الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الجمعة في القرى والمدن

853 893 - حدثنا بشر بن محمد قال: أخبرنا عبد الله قال: أخبرنا يونس، عن الزهري قال: أخبرنا سالم بن عبد الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كلكم راع". وزاد الليث: قال يونس: كتب رزيق بن حكيم إلى ابن شهاب -وأنا معه يومئذ بوادي القرى-: هل ترى أن أجمع؟ ورزيق عامل على أرض يعملها، وفيها جماعة من السودان وغيرهم، ورزيق يومئذ على أيلة، فكتب ابن شهاب -وأنا أسمع- يأمره أن يجمع، يخبره أن سالما حدثه أن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته -قال وحسبت أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته- وكلكم راع ومسئول عن رعيته". [2409، 2554، 2558، 2751، 5188، 5200، 7138 - مسلم: 1829 - فتح: 2 \ 380]

التالي السابق


القرى: جمع قرية على غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فعلة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود، مثل ركوة وركاء، وظبية وظباء، وجاء القرى مخالفا لبابه لا يقاس عليه، ويقال: قرية: لغة يمانية، ولعلها جمعت على ذلك مثل لحية ولحى، والنسبة إليها قروي.

[ ص: 432 ] وقال ابن الأثير: القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن.

وقال صاحب "المطالع": القرية: المدينة، وكل مدينة قرية; لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، وأما المدن فجمع مدينة وتجمع أيضا على مدائن بالهمز، ومدن مخفف الدال وتثقل، واشتقاقها من مدن بالمكان إذا أقام به.

وقال ابن التين: المدن جمع مدينة تخفف الدال وتثقل إذا قلنا أن وزنها فعيلة من مدن بالمكان إذا أقام به، وأما إن قلنا: من دنت، أي: ملكت، فوزنها مفعلة قال: وجمعها مداين بغير همز.

ذكر فيه حديثين:

أحدهما:

حديث ابن عباس: إن أول جمعة جمعت- بعد جمعة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين.

رواه من طريق أبي عامر العقدي، واسمه: عبد الملك بن عمرو، وأبو جمرة راويه عن ابن عباس بالراء، واسمه نصر بن عمران الضبعي، والحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود بلفظ: إن أول جمعة جمعت في الإسلام -بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة- لجمعة جمعت بجواثى، قرية من قرى البحرين.

وقال عثمان بن أبي شيبة قرية من قرى عبد القيس. وللإسماعيلي: أول جمعة جمعت بحواثى بالبحرين بعد جمعة جمعت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

[ ص: 433 ] وجواثى بضم الجيم، وفتح الواو، وقد تهمز، ثم ألف وثاء مثلثة: قرية أو مدينة بالبحرين.

وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، ثم قال: وهو خلاف ما ذكر القاضيان: أبو محمد وأبو الوليد أنها قرية. (وحكى الجوهري وابن الأثير أنها اسم لحصن بالبحرين ، وكذا هو في "البلداني" للزمخشري).

وقال البكري: جواثى على وزن فعالى: مدينة بالبحرين لعبد القيس.

إذا تقرر ذلك فالإجماع قائم على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا في وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا; لأنهم في حكم المسافرين، وبه قال الشافعي وجماعة، وأوجبها منهم أحمد على القرية إذا كان لها أبنية مجتمعة وفيها أربعون من أهل وجوب الجمعة، وهم: الأحرار، البالغون، العقلاء، المقيمون، الذين لا يظعنون شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة.

وقال أبو حنيفة: لا تصح إلا في مصر جامع أو في مصلى العصر، [ ص: 434 ] ولا تجوز في القرى، وتجوز بمنى إذا كان الأمير أمير الحج، أو كان الخليفة مسافرا. ووافقه أبو يوسف، وهو قول الثوري.

وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا يصح بعرفات في قولهم جميعا، وعند أصحابنا لها شروط: أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها صيفا وشتاء من تنعقد بهم الجمعة، سواء أكان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار وذوات الأسواق والقرى الصغار، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح قطعا; لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف، وأما أهل الخيام وإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاء وصيفا لم تصح الجمعة قطعا، وإن كانوا ملازمين فيها صيفا وشتاء وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان:

أظهرهما: لا وجوب عليهم، ولا تصح منهم. وبه قال مالك وأبو حنيفة .

والثاني: نعم. وبه قال أحمد وداود، ونقل قول أبي حنيفة عن علي وحذيفة وعطاء وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والحسن والنخعي ومحمد ومجاهد وابن سيرين والثوري وعبد الله بن الحسن وسحنون.

[ ص: 435 ] وقال الرازي في "أحكامه": اتفق فقهاء الأمصار على أنها مخصوصة بموضع، لا يجوز فعلها في غيره; لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، ونقل عن أصحابهم أنها مخصوصة بالأمصار ولا تصح في القرى.

قلت: ذكر ابن المنذر أن ابن عمر كان يرى أن أهل المناهل والمياه يجمعون، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب بذلك، فروى جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنا أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون، فأمر عليهم أميرا يجمع بهم.

قال الرازي: فلو كانت الجمعة واجبة في القرى لورد النقل به كما ورد في الأمصار؛ لعموم الحاجة، ولبينه - صلى الله عليه وسلم - وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وللمدينة قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أنه أمر أهلها بالجمعة.

واختلف في المصر الذي تجوز فيه الجمعة عندهم، فعن أبي يوسف: كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم وفي التبايع عادة، وبه فقيه يفتي وقاض يقيم الحدود. وعنه: إن بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل.

وقيل: بحيث لو قصدهم عدو أمكنهم دفعه. وقيل: كل موضع فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود.

قال في "المحيط": وبه نأخذ، وهو ظاهر الرواية. وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم. وقيل: أن تكون مجال يعيش [ ص: 436 ] فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى.

وعن محمد: كل موضع مصره الإمام فهو مصر، حتى لو بعث إلى قرية نائبا; لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرا، وإذا عزله ودعاه يلحق بالقرى.

يؤيد هذا أن عثمان بن عفان أرسل عبدا أسود إلى الربذة، فكان أبو ذر يصلي خلفه ، وكذا غيره من الصحابة الجمعة وغيرها. ولا جمعة في المغارة والبراري إجماعا إلا عند الظاهرية.

ذكر ابن حزم أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الجمعة بعرفات قال: إنه لا خلاف; لأنه - صلى الله عليه وسلم - خطب وصلى ركعتين وهذه صفة صلاة الجمعة. ولا روى أحد أنه ما جهر فيها، وعنده: لو صلى المعذور بامرأته صلاهما ركعتين، وكذا النساء في جماعة.

وفي "التحفة" من كتب الحنفية: إن فعلها يكون على وجه الشهرة، حتى أن أميرا لو جمع جنده في الحصن وغلق بابه، ولم يأذن بالدخول فيه للعامة جازت.

وفي "المحيط": الأداء على سبيل الاشتهار شرط حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى فيه بجنده لا يجوز، وإن فتح باب قصره وأذن للناس في الدخول جاز ويكره.

استدل من أجاز الجمعة في القرى بالحديث الذي أورده البخاري في [ ص: 437 ] الباب، وبما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، وصححه ابن خزيمة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعدما ذهب بصره- عن أبيه أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يعرف بنقيع الخضمات.

وللبيهقي في "سننه": كان أسعد أول من جمع بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا.

وللبيهقي في "المعرفة": قال الزهري: لما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير إلى المدينة; ليقرئهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال البيهقي: يريد: الاثني عشر النقباء الذين [ ص: 438 ] خرجوا به إلى المدينة، وكانوا له ظهرا.

وفي حديث كعب: جمع بهم أسعد وهم أربعون. وهو يريد جميع من صلى معه ممن أسلم من أهل المدينة مع النقباء، وأيضا فقول كعب متصل، وقول الزهري منقطع.

وفي "مغازي موسى بن عقبة" وابن إسحاق أنه - صلى الله عليه وسلم - حين ركب من بني عمرو بن عوف إلى المدينة مر على بني سالم -وهي قرية بين قباء والمدينة- فأدركته الجمعة، فصلى بهم الجمعة، فكانت أول جمعة صلاها حين قدم ، ولم أجد فيها ذكر عدد من صلى بهم.

وفي "سنن سعيد بن منصور" عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر بن الخطاب من البحرين يسألونه عن الجمعة، فكتب إليهم: اجتمعوا حيثما كنتم. ورواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد بلفظ: جمعوا. وفي "المعرفة" للبيهقي أن أبا هريرة هو السائل، وحسن سنده. وعند الدارقطني -بإسناد ضعيف- عن أم عبد الله الدوسية مرفوعا: "الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة".

[ ص: 439 ] زاد أبو أحمد الجرجاني: حتى ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة. وعن مالك -فيما ذكره في "المصنف"- قال: كان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في هذه المياه بين مكة والمدينة يجمعون.

واستدل المانع بقول علي - رضي الله عنه -: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع. رواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد، وفي رواية: ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع أو مدينة عظيمة.

قال ابن حزم: صح ذلك عن علي. وأما النووي فقال: حديث علي ضعيف متفق على ضعفه، وهو موقوف عليه بإسناد ضعيف منقطع.

[ ص: 440 ] ويقويه قول إمامه الشافعي - رضي الله عنه -: ذكر بعض الناس أنه لا تجوز الجمعة إلا في مصر جامع. وذكر فيه شيئا ضعيفا، واستدل أيضا بما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة، إنما الجمعة على أهل الأمصار مثل المدائن.

وزعم أبو زيد في "الأسرار" أن محمد بن الحسن قال: رواه مرفوعا معاذ وسراقة بن مالك.

وروى ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن عمر بن عامر، عن حماد، عن إبراهيم، عن حذيفة: ليس على أهل القرى جمعة.

وللترمذي مضعفا من حديث ثوير، عن رجل من أهل قباء، عن أبيه -وكان له صحبة- قال: أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نشهد الجمعة من قباء.

ولابن ماجه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كان أهل قباء يجمعون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي هريرة رفعه: "الجمعة على من سمع النداء" أنكره أحمد إنكارا شديدا، ولم يعده شيئا.

[ ص: 441 ] وللحاكم عنه مرفوعا: "عسى أحدكم أن يتخذ الصبة من الغنم فينزل بها على ميلين أو ثلاثة من المدينة فتأتي الجمعة فلا يجمع، فيطبع على قلبه" أعله ابن عدي بمعدي بن سليمان.

وفي "الصحيح" عن عائشة: كانوا ينتابون الجمعة من العوالي ومن منازلهم. وأقرب العوالي ثلاثة أميال.

[ ص: 442 ] وفي "المصنف": حدثنا وكيع عن أبي البختري قال: رأيت أنسا شهد الجمعة بالزاوية، وهي على فرسخين من البصرة. وحدثنا أزهر، عن ابن عون قال: كان أبو المليح عاملا على الأيلة، فكانت إذا أتت الجمعة جمع فيها.

وعن الزهري أنهم كانوا يشهدون الجمعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذي الحليفة.

وكان ابن عمرو يشهد الجمعة في الطائف، وهو في قرية يقال لها: الوهط، على رأس ثلاثة أميال. رواه عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه عنه.

وجه الدلالة من هذه الآثار أن الجمعة لو أقيمت في القرى لما احتاجوا أن يأتوا إليها من مسيرة أميال، وقد يجاب بأنهم إنما أتوا; لينالوا فضل الصلاة خلفه عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه لا يعادلها شيء.

[ ص: 443 ] وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بالقرية: المدينة. كما سلف.

والمدائن تسمى قرى. قال تعالى: على رجل من القريتين [الزخرف: 31] يعني: مكة والطائف. وقال: لتنذر أم القرى [الأنعام: 92] وقال: من قريتك التي أخرجتك [محمد: 13]

والجواب:

أن العرف غيره، ويبعد أن يقال: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم; لأنها ثاني جمعة في الإسلام.

وأجابوا عن حديث أسعد بأن ذلك كان قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن بإذنه ولا أمرهم عليه.

وادعى بعضهم أن الظاهر أن أسعد لم يجمع بهم إلا بعده - صلى الله عليه وسلم - أما في زمانه فلم تقم جمعة إلا في مسجده، وهو عجيب، فالنص أنه كان قبل قدومه، كما سلف، وأسعد مات في السنة الأولى قبل بدر.

الحديث الثاني:

حدثنا بشر بن محمد، أنا عبد الله، أنا يونس، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كلكم راع" وزاد الليث: قال يونس: كتب رزيق بن حكيم إلى ابن شهاب -وأنا معه يومئذ بوادي القرى-: هل ترى أن أجمع؟ ورزيق عامل على أرض يعملها، وفيها جماعة من السودان وغيرهم، ورزيق يومئذ على أيلة، فكتب ابن شهاب -وأنا أسمع- يأمره أن يجمع، يخبره أن سالما حدثه أن ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كلكم راع" ... الحديث بطوله.

[ ص: 444 ] الشرح:

حديث: "كلكم راع" أخرجاه ، والبخاري اختصره مرة، وطوله في مواضع، وأخرجه مسلم في المغازي ، وفي إسناده عبد الله بن وهب. خبرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث. وهذا الرجل هو: عبد الله بن لهيعة، كما بينه أبو عبد الرحمن الإسفراييني.

وطريق الليث ذكرناها، وقد روى الليث حديث: "كلكم راع" بغير هذه القصة، عن نافع، عن ابن عمر، وهو في مسلم.

ورواه البخاري أيضا في النكاح، ويأتي إن شاء الله تعالى عن عبد الله بن عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، وقد رواه عن ابن عمر نافع وغيره أيضا، وعن الزهري شعيب أيضا، ويونس. رواه عنه عبد الله -وهو ابن المبارك- وعبد الله بن وهب.

وشيخ البخاري: بشر بن محمد، مروزي، من أفراد البخاري، ذكره ابن حبان في "ثقاته" وقال: كان مرجئا، مات سنة أربع وعشرين ومائتين.

[ ص: 445 ] إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:

أحدها:

رزيق: بتقديم الراء المضمومة على الزاي. وحكيم بضم الحاء مصغرا كما قيده ابن ماكولا وهو أبو حكيم بضم الحاء أيضا الفزاري، مولى بني فزارة الأيلي -بفتح الهمزة ثم مثناة تحت والي أيلة لعمر بن عبد العزيز، وقال ابن الحذاء: كان حاكما بالمدينة، قال ابن ماكولا: كان عبدا صالحا. وقال النسائي: ثقة، وأخرج له في "سننه" وقال علي بن المديني: حدثنا سفيان مرة: رزيق بن حكيم أو حكيم، وكثيرا ما كان يقول: ابن حكيم بالفتح، والصواب الضم.

ثانيها:

وادي القرى من أعمال المدينة، وقال ابن السمعاني: وادي القرى: مدينة بالحجاز مما يلي الشام، وفتحها عليه أفضل الصلاة والسلام في جمادى الآخرة سنة سبع من الهجرة لما انصرف من خيبر بعد أن امتنع أهلها وقاتلوا، وذكر بعضهم أنه - صلى الله عليه وسلم - قاتل فيها، ولما فتحها عنوة قسم أموالها، وترك الأرض والنخل في أيدي اليهود، وعاملهم على نحو ما عامل عليه أهل خيبر، وأقام بها أربع ليال.

[ ص: 446 ] ثالثها:

أيلة -بفتح الأول- على وزن فعلة: مدينة على شاطئ البحر في منتصف ما بين مصر ومكة، كذا ذكر أبو عبيد، والمشاهدة تدفعه.

وقال ابن قرقول: مدينة بالشام. وقال السمعاني: بلدة على ساحل بحر القلزم مما يلي مصر. قال البكري: وسميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم، قال: وقد روي أن أيلة هي القرية التي كانت حاضرة البحر، قال: وبتبوك ورد صاحب أيلة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه الجزية.

وقال محمد بن حبيب وقد أنشد قول كثير عزة:


رأيت وأصحابي بأيلة موهنا أيلة من رضوى وهو جبل ينبع



وقال اليعقوبي: أيلة مدينة جليلة على شاطئ البحر المالح، وبها يجتمع الحجاج، ومن القلزم إلى أيلة ست مراحل.

رابعها:

إيراد البخاري هذا الحديث; لأجل أن أيلة إما مدينة أو قرية كما سلف، وقد ترجم لهما، والظاهر أن رزيق بن حكيم لما سأل عن الأرض التي فيها السودان، وأقل ذلك أنها تكون قرية صغيرة; لأن أيلة بلدة مشهورة كما سلف، ومثلها ممتنع ألا تقام الجمعة فيها قبل ذلك. وجواب الزهري له بقوله: "كلكم راع" معناه: أنه يجب عليك أن تقيم فيهم الأحكام الشرعية; لأنه كان واليا عليهم، فهم رعيته، وإقامتها من الأحكام الشرعية التي يجب إقامتها.

[ ص: 447 ] خامسها:

الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، فكل من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته، فإن وفى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كل أحد من رعيته بحقه.

وقال الخطابي: الرعاية: حسن التعهد للشيء، وقد اشتركوا في التسمية على سبيل التسوية، ثم معانيهم مختلفة، فرعاية حياطة الشريعة: إقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله: السياسة لأمرهم وتوفية الحق في النفقة والعشرة، ورعاية المرأة: حسن التدبير في بيته، والنصح له، ورعاية الخادم لسيده: حفظ ما في يده من ماله، والقيام بما يستحق من خدمته.

قال: وقد استدل ابن شهاب من هذا الحديث على أن للسيد إقامة الحد على مماليكه، قال: وفي الحديث دليل على إقامة الجمعة بغير سلطان. وفيه نظر كما أبداه ابن التين.

وقد قال ابن بطال: فيه حجة للكوفيين على أن الجمعة لا تقوم إلا بالأمراء ومن أذن له الأمراء، وزعموا أن الإمامة فيها شرط; لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم يوم الجمعة، وخلفاؤه بعده.

قال الخطابي: وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكما بينهما رجلا نفذ حكمه إذا أصاب.

[ ص: 448 ] وذكر المنذري عن بعضهم أنه استدل به على سقوط القطع عن المرأة إذا سرقت من مال زوجها، وعن العبد إذا سرق من مال سيده، إلا فيما حجبهما عنه، ولم يكن لهما فيه تصرف.

خاتمة:

قد علمت ما في اشتراط المصر من الخلاف، وجوزته الظاهرية في القرى وإن صغرت، وذكر ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز أنه صلى بالبطحاء.

قال ابن حزم: ومن أعظم البرهان أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى المدينة وهي قرى صغار متفرقة: بنو مالك بن النجار، وبنو عدي بن النجار، وبنو مازن بن النجار، وبنو ساعدة، وبنو سالم، وبنو الحارث بن الخزرج، وبنو عمرو بن عوف، وبنو عبد الأشهل، كذلك وسائر بطون الأنصار، فبنى مسجده في بني مالك بن النجار، وجمع فيه في قرية ليست بالكبيرة ولا مصر هناك . وأثر علي قد علمت ما فيه، وهو أعلم بحال المدينة.

ومن شروطها السلطان على قول. قال ابن المنذر: مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان أو من قام بها بأمره، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر.

وقال الحسن البصري: أربع إلى السلطان، فذكر منها الجمعة، [ ص: 449 ] وقال حبيب بن أبي ثابت: لا تكون الجمعة إلا بأمير وخطبة، وهو قول الأوزاعي، ومحمد بن مسلمة، ويحيى بن عمر المالكي.

وعن مالك: إذا تقدم رجل بغير إذن الإمام لم يجزئهم، وذكر صاحب "البيان" قولا قديما للشافعي أنها لا تصلح إلا خلف السلطان، أو من أذن له.

وعن أبي يوسف أن لصاحب الشرطة أن يصلي بهم دون القاضي، وقيل: يصلي القاضي. ورد ابن القصار على من قال باشتراط السلطان بغيرها من الصلوات; لأنه - صلى الله عليه وسلم - متولي ذلك، لكن العادة جرت بحضورهما لمقامها لا أن غيره لا يجوز.

ومن شروطها الوقت، وقد اتفق أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أن وقتها وقت الظهر، وبه قال جمهور الصحابة والتابعين والمروي في غالب الأحاديث.

وقال ابن العربي: اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن الجمعة لا تجب حتى تزول الشمس، ولا تجزئ قبل الزوال إلا ما روي عن أحمد أنها تجوز قبله.

[ ص: 450 ] ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق والماوردي عن ابن عباس في السادسة، وفي "المصنف": كان سعد بن أبي وقاص يقيل بعد الجمعة، وعن سهل بن سعد: كنا نتغدى ونقيل بعد الجمعة. وعن سعد الأنصاري قال: كنا نجمع مع عثمان ثم نرجع فنقيل. وكذا قاله أنس وابن عمر، وحكي عن عمر وأبي وائل، وسويد بن غفلة، وابن مسعود، وأبي سلمة، وابن أبي الهذيل.

وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا أول النهار، وقال عطاء: كان من قبلكم يصلون الجمعة وإن ظل الكعبة كما هو. وعن عبد الله بن سلمة: صلى بنا عبد الله الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحر.

وعبد الله هذا تغير في آخر عمره. ويشبه أن يكون غير محفوظ كما قاله ابن الأثير، وعن سويد بن سعيد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى.

[ ص: 451 ] قال ابن قدامة: والمذهب جوازها في وقت صلاة العيد، والصحيح عنه أن وقتها من حين صلاة العيد إلى آخر وقت الظهر، ويأتي مزيد للمسألة في باب وقت الجمعة إن شاء الله تعالى. ومن شروطها الخطبة أيضا، وهي شرط لصحتها كما ستعلمه في بابه.

وشرطها الوقت، فلو خطب قبله وصلى بعده فلا إجزاء وتعاد، وقال مالك: يعيدون الجمعة بخطبة ما لم تغرب. زاد سحنون: ويعيدون الظهر أفرادا أبدا، وهو قول جمهور الفقهاء، وانفرد أحمد من الأربعة فقال: يؤذن لها وتصلى بعد الزوال.

ومن شروطها عند مالك: الجامع. وعندنا: أن تقام في خطة أبنية أوطان المجتمعين.

ومن شرطها عند الحنفية: فعلها على وجه الشهرة وقد سلف.

ومن شرطها: الجماعة، وقد قام الإجماع على عدم صحتها من المنفرد، وانفرد القاشاني أنها تنعقد بواحد، ولا يعتد بخلافه.

وحكى ابن حزم عن بعضهم: أنها ركعتان للفذ والجماعة، وقال:

[ ص: 452 ] إنه خطأ; لأن الجمعة اسم إسلامي سمي بذلك; لاجتماع الناس فيه للصلاة، اسما مأخوذا من الجمع; فلا تكون صلاة الجمعة إلا في جماعة.

وحكاه القرطبي عن الظاهرية أنها تلزم المنفرد، وهي ظهر ذلك اليوم عنده لكل أحد.

واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة ولا تنعقد بدونه على ثلاثة عشر قولا:

أحدها: لا جمعة إلا بأربعين رجلا فصاعدا، قاله أبو هريرة والشافعي للاتباع، ففي الدارقطني عن جابر بن عبد الله: مضت السنة في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطر. وفيه ضعف.

وقال عبيد الله بن عبد الله: كل قرية فيها أربعون رجلا فعليهم الجمعة، وفيه إبراهيم بن محمد وحاله معروف.

[ ص: 453 ] وقال سليمان بن موسى: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المياه: جمعوا إذا بلغتم أربعين رجلا. رواه الشافعي عن الثقة عبدة.

وقد سلف حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك فيه، وهو أقل عدد ثبت فيه التوقيف، والجمعة خصت بمزيد تعبد ولم يثبت غيره، فليقتصر عليه، وادعىالمزني أنه لا يصح عند أصحاب الحديث ما احتج به الشافعي من أنه - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة جمع أربعين رجلا; لأنه معلوم أنه قدم المدينة وقد تكاثر المسلمون وتوافروا، فيجوز أن يكون جمع في موضع نزوله قبل دخوله نفس المدينة فاتفق له أربعون رجلا.

ثانيها: بخمسين رجلا فصاعدا، قاله عمر بن عبد العزيز، وهو رواية عن أحمد، وفي الدارقطني من حديث أبي أمامة مرفوعا: "في الخمسين جمعة، وليس فيما دون ذلك" وفيه من تكلم فيه.

ثالثها: ثلاثين رجلا حكاه ابن حبيب عن مالك، وحكى مطرف عنه ثلاثون رجلا وما قاربهم، ولابن الماجشون عنه مثله، وحكى ابن حزم عنه خمسون رجلا، وقال ابن التين المالكي: ليس لعدده حد محصور، ثم حكى بعد عنه ما حكيناه عن مطرف.

[ ص: 454 ] رابعها: بعشرين رجلا.

خامسها: بسبعة رجال لا أقل، حكي عن علي ولا دليل لهما.

سادسها: قاله أبو حنيفة والليث وزفر ومحمد بن الحسن: إذا كان ثلاثة رجال والإمام رابعهم صلوا جمعة، ولا تكون بأقل، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي، وأبي ثور، واختاره المزني، وهو أحد قولي الثوري.

سابعها: قاله الحسن البصري: تنعقد برجلين والإمام ثالثهم، وهو قول سفيان الثوري الآخر، ورواية عن أحمد، وقول أبي يوسف، وحكي عن أبي ثور أيضا.

وحديث أم عبد الله الدوسية مرفوعا: "الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة" وفي لفظ: "ثلاثة" ضعيف.

[ ص: 455 ] ثامنها: بواحد مع الإمام، قاله النخعي والحسن بن حي وداود وأتباعه، ومنهم ابن حزم.

تاسعها: باثني عشر رجلا، قاله ربيعة وكأنه استدل بحديث جابر في قصة العير وتفرقهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا، أخرجاه في الصحيحين ولا دلالة فيه، وقد روي: فلم يبق إلا أربعون . لكن الأول أصح، قال ابن مسعود: فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال منكم الوادي نارا" وما قيل: "إن الانفضاض كان في الخطبة بعد الصلاة" أنكر.

العاشر: بثلاثة عشر رجلا.

[ ص: 456 ] الحادي عشر: بأربعين من الموالي، حكاه ابن شداد عن عمر بن عبد العزيز.

الثاني عشر: بثمانين، حكاه المازري.

الثالث عشر: بمائتين، حكاه عياض، فإنه لما حكى رواية خمسين قال: وقال غيره: يشترط لانعقادها مائتين، كذا حكاه وهو غريب، ولا أبعد تصحيفه بثمانين، وفي "معرفة الصحابة" لأبي نعيم من حديث عبد العزيز بن سعيد، عن أبيه قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن خمسة نفر كانوا في سفر فخطب بهم رجل منهم يوم الجمعة، ثم صلى بهم. فلم يعب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم.

وأكثر هذه الأقوال دعوى بلا دليل، وإنما بعضها حال وقع ولا يلزم منه التحديد، يدل على ما سقناه الآن من رواية الخمسة.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث