الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب إمامة المفتون والمبتدع

664 696 - حدثنا محمد بن أبان، حدثنا غندر، عن شعبة، عن أبي التياح أنه سمع أنس بن مالك: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: " اسمع وأطع، ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة". [انظر: 693 - فتح: 2 \ 188]

التالي السابق


هذا مروي عنه بلفظ: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق ولا تنفع المنافق صلاته خلف المؤمن، كذا ذكره ابن بطال عنه.

قال الشافعي: وصلى ابن عمر خلف الحجاج، وكفى به فاسقا.

[ ص: 539 ] قلت: وصلى خلفه ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وخرج عليه.

وقال البخاري: وقال لنا محمد بن يوسف: ثنا الأوزاعي، ثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج. فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.

[ ص: 540 ] هذا من أفراد البخاري، ومحمد بن يوسف هو الفريابي وكأنه أخذه عنه مذاكرة، وقد وصله الإسماعيلي عن عبد الله بن يحيى السرخسي: ثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد، فذكره، ومن طرق أخرى، ورواه هو وأبو نعيم من طريق الحسن بن سفيان، عن حبان، عن ابن المبارك، أنا الأوزاعي، فذكره.

وقوله: "إمام العامة": يعني العموم. وقوله: "يصلي لنا إمام فتنة" أي: يؤمنا، فيه قولان:

أحدهما: في وقت فتنة، قاله الداودي.

وثانيهما وهو قول ابن وضاح: إمام الفتنة: هو عبد الرحمن بن عديس البلوي وهو الذي جلب على عثمان أهل مصر.

وذكروا أن القول الأول أصح، بل الأول راجع إليه؛ لأن عبد الرحمن [ ص: 541 ] كان إمام هذه الفتنة، فهو وقتها، وكان هؤلاء لما هجموا على عثمان المدينة كان عثمان يخرج فيصلي بالناس وهم يصلون خلفه شهرا، ثم خرج في آخر جمعة خرج فيها فحصبوه حتى وقع من المنبر، ولم يقدر أن يصلي بهم، فصلى بهم يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف فمنعوه، فكان يصلي بهم ابن عديس تارة وكنانة بن بشر أحد رؤساء الخوارج يومئذ تارة، فبقوا على ذلك عشرة أيام.

وروي أنه حصر أربعين يوما وكان طلحة يصلي بهم، وصلى بهم أكثر الأيام علي، وفيه نظر؛ لأنهما إماما هدى.

وقد قال ابن عدي: يصلي لنا إمام فتنة.

[ ص: 542 ] وروى سيف بن عمر في كتاب "الردة" عن مبشر بن الفضل، عن سالم قال: قلت له: كيف صنع الناس بالصلاة خلف المصريين؟ قال: كرهها كلهم إلا الأعلام؛ فإنهم خافوا على أنفسهم، وكانوا يشهدونها ويلوذون عنها بضياعهم إذا تركوا.

وروى أيضا عن سهل بن يوسف، عن أبيه، قال: كره الناس الصلاة خلف المصريين ما خلا عثمان، فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه.

وصلى بالناس في حصاره جماعة منهم: أبو أيوب الأنصاري وسهل بن حنيف وابنه أبو أمامة، وصلى علي يوم النحر، قال ابن المبارك: ما صلى علي في ذلك الحصر إلا العيد وحدها.

قال يحيى بن آدم: ولعله صلى بهم واحدا بعد واحد.

[ ص: 543 ] قال (الدراوردي): لم يكن في القائمين على عثمان أحد من الصحابة، إنما كانت فرقتان، فرقة مصرية، وفرقة كوفية، ولم يعيبوا عليه شيئا إلا خرج منه بريئا، فطالبوه بعزل من استعمل من بني أمية فلم يستطع في تلك الحال، ولم يخل بينهم وبينه لئلا يتجاوزوا فيهم القصد، وإنما صبر واحتسب؛ لأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة في المنام فقال له: "قد قمصك الله قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه" يعني: الخلافة، وقد كان أخبره - عليه السلام - أنه يموت شهيدا على بلوى تصيبه، فلذلك لم ينخلع من الخلافة وأخذ بالشدة على نفسه طلبا لذلك، وإنما صلى علي صلاة العيد؛ لئلا تضاع سنة سنها الرسول - عليه السلام -.

وفيه من الفقه: المحافظة على إقامة الصلوات والحض على شهود الجماعات في زمن الفتنة خشية انحراف الأمر، وافتراق الكلمة، وتأكيد الشتات، والتعصب.

وقال بعض الكوفيين: إن الجمعة بغير وال لا تجزئ.

[ ص: 544 ] وقال محمد بن الحسن: لو أن أهل مصر مات واليهم جاز لهم أن يقدموا رجلا منهم يصلي بهم حتى يقدم عليهم وال.

وقال مالك والأوزاعي والشافعي: تجوز الجمعة بغير سلطان كسائر الصلوات.

وقال مالك: إن لله فرائض لا ينقصها إن وليها وال أو لم يلها، منها الجمعة.

وقال الطحاوي - في صلاة علي العيد - بالناس وعثمان محصور: هذا أصل في كل سبب يخلف الإمام عن الحضور، على المسلمين إقامة رجل منهم يقوم به، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة لما قتل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد، وأيضا فإن المتغلب والخارج على الإمام تجوز (الجماعة) خلفه، فمن كان في طاعة الإمام أحرى بجوازها خلفه، ذكره ابن بطال.

وقال المهلب: فيه إن الصلاة وراء من تكره الصلاة خلفه أولى من تفرق الجماعة؛ لقول عثمان: فإذا أحسنوا فأحسن معهم، فغلب [ ص: 545 ] الإحسان في جماعتهم على الإحسان في التورع عن الصلاة في زمن الفتنة منفردا، وأما الإساءة التي أمرنا باجتنابها، فهي المعاصي التي لا يلزم أحدا فيها طاعة مخلوق.

وأما الصلاة خلف الخوارج فاختلف العلماء في الصلاة خلف الخوارج، وأهل البدع، فأجازت طائفة الصلاة خلفهم.

وعن ابن عمر أنه صلى خلف الحجاج - كما سيأتي في الكتاب -، وكذا أنس، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير وخرج عليه. وقد أسلفنا قول الحسن.

وقال النخعي: كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا، وكان أبو وائل يجمع مع المختار.

وقال ميمون بن مهران في الصلاة خلف الخارجي: أنت لا تصلي له، إنما تصلي لله، وقد كنا نصلي خلف الحجاج وكان حروريا أزرقيا.

وأجاز الشافعي الصلاة خلف من أقام الصلاة وإن كان غير محمود في دينه.

وكرهت طائفة الصلاة خلفهم.

وروى أشهب عن مالك: لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ولا السكنى معهم في بلد.

[ ص: 546 ] وقال عنه ابن نافع: وإن كان المسجد إمامه قدريا فلا بأس أن يتقدمه إلى غيره.

وقال ابن القاسم: أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع.

وقال أصبغ: يعيد أبدا.

وقال سحنون: وإنما لم تجب عليه الإعادة؛ لأن صلاته لنفسه جائزة، وليس بمنزلة النصراني؛ لأن ذلك لا يجوز لنفسه.

وقال الثوري في القدري: لا تقدموه.

وقال أحمد: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيا إلى هواه، ومن صلى خلف الجهمي والرافضي والقدري يعيد.

وفي المرغيناني الحنفي: تكره الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضي والقدري والجهمي والمشبهة ومن يقول بخلق القرآن.

وفي "المحيط": كان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع. ومثله عن أبي يوسف.

وأما الفاسق بالزنا وشرب الخمر، فزعم ابن حبيب أن من صلى خلف من يشرب الخمر يعيد أبدا إلا أن يكون واليا.

[ ص: 547 ] وقيل: تستحب الإعادة.

وعند الشافعي: تصح، وكذا أحمد في رواية؛ لحديث مكحول عن أبي هريرة مرفوعا: "صلوا خلف كل بر وفاجر" رواه الدارقطني وقال: مكحول لم يلحق أبا هريرة.

وفي لفظ: "الصلاة واجبة عليكم مع كل بر أو فاجر وإن عمل بالكبائر".

[ ص: 548 ] قال البخاري: وقال الزبيدي: قال الزهري: لا نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد منها.

أراد به الذي يؤتى دون من يتكسر في كلامه ومشيه، فإنه لا بأس بالصلاة خلفه؛ قاله أبو عبد الملك.

وقال الداودي: أرادهما؛ لأنها بدعة وجرحة، وذلك أن الإمامة موضع كمال واختيار. والمذكور ناقص؛ لتشبهه بالنساء، وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كل منهما مفتون في طريقته فلما شملهم معنى الفتنة كرهت إمامتهم إلا من ضرورة.

وفي "نوادر سحنون": إن كان الخنثى ممن يحكم له بالنساء أعاد من ائتم به أبدا، وإن كان ممن يحكم له بحكم الرجال فلا. وإنما ذكر البخاري هذه المسألة هنا؛ لأنه مفتتن بتشبهه بالنساء.

[ ص: 549 ] كما أن إمام الفتنة والمبتدع كل واحد منهما مفتون في طريقته، فلما شملهم معناها شملهم الحكم.

ثم ساق البخاري حديث أنس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "اسمع وأطع، ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة".

وقد سلف هذا الحديث قريبا مع الكلام عليه ووجه مطابقته للترجمة مع ما سلف هناك؛ فإنه لم يصف الإمام إلا بكونه حبشيا فأين هذا من كونه مفتونا أو مبتدعا؟ لأن السياق يرشد إلى وجوب طاعته وإن كان أبعد الناس من أن يطاع؛ لأن هذه الصفة إنما توجد في أعجمي حديث العهد بالإسلام، ومثل هذا غالبا لا يخلو عن نقص في دينه لو لم يكن إلا الجهل اللازم لأمثاله، وما يخلو الجاهل إلى هذا الحد من ارتكاب بدعة أو اقتحام فتنة، ولو لم يكن إلا في افتتانه بنفسه حين قدم للإمامة وليس من أهلها؛ لأن لها أهلا من الحسب والنسب والعلم، نبه عليه ابن المنير.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث