الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة

642 674 - وقال زهير ووهب بن عثمان: عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة". رواه إبراهيم بن المنذر، عن وهب بن عثمان، ووهب مديني. [انظر: 673 - مسلم: 559 - فتح: 2 \ 159]

التالي السابق


ذكر فيه أثرين وثلاثة أحاديث:

الأثر الأول عن ابن عمر قال فيه: وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء

ذكر أبو محمد معناه مسندا قريبا حيث قال: وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع [ ص: 484 ] قراءة الإمام.

وفي ابن ماجه من طريق صحيحة: وتعشى ابن عمر ليلة وهو يسمع الإقامة.

الثاني: عن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ. أي: من الشواغل الدنيوية؛ ليقف بين يدي الرب جل جلاله على أكمل حال.

وأما الحديث الأول أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء".

وأخرجه مسلم أيضا والنسائي ذكره من حديث أنس مرفوعا: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" وأخرجه البخاري في موضع آخر ولمسلم: "إذا أقيمت الصلاة والعشاء فابدءوا بالعشاء".

والثالث: ذكره من حديث عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه". وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام.

[ ص: 485 ] وأخرجه مسلم أيضا.

ثم قال البخاري: وقال زهير ووهب بن عثمان: عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة". قال: ورواه إبراهيم بن المنذر، عن وهب بن عثمان، ووهب مديني.

وأخرجه مسلم من حديث أنس بن عياض عن موسى، ووقع للحميدي في "جمعه" أنهما أخرجاه من حديث [موسى بن] عقبة، والبخاري إنما أخرجه تعليقا كما ترى، ورواه عن موسى حفص بن ميسرة، أخرجه البيهقي، ووهب هذا استشهد به البخاري هنا.

إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء في تأويل هذه الأحاديث، فذكر ابن المنذر أنه قال بظاهرها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق، ووجهه شغل القلب وذهاب كمال الخشوع. وقال الشافعي: يبدأ بالطعام إذا كانت نفسه شديدة [ ص: 486 ] التوقان إليه، فإن لم يكن كذلك ترك العشاء، وإتيان الصلاة أحب إلي، وذكر ابن حبيب مثل معناه. وقال ابن المنذر عن مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاما خفيفا. وفي الدارقطني: قال حميد: كنا عند أنس فأذن بالمغرب، فقال أنس: أبدءوا بالعشاء وكان عشاؤه خفيفا.

وقال أهل الظاهر: لا يجوز لأحد حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء، فإن فعل فصلاته باطلة.

والجمهور على الصحة وعلى عدم وجوب الإعادة، وحجتهم أن المعنى بالبداءة بالصلاة ما يخشى من شغل القلب بذلك فيفارقه الخشوع، وربما نقص من حدود الصلاة أو سها فيها، وقد بين هذا المعنى أبو الدرداء فيما سلف من قوله: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ، ولو كان إقباله على طعامه فرضا لم يقل فيه: من فقه المرء أن يبدأ به، بل كان يقول: من الواجب عليه اللازم له أن يبدأ به، فبين العلة في قوله: ابدءوا بالعشاء أنه لما يخاف من شغل البال، وقد رأينا شغل البال في الصلاة لا يفسدها، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام صلى في جبة لها علم فقال: "خذوها وائتوني بأنبجانية"، فأخبر أنه اشتغل بالعلم ولم تبطل صلاته.

[ ص: 487 ] وقال عمر بن الخطاب: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. وقال - عليه السلام -: "لا يزال الشيطان يأخذ أحدكم فيقول له: اذكر كذا، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى"، ولم يأمرنا بإعادتها لذلك، وإنما يستحب أن يكون المصلي فارغ البال من خواطر الدنيا ليتفرغ لمناجاة ربه - عز وجل - وقد اشترط بعض الأنبياء على من يغزو معه أن لا يتبعه من ملك بضع امرأة ولم يبن بها، ولا من بنى دارا ولم يكملها؛ ليتفرغ قلبه من شواغل الدنيا، فهذا في الغزو فكيف في الصلاة التي هي أفضل الأعمال، والمصلي واقف بين يدي الله - عز وجل -، ثم هذه الكراهة - أعني: كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله - عند الجمهور إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل خرج وقت الصلاة، صلى على حاله؛ محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها.

وقال بعض أصحابنا: لا يصلي بحال، بل يأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، والصواب الأول، وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الحق - عز وجل -، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الحق، ليدخل العباد في العبادة بقلوب غير مشغولة بذكر الطعام، وإنما كان عشاء القوم يسيرا لا يقطع عن لحاق الجماعة، ومما يؤيد ما قلنا أن الأحاديث محمولة على من تاقت نفسه إلى الطعام، وإن كان الحديث الصحيح: "لا صلاة [ ص: 488 ] بحضرة طعام" عاما لا سيما وإنكار عائشة على ابن أخيها القاسم بن محمد صلاته بحضرته.

رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أنس بن مالك: "إذا قرب العشاء وأحدكم صائم فليبدأ به قبل الصلاة - صلاة المغرب - ولا تعجلوا عن عشائكم". وفي لفظ: "فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب"، وقال الدارقطني لما ذكرها: ولو لم تصح هذه الزيادة لكان معلوما من قاعدة الشرع الأمر بحضور القلب في الصلاة والإقبال عليها. وقال الطبراني في "الأوسط": لم يقل فيه: "وأحدكم صائم... " إلا عمرو بن الحارث تفرد به موسى بن أعين، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على امتداد وقت المغرب، وقال: لو كان مضيقا لما كان لأحد أن يشتغل فيه بالأكل حتى يفوت.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث