الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب التحريض على الرمي

2744 2900 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبيه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا : " إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل " . [3984 ، 3185 - فتح: 6 \ 91]

التالي السابق


ذكر فيه حديث سلمة بن الأكوع : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على نفر من أسلم ينتضلون ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ارموا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا ، وأنا مع بني فلان " . قال : فأمسك أحد الفريقين بأيديهم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ما لكم لا ترمون ؟ . قالوا : كيف نرمي وأنت معهم ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ارموا فأنا معكم كلكم " .

وحديث أبي نعيم ، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل ، عن حمزة بن أبي أسيد ، عن أبيه قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا : "إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل " .

[ ص: 613 ] الشرح :

أما الآية : فالقوة المذكورة فيها هو الرمي ، كما أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة [الأنفال : 60] ألا إن القوة الرمي " ثلاثا . وقال ابن المنذر أيضا : إنه ثابت . والقوة : التقوي بإعداد ما يحتاج إليه من الدروع والسيوف وسائر آلات الحرب ، إلا أنه لما كان الرمي أنكاها في العدو ، وأنفعها على ما هو مشاهد ، فسرها به وخصها بالذكر وأكدها ثلاثا .

وفيه أيضا من هذا الوجه مرفوعا : "من علم الرمي ثم تركه فليس منا " ، وفي رواية الحاكم "فهي نعمة كفرها " . ثم قال : صحيح الإسناد . ولأبي داود : "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة ، صانعه يحتسب به ، والرامي به ، ومنبله ، فارموا واركبوا ، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا ، ليس من اللهو إلا ثلاث : تأديب الرجل فرسه ، وملاعبته أهله ، ورميه بقوسه ونبله ، ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة تركها " أو قال : "كفرها " .

وللترمذي من طريق منقطعة : "ألا إن الله سيفتح عليكم الأرض ، وستكفون المؤنة ، فلا يعجزن أحدكم أن يلهو بسهمه " .

[ ص: 614 ] وحديث سلمة : من أفراده ، وفي رواية للحاكم : فلقد رموا عامة يومهم ذلك ثم تفرقوا على السواء ما يضل بعضهم بعضا . وقال في أوله : "حسن هذا اللهو " مرتين أو ثلاثا ، ثم قال : صحيح الإسناد . وروى ابن (مطير ) في كتاب "الرمي " بإسناده عن أبي العالية عن ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بنفر يرمون فقال : "رميا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا " .

وروى ابن حبان في "صحيحه " من حديث أبي هريرة خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلم يرمون ، فقال : "ارموا بني إسماعيل ، فإن أباكم كان راميا ، ارموا وأنا مع ابن الأدرع " . فأمسك القوم قسيهم قالوا : من كنت معه غلب . قال : "ارموا وأنا معكم كلكم " .

قلت : وابن الأدرع اسمه محجن كما أفاده ابن عبد البر ، وفي حديث سلمة هذا تقوية لما رواه ابن سعد من حديث ابن لهيعة ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، أخبرني بكر بن سوادة ، سمع علي بن رباح يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم " ، وذكره ابن هشام أيضا عن بعض أهل اليمن يعني

[ ص: 615 ] النسابين ، وفي كتاب الزبير : حدثني إبراهيم الجزامي ، حدثني عبد العزيز بن عمران ، عن معاوية بن صالح الحميري ، عن ثور ، عن مكحول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "العرب كلها بنو إسماعيل إلا أربع قبائل : السلف ، والأوزاع ، وحضرموت ، وثقيف " . ورواه صاعد في "فصوصه " من حديث عبد العزيز بن عمران ، عن معاوية أخبرني مكحول ، عن مالك بن يخامر وله صحبة ، فذكره .

قال ابن عبد البر : قالوا : قحطان بن تيمن بن هميسع بن نبت وهو ثابت بن إسماعيل ، وقيل : قحطان بن يمن بن هميسع بن ثابت ، وقيل : قحطان بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هميسع بن أصياف بن هود بن شروان بن الثيان بن العامل بن مهران بن يحيى بن يقظان بن (سادب ) وهو ثابت بن تيمن بن النبت بن إسماعيل - صلى الله عليه وسلم - ، ومن جعل قحطان من ولد إسماعيل يشهد له قول المنذر بن حرام جد حسان بن ثابت حيث يقول :


ورثنا من البهلول عمرو بن عامر وحارثة الغطريف مجدا مؤثلا     مآثر من نبت بن نبت بن مالك
ونبت بن إسماعيل ما إن تحولا



وحديث أبي أسيد -بضم الهمزة - ذكره في المغازي عن عبد الله بن محمد الجعفي ، عن أبي أحمد الزبيري ، عن ابن الغسيل ، عن حمزة والزبير بن المنذر بن أبي أسيد ، عن أبيهما .

وخالف في ذلك أبو نعيم الحافظ فأدخل بين حمزة وابن الغسيل عباس بن سهل بن سعد من طريق أبي أحمد الزبيري ، عن

[ ص: 616 ] عبد الرحمن ، عن عباس ، عن حمزة ، عن أبيه ، ورواه الطبراني من طريق يحيى الحماني وأبي نعيم الدكيني ، عن ابن الغسيل ، عن عباس وحمزة بن أبي أسيد . وقال أبو نعيم مرة : عن المنذر بن أبي أسيد . ولم يقل : الزبير بن المنذر بن أبي أسيد . وكأنه أشبه لقوله : عن أبيهما .

فائدة :

قيل : سمي الغسيل لأن الملائكة غسلته . وعبد الرحمن قيل : عاش مائة وستين سنة حكاه ابن التين .

إذا تقرر ذلك ; فمعنى : (ينتضلون ) : بالضاد المعجمة يرتمون ، يقال : ناضلت الرجل : رميته .

والنضل الرمي مع الأصحاب ، وقال ابن فارس : نضل فلان فلانا في المراماة إذا غلبه ، وناضلت فلانا غلبته ، وانتضل القوم وتناضلوا إذا رموا للسبق .

ثم فيه فوائد : الأولى : قوله "ارموا بني إسماعيل " فيه دلالة على رجحان قول من قال من أهل النسب أن اليمن من ولد إسماعيل وأسلم من قحطان ، وقد سلف واضحا .

الثانية : قوله : "فإن أباكم " : فيه أن الجد وإن على يسمى أبا .

الثالثة : أن السلطان يأمر رجاله بتعلم الفروسية ويحض عليها .

الرابعة : أن الرجل يطلب الخلال المحمودة ويتبعها ويعمل (بمثلها ) ، قال :

[ ص: 617 ]

ألسنا وإن كرمت أوائلنا     يوما على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا     تبني ونفعل مثل ما فعلوا



الخامسة : قوله : (حين صففنا لقريش ) . وفي بعض النسخ : أسففنا ، حكاه الخطابي ثم قال : فإن كان محفوظا فمعناه القرب منهم والتدلي عليهم ; كأن مكانهم الذي كانوا فيه أهبط من مصاف هؤلاء ، ومنه قولهم : أسف الطائر في طيرانه ، إذا انحط إلى أن يقارب إلى وجه الأرض ، ثم يطير صاعدا .

السادسة : (أكثبوكم ) . بثاء مثلثة ثم باء موحدة ، أي دنوا منكم وقاربوكم ، وفي "الغريبين " حذف الألف ، فلعلهما لغتان ، وقال ابن فارس : أكثب الصيد إذا أمكن من نفسه ، وهو (من ) الكثب وهو القرب . وقال الداودي معنى أكثبوكم : كثروا وحملوا عليكم ، وذلك أن النبل إذا رمي في الجمع لم يخطئ ، ففيه ردع لهم . ونقل ابن بطال عن "الأفعال " أن العرب تقول : أكثبك الصيد قرب منك ، والكثب : القرب ، فمعنى أكثبوكم قربوا منكم .

السابعة : أن السلطان يعلم المجودين بأنه معهم ، أي : من حزبهم ، ومحب لهم كما فعل - صلى الله عليه وسلم - للمجودين في الرماية ، فقال : "وأنا مع بني فلان " . أي أنا محب لهم ولفعلهم ، كما قال : "المرء مع من أحب " .

الثامنة : أنه يجوز للرجل أن يبين عن تفاضل إخوانه وأهله وخاصته

[ ص: 618 ] في محبته ويعلمهم كلهم أنهم في حزبه ومودته كما قال - صلى الله عليه وسلم - : "أنا معكم كلكم " بعد أن كان أفرد إحدى الطائفتين .

التاسعة : أن من صار السلطان عليه في جملة الحزب المناضلين له أن لا يتعرض لمناوأته كما فعل القوم حين أمسكوا ; لكونه - صلى الله عليه وسلم - مع مناضليهم خوف أن يرموا فيسبقوا فيكون - صلى الله عليه وسلم - مع من سبق ، فيكون ذلك جنفا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمسكوا تأدبا ، فلما أعلمهم أنه معهم أيضا رموا ; لسقوط هذا المعنى .

العاشرة : أن السلطان يجب أن يعلم بنفسه أمور القتال اقتداء به .

فائدة :

في فضل الرمي والتحريض عليه غير ما سبق ، ولنذكر منها خمسة أحاديث :

أحدها : حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة مرفوعا في فضل من رمى بسهم في سبيل الله ، أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح .

ثانيها : حديث كعب بن مرة : "من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ العدو أو لم يبلغ كان له كعتق رقبة " . أخرجه النسائي ، ولابن حبان : "من رمى فبلغ العدو بسهم رفع الله به درجته " فقال عبد الرحمن بن النحام : يا رسول الله ، ما الدرجة ؟ قال : "أما إنها ليست بعتبة أمك ، ما بين الدرجتين مائة عام " .

[ ص: 619 ] ثالثها : حديث عقبة ، وقد سلف أول الباب ، ورويناه في "الخلعيات " من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن -يعني : ابن أبي الحسناء ; فيما صوبه الخطيب - عن أنس "يدخل الله الجنة بالسهم ثلاثة : الرامي به ، وصانعه ، والمحتسب به " ، وفي لفظ : "من اتخذ قوسا عربية وجبيرها -يعني : كنانته - نفي عنه الفقر " وفي لفظ : "أربعين سنة " .

رابعها : حديث علي رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يرمي بقوس فارسية فقال : "ارم بها " فنظر إلى قوس عربية فقال : "عليكم بهذه وأمثالها ، فإن بهذه يمكن الله لكم في البلاد ويزيدكم في النصر " أخرجه أبو داود من حديث أبي راشد الحبراني عنه ، وإنما نهى عن القوس الفارسية ; لأنها إذا انقطع وترها لم ينتفع بها صاحبها ، والعربية إذا انقطع وترها كان له عصا ينتفع بها ، حكاه البيهقي .

خامسها : حديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الطائف : "قاتلوا أهل الصنع فمن بلغ بسهم فإنه درجة في الجنة " . أخرجه الطبراني .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث