الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1449 1521 - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا سيار أبو الحكم قال: سمعت أبا حازم قال: سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " من حج لله، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه". [1819، 1820- مسلم: 1350 - فتح: 3 \ 382]

التالي السابق


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:

أحدها: حديث أبي هريرة: قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".

وهذا الحديث سلف واضحا في باب من قال: إن الإيمان هو: العمل، "والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ، كما أخرجاه من حديث أبي هريرة بزيادة في أوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما [ ص: 38 ] بينهما" ولأحمد من حديث جابر قالوا: يا رسول الله، ما الحج المبرور؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام، علقه محمد بن ثابت، قال أبو حاتم: حديث منكر شبه الموضوع .

وفي رواية للجوزي: ما بره؟ قال: "العج والثج" قال: فإن لم يكن. قال: "طيب الكلام"، وللحاكم: "طيب الكلام" بدل "إفشاء السلام" ثم قال: صحيح الإسناد ، ولم يحتجا بأيوب بن سويد، لكن له شواهد كثيرة ، وروى سعيد بن المسيب مرفوعا: "ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد أفضل من حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال".

وقوله: "مبرور" قال ابن التين: يحتمل أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف جر، ونقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بمبرور وصف المصدر فتعدى إليه بغير حرف فجعله متعديا، قال: وحديث: "المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قيل: يريد به النافلة; لأنه سبق على الحج الجهاد، وليس فرضه كفرض الحج ، فيدل ذلك على أن هذا الحج نافلة.

ثانيها: حديث عائشة: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: "لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور".

[ ص: 39 ] وهو من أفراده ، وأخرجه في موضع آخر بلفظ: استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد فقال: "جهادكن الحج" وله عنها: "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور" قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وذكره في الجهاد عنها بلفظ: سأله نساؤه عن الجهاد، قال: "نعم الجهاد الحج" وفي آخر: واستأذنته عائشة، فقال: "جهادكن الحج" ولابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح عنها: قلت: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: "نعم ، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة" .

وضبطه الأصيلي بضم الكاف وتشديد النون، وكذا في أصل الدمياطي أيضا، قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي تميل إليه نفسي، وسماه جهادا لما أسلفنا في الباب قبله.

قال ابن بطال: وإنما جعل الجهاد في حديث أبي هريرة أفضل من الحج; لأن ذلك كان في أول الإسلام، وقلت: وكان الجهاد فرضا متعينا على كل أحد، فأما إذا ظهر الإسلام وفشى، صار الجهاد من فروض الكفاية على من قام به، فالحج حينئذ أفضل ، ألا ترى قوله - عليه السلام - لعائشة: "أفضل جهادكن الحج" لما لم تكن من أهل (القتال) والجهاد [ ص: 40 ] للمشركين؟ فإن حل العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه ، وكان له ظهور وقوة وخيف منه ، توجه فرض الجهاد على الأعيان ، وصار أفضل من الحج .

وكذا قال ابن التين الحج أفضل، وقال المهلب: وقوله: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" يفسر قوله: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن [الأحزاب: 33] أنه ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم من أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها; لأنه قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" فدل أن لهن جهادا غير الحج، والحج أفضل منه، فإن قيل: النساء لا يحل لهن الجهاد قيل: قالت حفصة: قدمت علينا امرأة غزت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وهو في الصحيح ، وكان - عليه السلام - إذا أراد الغزو أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها غزا بها .

قال: في هذا وفي إذن عمر لهن بالحج إبطال إفك المشغبين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب من أنه - عليه السلام - قال لأزواجه: "هذه ثم ظهور الحصر" ، وهذا ظاهر لا خلاف; لأنه حضهن على الحج وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن، وسير عثمان معهن. يعني الحديث المذكور آخر كتاب الحج حجة قاطعة على [ ص: 41 ] ما كذب به عليه في أمر أم المؤمنين، وكذا قولهم عنه أنه قال لها: "تقاتلي عليا وأنت له ظالمة" فإنه لا يصح.

قلت: حديث "ثم ظهور الحصر" أخرجه أبو داود في "سننه" من حديث أبي واقد الليثي، عن أبيه بإسناد جيد ، وأما حديث: "تقاتلي عليا وأنت له ظالمة" فليس بمعروف، والمعروف أن هذا قاله للزبير بن العوام مع ضعفه.

الحديث الثالث:

حديث أبي هريرة: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حج لله، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه". هذا الحديث أخرجه مسلم بألفاظ ليس فيه لفظة (لله) منها: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" . ومنها: "من حج فلم يرفث ولم يفسق". وهذا الحديث من قوله تعالى: فلا رفث ولا فسوق [البقرة: 197] والرفث: الجماع أو التعريض به ، أو القبيح من القول. والفسوق: المعاصي كلها ، أو الذبح لغير الله ، أو إتيان المعاصي في الحرم ، أو السباب، أقوال. وقال ربيعة: هو قول الزور. وقرئ (فلا رفوث ولا فسوق) وكذا هو في مصحف عبد الله، وزعم ابن حزم أنه لا يحرم على المحرم إلا الإيلاج فقط، ويباح له أن يقبلها ويباشرها ، قال: لأن الله تعالى لم ينه إلا عن الرفث، وهو الجماع فقط ، ولا عجب أعجب ممن نهى عن ذلك، ولم ينه الله تعالى ولا رسوله عن ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث