الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس

559 584 - حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة عن عبيد الله، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين، وعن لبستين، وعن صلاتين: نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وعن المنابذة والملامسة. [انظر: 368 - مسلم: 825، 1511 - فتح: 2 \ 58]

التالي السابق


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها: حدثنا حفص بن عمر قال: ثنا هشام، عن قتادة عن أبي العالية، عن ابن عباس قال شهد عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.

[ ص: 258 ] ثم قال: حدثنا مسدد، ثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، سمعت أبا العالية، عن ابن عباس قال: حدثني ناس بهذا.

وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضا، وقال الترمذي: حسن صحيح، ثم قال: وفي الباب عن جماعة عددهم، وأهمل جماعات أيضا ذكرتهم في شرحي "للعمدة"، فليراجع منه.

وبدأ البخاري بالسند الأول لعلوه إلى قتادة، وثنى بالثاني؛ لتصريح قتادة فيه بالسماع، ولمتابعة شعبة هشاما. وأبو العالية اسمه: رفيع، وهو أحد الأحاديث الأربعة أو الثلاثة التي لم يسمع من ابن عباس غيرها، ولهم ثان: أبو العالية البراء البصري زياد، وقيل: كلثوم. يروي عن ابن عباس أيضا، أخرج له الشيخان في تقصير الصلاة عن ابن عباس. وذكر الكلاباذي أنه أبو العالية رفيع، وقد انتقد عليه في ذلك، فإن الراوي عنه فيه أيوب، وأيوب لم يذكر له رواية عن أبي العالية رفيع.

إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

معنى شهد: بين وأعلم وأخبر، لا بمعنى الشهادة عند الحكام، كيف وعمر كان قاضيا للصديق، وخليفة بعده إلى أن مات، ولم يكن ابن عباس قاضيا له ولا نائبا في الإمارة، فدل على ما ذكرناه، ومثله قوله تعالى: شهد الله أنه لا إله إلا هو [آل عمران: 18] أي: بين، كما قاله الزجاج.

[ ص: 259 ] وقوله: (مرضيون). أي: لا شك في صدقهم ودينهم. وفي الترمذي وغيره: سمعت غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم عمر، وكان من أحبهم إلي. وفي هذا رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل الكتاب وأكابر الصحابة.

ثانيها:

قوله: (نهى عن الصلاة بعد الصبح). أي: بعد صلاة الصبح. وبعد العصر: أي: بعد صلاة العصر، كما ستعلمه. وادعى ابن بطال تواتر النهي فيهما.

ثالثها:

تشرق بضم أوله وكسر ثالثه، وبفتح أوله وضم ثالثه، وهو الأكثر عند رواه المشارقة. أشار القاضي عياض إلى ترجيح الأول، وهو بمعنى تطلع؛ لأن أكثر الروايات على تطلع. فوجب حمل تشرق في المعنى على موافقتها، يقال: شرقت الشمس تشرق أي: طلعت، ويقال: أشرقت تشرق أي: ارتفعت وأضاءت، ومنه قوله تعالى: وأشرقت الأرض بنور ربها [الزمر: 69] أي: أضاءت. فمن فتح التاء هنا احتج بأن في باقي الروايات: حتى تطلع الشمس. فوجب حمل هذه على موافقتها، ومن ضم احتج بأحاديث النهي عن الصلاة عند [ ص: 260 ] الطلوع، وعن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حتى تبرز، وحديث ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع في الروايات الأخر: ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد قرصها. وحكى الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي: أشرقت: أضاءت وصفت. وشرقت: طلعت، وعلى هذا أكثر أهل اللغة. وقال بعضهم: هما بمعنى واحد.

رابعها:

قام الإجماع على كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات النهي، وعلى جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا فيما إذا كان له سبب، فأباحه الشافعي وطائفة إذا كان السبب سابقا أو مقارنا، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى بقاء النهي لعموم الأحاديث، وتباح الفوائت عنده بعد الصبح والعصر ولا تباح في الأوقات الثلاث إلا عصر يومه، فيباح عند الاصفرار، ومشهور مذهب داود: منع الصلاة في هذه الأوقات مطلقا سواء ذات السبب وغيرها، وهو رواية عن أحمد ونقل القاضي عن داود أنه أباحها بسبب ودونه. واحتج الشافعي ومن وافقه بأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة، وهو إجماع فيها، وإن حكي عن الكرخي المنع، وقال - صلى الله عليه وسلم -

[ ص: 261 ] في التحية: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" وهذا خاص، وحديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات عام، وقد دخله التخصيص بصلاة الصبح والعصر وصلاة الجنازة كما سلف، وبحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها".

وأما حديث التحية: فهو على عمومه لم يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإمام يخطب.

خامسها:

الكراهة في هذين الوقتين تتعلق بالفعل كما أسلفته، حتى إذا تأخر الفعل فإنه لا يكره الصلاة قبلها، فإن تقدم كرهت.

وأما الكراهة المتعلقة بالوقت: فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعه والاصفرار حتى تغرب. ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر بالفعل. وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال.

سادسها:

استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي وقت الاستواء يوم الجمعة، وحرم مكة؛ لدليل آخر ذكرته في الفروع في "شرح المنهاج" وغيره مع بيان الخلاف في الكراهية في هذه الأوقات هل [ ص: 262 ] هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ وظاهر الحديث يدل للتحريم؛ لأنه الأصل في النهي.

سابعها:

روى الشافعي: "أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها"، وهو مرسل، وهو أحد ما قيل في سبب الكراهة في هذه الأوقات، وهو باب توقيف.

تتمتان:

الأولى: روي عن جماعة من السلف فيما حكاه ابن بطال عنهم أن النهي عند الطلوع وعند الغروب دون ما لم يبد حاجبها ولم تتدل للغروب، روي عن علي وابن مسعود وبلال وأبي أيوب وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس، وتأولوا أن المراد بالنهي عن الصلاة هذين الوقتين خاصة واستدلوا بقوله: "لا يتحرى أحدكم..." الحديث.

[ ص: 263 ] ثانيهما: لا يقدح في الإجماع السالف على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات بما روي عن داود السالف؛ لأن خلافه لا يقدح في الإجماع، وكذا لا يقدح في جواز الفرائض المؤداة فيها ما حكاه ابن العربي من المنع، وما نقله ابن حزم عن أبي بكرة وكعب بن عجرة أنهما نهيا عن الفرائض أيضا وحكي عن قوم أنهم لم يروا الصلاة أصلا في هذه الأوقات كلها. وأبدى الشيخ شهاب الدين السهروردي حكمة الكراهة بعد الصبح والعصر أنها لأجل راحة العمال من الأعمال، وهو معنى صوفي.

الحديث الثاني:

حديث ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها".

وفي رواية: " إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغرب". تابعه عبدة.

وهذا الحديث ذكره أيضا قريبا، وفي الحج أيضا، ومتابعة عبدة ليحيى بن سعيد ذكرها البخاري في صفة إبليس، زاد مسلم: "فإنها تطلع بقرني شيطان" ورواه مالك مرسلا، وقد روي عنه [ ص: 264 ] رفعه، ولم يتابع من رفعه عنه. والتحري: القصد والتعمد بفعل الشيء، ولا الناهية دخلت بعد الواو؛ لتفيد النهي عن كل منهما، وحاجب الشمس أول ما يبدو منها، وقد سلف فقه الحديث في الذي قبله.

الحديث الثالث:

حديث أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين، وعن لبستين، وعن صلاتين، نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، وعن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء، وعن المنابذة والملامسة.

وهذا الحديث أخرجه في اللباس أيضا، ومسلم في البيوع، وسلف خلا القطعة الأولى في باب ما يستر من العورة، مع الكلام عليه فراجعه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث