الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الطمأنينة حين يرفع رأسه من الركوع

769 802 - حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كان مالك بن الحويرث يرينا كيف كان صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذاك في غير وقت صلاة، فقام فأمكن القيام، ثم ركع فأمكن الركوع، ثم رفع رأسه فأنصت هنية، قال: فصلى بنا صلاة شيخنا هذا أبي بريد. وكان أبو بريد إذا رفع رأسه من السجدة الآخرة استوى قاعدا ثم نهض. [انظر: 677 - فتح: 2 \ 288]

التالي السابق


وقال أبو حميد رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - واستوى جالسا حتى يعود كل فقار مكانه.

هذا الحديث منقطع من حديث يأتي إن شاء الله تعالى مسندا في باب: سنة الجلوس .

والفقار: بفتح الفاء وكسرها: خرزات الصلب، وهي: مفاصله، الواحدة: فقارة، ويقال: اطمأن طمأنينة وطمأنينا، والاطمأنينة: الواحدة كالضربة من الضرب.

[ ص: 182 ] ثم ذكر البخاري بعد ذلك ثلاثة أحاديث.

أحدها:

حديث ثابت: كان أنس ينعت لنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول قد نسي.

وهو من أفراده، وإن كان مسلم أخرجه من وجه آخر ، وعند الإسماعيلي: فإذا قال: سمع الله لمن حمده ، يقوم حتى نقول: قد نسي، وعزاه المزي في "أطرافه" إلى البخاري من هذه الطريق بهذا اللفظ، والموجود ما قدمته، وكذا ذكره أصحاب الأطراف، وأبو نعيم في "مستخرجه".

ثانيها:

حديث البراء: قد مضى في باب: حد إتمام الركوع ، والبخاري رواه هنا عن أبي الوليد عن شعبة، وفيما مضى: عن بدل بن المحبر، عن شعبة، وأسقط المزي الحافظ شيخنا أبا الوليد، وأبدل بدله سليمان بن حرب ، ولم نره، وكأنه انتقال منه، فالبخاري ذكر حديث مالك بن الحويرث، عن سليمان بن حرب. فاعلمه.

[ ص: 183 ] ثالثها:

حديث أبي قلابة قال: كان مالك بن الحويرث يرينا ... الحديث، وقد سلف في مواضع ، ولفظه هنا: ثم رفع رأسه فأنصب هنية. قال ابن التين: ضبطه بعضهم بوصل الألف وتشديد الباء، وبعضهم بقطعها وفتحها وتخفيف الباء من الإنصات، وهو: السكوت، قال: والأول الوجه عندي.

وقوله: (صلاة شيخنا هذا أبي بريد، وكان أبو بريد) إلى آخره، هو بضم الباء الموحدة، عمرو بن سلمة -بكسر اللام- الجرمي، له إدراك، ووقع في "شرح ابن بطال": بريدة بالهاء ، وهو غلط، وصوابه بحذفها كما ذكره بعد، وقال في "المطالع" للكافة: في البخاري بالزاي إلا الحموي فبالراء ، وكذا ذكره مسلم في "الكنى"، وذكره ابن ماكولا فيهما .

إذا تقرر ذلك: فهذه الصفة في الصلاة حسنة لمن أكثر بها في حاجة نفسه، غير أن فعل أنس ومالك بن الحويرث، ونعتهما صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الصفة يدل أنهم كانوا لا يبالغون في الطمأنينة في الرفع من الركوع ولا بين السجود، مثل ما ذكر في الحديث عن الشارع، فأراهما ذلك ولم يقولا لهم: إن صلاتكم هذه التي تقصرون فيها عن [ ص: 184 ] بلوغ هذا الحد من الطمأنينة لا تجوز، وإن كانت هذه الصفة أفضل لمن قدر عليها، وقد قال أبو أيوب في باب: المكث بين السجدتين، بعد هذا: وقد كان أبو بريد يفعل شيئا لم أرهم يفعلونه ، وكذا قال ثابت عن أنس في ذلك الباب: إنه كان يصنع شيئا لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل: قد نسي . وبين السجدتين كذلك، فدل أن الذي كانوا يصنعونه في ذلك من خلاف هذه الآثار جائز أيضا؛ إذ لا يجوز أن يتفق الصحابة على صفة من الصلاة إلا وهي جائزة، هذا هو المفهوم من هذه الآثار، وقد ترجم البخاري أيضا لحديث أنس والبراء ومالك بن الحويرث: المكث بين السجدتين، كما ستعلمه.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث