم ير التصريح بذلك وهو عجيب فقد صرح به صاحب المجمع في شرحه عليه مع أنه سينقله عنه قريبا وعبارة شرح المجمع لمصنفه هكذا إذا نذر أن يصلي ركعتين بغير طهارة لزماه بطهارة عند أبي يوسف لأن صدر كلامه نذر صحيح ملزم للطهارة اقتضاء فكان قوله بغير طهارة مناقضا له فسقط وبقي الباقي على الصحة كقوله أنت طالق اليوم غدا أو غدا اليوم أو لله علي ركعتين بطهارة أو بغير طهارة وقال محمد لا يلزمه شيء لأنه نذر بمعصية فلا يلزمه والكلام واحد فلا بد من اعتباره بخلاف الإفصاح بشرط الصحة لأنه يعد رجوعا عن المنطوق بعد صحته ولزومه انتهت وبها يعلم ما في عبارته التي نقلها عن شرح المجمع من التحريف على ما في بعض النسخ فإن في بعضها لو قال صلاة بطهارة بلا طهارة والصواب فيها أو بلا طهارة وفي بعضها الاقتصار على قوله بلا طهارة وهي صحيحة وعليها فقد علمت ما في كلامه .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث