الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب قوله صلى الله عليه وسلم " بعثت بجوامع الكلم "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

6846 7274 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا الليث، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن - أو آمن - عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة ". [ انظر: مسلم: 152 فتح: 13 \ 247 ].

التالي السابق


ذكر فيه حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي". قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتم تلغثونها أو ترغثونها، أو كلمة تشبهها.

وعنه - رضي الله عنه - أيضا، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما مثله أومن - أو آمن - عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا إلى يوم القيامة".

الشرح:

قال الجوهري: جوامع الكلم: القرآن جمع الله فيه من الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، قال عمر بن عبد العزيز: عجبت لمن لاحن [ ص: 15 ] الناس كيف لا يعرف جوامع الكلم أي: كيف لا يقصر على الوجيز وترك الفضول، قال الداودي: ومما آتاه الله من جوامع الكلم خذ العفو وأمر بالعرف [ الأعراف: 199 ] فدخل في هذه جميع الأمر والنهي، وقبول الفرائض ومراعاتها، وكانت الأنبياء لا تطنب، وإنما تقول جملا تؤدي بها ما أمرت به وتبلغ بها ما أرادت، وتوضح بها ما احتيج إلى إيضاحه.

فصل:

( "آمن عليه البشر" ). أي: صدقت بتلك الآيات; لإعجازها لمن شهدها، كقلب العصا حية، وفرق البحر [ لموسى وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى - عليه السلام - .

"وكان الذي أعطيت أنا وحيا أوحاه الله إلي" فكان آية باقية دعى إلى الإتيان بمثله أهل التعاطي له، ومن نزل بلسانه، فعجزوا عنه ثم بقي آية ماثلة للعقول إلى من يأتي إلى يوم القيامة، يرون إعجاز الناس عنه رأي العين، والآيات التي أوتيها غيره من الأنبياء قبله رئي إعجازها في زمانهم، ثم لم تصحبهم إلا مدة حياتهم وانقطعت بوفاتهم، وكان القرآن باقيا بعد نبينا تحدى الناس إلى الإتيان بمثله، ويعجزهم على مرور الأعصار، فكان آية باقية لكل من أتى; فلذلك رجا أن يكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، ثم إن الله - عز وجل - قد ضمن هذه الآية أن لا يدخلها الباطل إلى يوم القيامة بقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر: 9 ] وضمن نبينا بقاء شريعته وإن ضيع بعضها [ قوم ] بقوله: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من [ ص: 16 ] خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

فصل:

معنى ( تلغثونها ): تأكلونها، يعني: الدنيا، من اللغث وهو طعام يغش بالشعير. و ( ترغثونها ): ترضعونها من: رغث الجدي أمه، إذا رضعها، ومنه حديث الصدقة: لا يؤخذ منها ( الربى ) والماخض والرغوث.

وقال ابن بطال: قوله: ( وأنتم تلغثونها ) أو ترغثونها. شك في أي الكلمتين قال - عليه السلام - . فأما اللغث باللام فلم أجده فيما تصفحت من اللغة، وأما رغث بالراء والغين المعجمة المفتوحة فمعروف عندهم، يقال: رغثت كل أنثى ولدها، وأرغثته: أرضعته، فهي رغوث كأنه قال: أنتم ترضعونها. كما قال عبد الله بن همام للنعمان بن بشير:


وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها أفاويق حتى ما يدر ثعل



وكذا قال الفراء وأبو عبد الملك أنها باللام فلا يعرف له معنى، وأما [ ص: 17 ] الراء فمعناه: ترضعونها، والرغث: الرضاع، وناقة رغوث، أي: غزيرة اللبن، وكذلك الشاة.

وكذلك قال: تنتثلونها. أي: تستخرجونها، قال أبو عبيد: النثل: ترك الشيء بمرة واحدة، يقال: أنثل ما في كنانته إذا صبها وتركها.

وذكر ابن سيده أن اللغث: الطعام المخلوط بالشعير كالبغيث عن ثعلب وفي "المنتهى" لأبي المعالي: لغث طعامه ولعثه، بالغين والعين إذا فرقه عن يعقوب، واللغيث ما بقي في المكوك من البر.

قلت: فعلى هذا يكون معناه، وأنتم تأخذون الطعام فتفرقونه لمن تريدون بعد حوزكم إياه، ويكون أدخل في المعنى من الراء والعين التي ذكرها، وزعم بعض من تكلم على هذا الحديث أنه رآه: تلعقونها - بالعين والقاف - وهو متوجه.

فصل:

( "مفاتيح خزائن الأرض" ). ما يفتح الله على أمته، و ( خزائن ) جمع خزانة، وهي الموضع الذي يخزن فيها سمي بذلك; لأنها من سبب المخزون، وقوله: "ما مثله أومن"، قال ابن التين: صوابه ( آمن ) ثلاثي، يقال: آمنته على كذا وأتمنته، قال تعالى: ما لك لا تأمنا على يوسف [ يوسف: 11 ] وقال: من إن تأمنه بقنطار [ آل عمران: 75 ].

الذي أوتيه الأنبياء: أوتي صالح الناقة، وإبراهيم برد النار عليه، وموسى الآيات البينات. وقد سلفت على نمط آخر في كتاب العلم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث