الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب

2874 3039 - حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب - رضي الله عنهما - يحدث قال: جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير فقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" فهزموهم. قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة - أي قوم - الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالوا: والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اثنى عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا، وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا. فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله

[ ص: 241 ] يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك. قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: أعل هبل، أعل هبل. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ألا تجيبوا له؟". قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال "قولوا: الله أعلى وأجل". قال: إن لنا العزى، ولا عزى لكم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "ألا تجيبوا له". قال: قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم".
[3986، 4043، 4067، 4561 - فتح: 6 \ 162]

التالي السابق


ذكر فيه حديث أبي موسى - رضي الله عنه - : بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا وأبا موسى إلى اليمن، قال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا".

وحديث البراء: جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجالة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير فقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم... ." الحديث بطوله.

الشرح:

التنازع هو الاختلاف، وهو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة؛ لأن الله - عز وجل - قد عبر في كتابه بالخلاف الذي قضى به على عباده عن الهلاك في قوله: ولا يزالون مختلفين [هود: 118] ثم قال: ولذلك خلقهم ، فقال: خلقهم للخلاف. وقال آخرون: خلقهم ليكونوا فريقين في الجنة وفي السعير من أجل اختلافهم. وهذا كثير في القرآن، وقد أخبر تعالى أن مع الخلاف يكون الفشل، وهو الخذلان والضعف والكسل، فيتمكن العدو من المخالفين؛ لأنهم كانوا مدافعين كلهم دفاعا واحدا فصار بعضهم يدافع بعضا، فتمكن العدو.

وفي حديث عبد الله بن جبير معاقبة الله تعالى على الخلاف، وعلى ترك الائتمار لرسوله والوقوف عند قوله، كما قال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره [النور: 63] الآية.

[ ص: 242 ] والريح: القوة. وقال أبو إسحاق: فشل إذا هاب أن يتقدم جبنا. وقال مجاهد: ريحكم نصركم. وقيل: معناه: دولهم.

وبعثه معاذا وأبا موسى فيه تأمير أفاضل الصحابة وتولية العلماء.

ومعنى: ("يسرا") خذا مما فيه التيسير. ومعنى: ("لا تنفرا") لا تقصدا إلى ذكر ما فيه الشدة، و ("تطاوعا"): تحابا.

وفي قوله: ("تخطفنا الطير") دلالة على جواز الإغياء في الكلام. قال الخطابي : وهو مثل يريد به الهزيمة، يقول: إن رأيتمونا قد زلنا عن مكاننا وولينا منهزمين فلا تبرحوا أنتم، وهذا كقوله: فلان ساكن الطير. إذا كان وقورا هادئا، وليس هناك طير، وأيضا فالطير لا يقع إلا على الشيء الساكن، ويقال للرجل إذا أسرع وخف: قد طار طيره. وقال الداودي : معناه إن قتلنا وأكلت الطيور لحومنا فلا تبرحوا مكانكم. قال: وفيه دليل أنه يريد أصحابه دونه؛ لأنه إن قتل لم يبق من تلبثون لمقامه.

و (الرجالة) جمع راجل، وهم من لا خيل لهم. ومعنى: "أوطأناهم" مشينا عليهم وهم قتلى بالأرض. ومعنى (يشددن): يعدون. وفي نسخة: (يشردن). وفي رواية أبي الحسن: (يسندن). أي: يمشين في سند الجبل يردن رقيه.

وفيه: بيان أنه لم ينهزم كل أصحابه، ونهيه عن جواب أبي سفيان تصاون عن الخوض فيما لا فائدة فيه، وعن خصام مثله أيضا، وإجابة عمر بعد نهيه إنما هي حماية للظن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قتل،

[ ص: 243 ] وأن بأصحابه الوهن، فليس في هذا عصيان له في الحقيقية، وإن كان في الظاهر، فهو مما يؤجر به، وأمره - صلى الله عليه وسلم - لجوابه؛ لأنه بعث بإعلاء كلمة الله وإظهار دينه، فلما سمع هذا الكلام لم يسعه السكوت عنه حتى يعلي كلمة الله، ثم عرفهم في جوابه أنهم يقرون أن الله أعلى وأجل؛ لقولهم: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [الزمر: 3] فلم يراجعه أبو سفيان ولا نقض عليه كلامه اعترافا بما قال، فلما ذكر العزى أمر - صلى الله عليه وسلم - بمجاوبته، وعرف في جوابه أنها ومثلها من الأصنام لا موالاة لها ولا نصر، فعرف أن النصر من عند الله وأن الموالاة والنصر لا تكون من الأصنام فبكته بذلك ولم يراجعه.

وقوله: (قد بدت خلاخلهن وأسوقهن). أي: ظهرت، وأسوق: جمع ساق، وضبطه بهمز الواو على معنى أن الواو إذا انضمت جاز همزها.

وفيه: جواز النظر إلى أسوق المشركات ليعلم حال القوم لا لشهوة.

وقوله: (فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم). أي: آخرهم قاله أبو عبيد.

وقوله: (قد بقي لك ما يسوؤك) إرهاب عليه لما ظن به الوقيعة، وكسر شوكة الإسلام، وأنه قد مضى الرسول وسادة أصحابه، فعرفه أنهم أحياء، وأنه قد بقي له ما يسوؤه، يعني: يوم الفتح.

وقوله: (فأصابوا منا سبعين). قال غيره: خمسة وستون، منهم أربعة من المهاجرين. وقال مالك: قتل من الأنصار سبعون، ومن المهاجرين أربعة.

وقوله: (وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أصاب من المشركين سبعين أسيرا وسبعين قتيلا). ذكر الشيخ أبو محمد في "جامع مختصره" أنه قتل من

[ ص: 244 ] المشركين يوم بدر خمسون. وقال مالك: كان الأسرى شبها بمن كان قتل من المشركين أربعة وأربعون رجلا.

وقول عمر لأبي سفيان: (كذبت والله يا عدو الله) فيه: قلة صبر عمر عند قول الباطل، وقد نهى الشارع عن جواب أبي سفيان، لكن عمر لم يرد العصيان كما سلف، وإنما أنكر قول الباطل. وروي أن أبا سفيان لما أجابه عمر قال له: أنشدك الله أمحمد حي؟ قال: اللهم نعم، وهو ذا يسمعك. قال: أنت أصدق عندنا من ابن قمئة. وكان ابن قمئة قال لهم: قتلته.

وقوله: (الحرب سجال) أي: دولا، مرة لهؤلاء ومرة لهؤلاء، وأصله أن المستقين بالسجل - وهو الدلو - يكون لكل واحد منهم سجال.

وقوله: (ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني). يعني: أنهم جدعوا أنوفهم وشقوا بطونهم، وكان حمزة مثل به.

وقوله: (لم آمر بها). قال الداودي : يعني أنه لا يأمر بالأفعال الخبيثة التي ترد على فاعلها نقصا.

وقوله: (لم تسؤني): يريد إنكم عدوي، وقد كانوا قتلوا ابنه يوم بدر، وخرجوا لينالوا العير التي كان بها، فوقعوا في كفار قريش وسلمت العير.

وقوله: (اعل هبل) يريد صنما لهم أي: علا حزبك، وفي رواية: أعلى هبل ارق الجبل. يعني: علوت حتى صرت كالجبل العالي،

[ ص: 245 ] ذكرها الداودي، قال: ويحتمل أن يريد بقوله: ارق الجبل تعيير المسلمين حين انحازوا إلى الجبل.

و (العزى): صنم كانوا يعبدونه، قاله الضحاك وأبو عبيد، وجزم به ابن التين وابن بطال، وقال غيرهما: هي شجرة لغطفان كانوا يعبدونها. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد إلى العزى يقطعها.

والمولى: الناصر، (فإن قلت): قوله: "الله مولانا ولا مولى لكم" أليس الله تعالى مولى الخلق كلهم؟ قلت: المولى هنا بمعنى الولي، والله تعالى يتولى المسلمين بالنصر والإعانة ويخذل الكفار، نبه عليه ابن الجوزي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث