الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بركة الغازي في ماله حيا وميتا مع النبي صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر

جزء التالي صفحة
السابق

2961 [ ص: 458 ] 13 - باب: بركة الغازي في ماله حيا وميتا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وولاة الأمر

3129 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه فقال: يا بني، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا؟ فقال: يا بني، بع مالنا فاقض ديني. وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه - يعني: عبد الله بن الزبير يقول: ثلث الثلث، فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شيء فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير - خبيب وعباد - وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني، إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت، من مولاك قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه. فيقضيه، فقتل الزبير - رضي الله عنه - ولم يدع دينارا ولا درهما، إلا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير: لا ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة، وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج ولا شيئا، إلا أن يكون في غزوة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مع أبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف.

قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين فكتمه. فقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير اشترى الغابة

[ ص: 459 ] بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة، فأتاه عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا. قال: فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة فقال له معاوية: كم قومت الغابة قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي قال: أربعة أسهم ونصف. قال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقي فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا، والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين: قسم بينهم قال: فكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث، فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.
[فتح: 6 \ 227 ]

التالي السابق


ذكر فيه حديث عبد الله بن الزبير: قال: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني، فقمت إلى جنبه، فقال: يا بني، إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن أكبر همي لديني، أفترى ديننا يبقي من مالنا شيئا؟ فقال: يا بني، بع مالنا واقض ديني. وأوصى بالثلث، وثلثه لبنيه - يعني: عبد الله بن الزبير - يقول ثلث الثلث، فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين شيء فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزبير -

[ ص: 460 ] خبيب وعباد - وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بني، إن عجزت عنه في شيء فاستعن عليه مولاي. قال: فوالله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبة من مولاك؟ قال: الله. قال: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير، اقض عنه دينه، فيقضيه، فقتل الزبير - رضي الله عنه - ولم يدع دينارا ولا درهما إلا أرضين منها الغابة، وأحد عشر دارا بالمدينة، ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قال: وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة. وما ولي إمارة قط، ولا جباية خراج ولا شيئا، إلا أن يكون في غزوة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو مع أبي بكر وعمر وعثمان. قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفى ألف ومائتي ألف. قال: فلقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن أخي، كم على أخي من الدين؟ فكتمه، فقال: مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أفرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ فقال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف وستمائة ألف، ثم قام فقال: من كان له على الزبير حق فليوافنا بالغابة. فأتى عبد الله بن جعفر، وكان له على الزبير أربعمائة ألف، فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. فقال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخرون إن أخرتم. فقال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم: فاقطعوا لي قطعة. فقال عبد الله: لك من ها هنا إلى ها هنا.

قال: فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف،

[ ص: 461 ] فقدم على معاوية وعنده عمرو بن عثمان والمنذر بن الزبير وابن زمعة، فقال له معاوية: كم قومت الغابة؟ قال: كل سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. قال المنذر بن الزبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. قال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. قال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية: كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: قد أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستمائة ألف، قال: فلما فرغ ابن الزبير من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا، والله لا أقسم بينكم حتى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزبير دين فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كل سنة ينادي بالموسم، فلما مضى أربع سنين قسم بينهم، قال: فكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث، فأصابت كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف.


الشرح:

هذا الحديث من أفراد البخاري، وذكره أصحاب الأطراف في مسند الزبير، والأشبه أن يكون من مسند ابنه؛ لأن أكثره من كلامه، ولقوله: (وما ولي إمارة قط إلا أن يكون في غزوة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) وهذه اللفظة فيها معنى الرفع.

وعند الإسماعيلي عن جويرية: ثنا أبو أسامة، ثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله. والبخاري قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم: قلت لأبي أسامة: حدثكم هشام، عن أبيه، عن عبد الله به. وذكر الترمذي محسنا عن عروة قال: أوصى الزبير إلى ابنه عبد الله صبيحة الجمل

[ ص: 462 ] فقال: ما مني عضو إلا وقد جرح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتهى إلى فرجه،
ورواه ابن سعد في "طبقاته"، في قتل الزبير ووصيته بدينه وثلث ماله، عن أبي أسامة حماد بن أسامة بنحو حديث البخاري وطوله، غير أنه خالفه في موضع واحد، وهو قوله: أصاب كل امرأة من نسائه، ألف ألف ومائة ألف، لا كما في البخاري : مائتا ألف، وعلى هاتين الروايتين لا تصح قسمة خمسين ألف ألف، ومائتا ألف، على دينه ووصيته وورثته، وإنما تصح قسمتها أن لو كان لكل امرأة ألف ألف فيكون الثمن أربعة آلاف ألف، فتصح قسمة الورثة من اثنين وثلاثين ألف ألف، ثم يضاف إليها الثلث ستة عشر ألف ألف فتصير الجملتان ثمانية وأربعين ألف ألف، ثم يضاف إليها الدين ألفا ألف ومائتا ألف، فصارت الجمل كلها خمسين ألف ألف ومائتي ألف، ومنها تصح.

ورواية ابن سعد تصح من خمسة وخمسين ألف ألف، ورواية البخاري تصح من تسعة وخمسين ألف ألف، وثمانمائة ألف، فيجوز أن يكون المراد بقوله: وجميع ماله خمسون ألف ألف، ومائتا ألف قيمة تركته عند موته، لا ما زاد عليها بعد موته من غلة الأرضين والدور في مدة أربع سنين قبل قسمة التركة، ويدل عليه ما روى الواقدي عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن هشام عن أبيه قال: كان قيمة ما ترك الزبير، أحدا وخمسين أو اثنين وخمسين ألف ألف.

وروى ابن سعد، عن القعنبي، عن ابن عيينة قال: قسم ميراث الزبير على أربعين ألف ألف، وذكر الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن

[ ص: 463 ] ثابت بن عبد الله بن الزبير
في بني عدي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل زوج الزبير، وأن عبد الله بن الزبير أرسل إليها بثمانين ألف درهم، فقبضتها وصالحت عليها، قال الدمياطي : وبين قول الزبير بن بكار هذا، وقول غيره بون بعيد، والعجب من الزبير مع تتبعه هذا العلم وتنفيره عنه، كيف خفي عليه توريث آبائه وأخواله تركاتهم.

وقال ابن بطال أيضا: قوله: فجميع ماله خمسون ألفا ومائة ألف ألف غلط في الحساب، والصحيح فجميع ماله سبعة وخمسون ألف ألف، وتسعمائة ألف، وكذا قال ابن التين : هذا حساب فيه غلط، والصحيح أنه إذا خرج الثلث للوصية، وأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف فيكون جميع المال على الحقيقة سبعة وخمسين ألف ألف وستمائة ألف، فأسقط من المال البخاري سبعة آلاف ألف وأربعمائة ألف، وقال ابن المنير: وهما جميعا، ولم يبين صوابه.

فائدة أخرى: ذكر الزبير أيضا أن الزبير قتل وهو ابن سبع أو ست وستين وأنه كان أبيض، أشعر الكتفين، خفيف العارضين طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، وذكر أيضا بسنده قال: كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الضريبة، لا يدخل بيت ماله منها درهما، يقول: يتصدق به، وقال أيضا: باع الزبير دارا له بستمائة ألف فجعلها في سبيل الله، وكانت الصحابة يوصون إليه فأوصى إليه عثمان بصدقته حتى يدرك عمرو بن عثمان، وأوصى إليه عبد الرحمن بن عوف، والمطيع بن الأسود، والمقداد بن عمرو، وعبد الله بن الزبير،

[ ص: 464 ] وأوصى إليه أبو العاص بن الربيع بابنته أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزوجها الزبير علي بن أبي طالب. وقال له ابن مسعود : أنت من وصيتي في حل وبل، في أديم طابع، ولم يهاجر أحد معه إلا أمه الزبير بن العوام، ونزلت الملائكة يوم بدر على سيما الزبير طيرا بيضاء، عليهم عمائم صفر، وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.

فصل:

(فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدين والوصية؛ فثلثه لولدك)، يعني: ثلث ذلك الفضل الذي أوصى به إلى المساكين من الثلث لبنيه، قاله ابن بطال .

وقوله: (فثلثه لولدك)، هو بالتشديد لتصح إضافته إلى ولده، أي: ليكون التثليث وصله إلى اتصال ثلث الثلث إليهم، حكاه الدمياطي عن بعض العلماء، ثم قال: وفيه نظر، وقال المهلب : قوله: ثلثه لبنيك يعني: ثلث الثلث الموصى به لحفدته، وهم بنو ابنه عبد الله.

فصل:

كان يوم الجمل عام ست وثلاثين، وقتل عثمان سنة خمس وثلاثين، فبويع لعلي، وكان أول من بايعه طلحة، فلما أحس بأصبع طلحة الخنصر الذي قطع يوم أحد قال: هذا الأمر لا يتم، ثم بايعه الزبير والناس، فاستأذنه طلحة والزبير في الخروج إلى مكة في عمرة، وكان موت عثمان في ذي الحجة بعد الأضحى فأذن لهما، ثم أتاه مروان فاستأذنه، فأذن له، وقال: أعلم بما يريدون، فكانت عائشة بمكة، فأتياها وقالا: إنا أكرهنا على البيعة، وأكرهنا مالك الأشتر النخعي،

[ ص: 465 ] وسألاها الخروج إلى العراق ليستعان بهم أن يعود الأمر شورى، فلم يزالا بها، ولم يزل بها ابن الزبير عبد الله حتى خرجت معهم، فلما سمع ذلك علي خشي أن يأتيه أهل العراق فيصنع به كما صنع بعثمان، فقصد القوم إلى البصرة، وقصد علي الكوفة، فراسلهم ثم كان حرب يوم الجمل، فرمي طلحة بسهم من ورائه من أهل عسكره، وانصرف الزبير قبل أن يبرد القتال نادما على ما وقع منه وقال: كنت لا أدري معنى قول الله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: 25] حتى وقعت فيها، فأنزله عمرو بن جرموز التيمي السعدي وذبح له شاة، فلما نام الزبير وثب عليه ابن جرموز فقتله واحتز رأسه وذهب إلى علي، فقيل لعلي: هذا ابن جرموز أتاك برأس الزبير، فقال: بشروا قاتل الزبير بالنار، وفي رواية: بشروا قاتل ابن صفية بالنار، وذكر ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرمى عمرو بالرأس وهرب، وفيه تقول عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكان الزبير خلف عليها بعد عمر:


غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم اللقاء وكان غير معرد     يا عمرو لو نبهته لوجدته
لا طائشا رعش الجنان ولا اليد     ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله
فيما مضى فيمن يروح ويغتدي     كم غمرة قد خاضها لم يثنه عنها
إيرادك يا ابن قفع القردد [ ص: 466 ]     والله ربك إن قتلت لمسلما
حلت عليك عقوبة المتعمد



وكانت عائشة - رضي الله عنها - على جمل يسمى عسكر، كان ليعلى بن منية، أعطاها إياه، وكان اشتراه بمائتي دينار، فقامت عليه، وقصد أصحاب علي الجمل الذي هي عليه، فكان كل من أخذ بذمامه قتل ثم أخذه عبد الله بن الزبير فقالت: من هذا، قال: عبد الله، قالت: واثكل أسماء، فقاتله مالك بن عبد الله الأشتر النخعي فتجالد مع ابن الزبير حتى انقطعت أسيافهما وتعانقا، فجعل عبد الله يقول: اقتلوني ومالكا، وجعل مالك يقول: اقتلوني وعبد الله، ولم يقدر لمالك أن يقول: اقتلوني وابن الزبير، ولا لابن الزبير أن يقول: والأشتر، ولو قال أحدهما لهجما عليهما الفريقان حتى يقتلا؛ لأن كل واحد منهما أمسك القتال على حزبه فأنجيا جراحا وعرقب الجمل، وبادر محمد بن أبي بكر فأنزل أخته وكان مع علي؛ لأنه ربيبه، فجهزها علي باثني عشر ألف درهم وصرفها إلى المدينة. وكان عبد الله بن جعفر ولي اشتراء جهازها، فاشترى لها ثلاثمائة ألف

[ ص: 467 ] درهم، قال له علي: خذ لها من بيت المال اثني عشر ألفا، ولولا أن عمر أعطاها إياها ما أعطيتها إياها، واحمل أنت ما بقي فانقضى أمر الجمل، وعاد الأمر بين علي ومعاوية، ثم خرجت الخوارج على علي، فقتلهم يوم النهروان، ثم طبقه عبد الرحمن بن ملجم، فقتله.

فصل:

أنكر قوم وقعة الجمل، قال القاضي عياض في "الشفا": فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد، التي لا يرجع إلى إبطال شريعة، ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين، كإنكار غزوة تبوك أو مؤتة، أو وجود أبي بكر وعمر، وقتل عثمان، وخلافة علي، مما علم بالنقل ضرورة، وليس في إنكاره جحد شريعة، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك، وإنكار وقوع العمل به؛ إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل، ومحاربة من خالفه، فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة الناقلين ووهم المسلمين أجمع فنكفره بذلك؛ لسريانه إلى إبطال الشريعة.

قلت: وممن أنكرها بعد هذين ابن حزم، ولعله نزع بذلك إلى براءة عائشة .

فصل:

قوله: (لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم). معناه والله أعلم: أن الصحابة في قتال بعضهم بعضا كل له وجه من الصواب يعذر به عند الله، فلا يسوغ أن يطلق على أحد منهم أنه قصد الخطأ وقاتل على غير تأويل سائغ. هذا مذهب أهل السنة، وكل واحد منهم مجتهد

[ ص: 468 ] بحق عند نفسه، فالقاتل منهم والمقتول في الجنة إن شاء الله، والله يوسع لكل منهم رحمته كما سبقت لهم الحسنى؛ ذكره ابن بطال .

ومعنى قوله: (إلا ظالم أو مظلوم) [ظالم] في تأويله عند خصمه أو مخالفه، ومظلوم عند نفسه إن قتل، وإنما أراد الزبير أن يبين بقوله هذا أن تقاتل الصحابة ليس كتقاتل أهل البغي والمعصية، الذي القاتل والمقتول منهم ظالم؛ لقوله - عليه السلام - : "إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" لأنه لا تأويل لواحد منهم يعذر به عند ربه، ولا شبهة له من الحق يتعلق بها، فليس منهم أحد مظلوما، بل كلهم ظالم.

وكان الزبير وطلحة وجماعة من كبار الصحابة خرجوا مع عائشة - كما أسلفنا - لطلب قتلة عثمان، وإقامة الحد عليهم، ولم يخرجوا لقتال علي؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أن عليا أحق بالإمامة من جميع أهل زمانه، وكان قتلة عثمان لجئوا إلى علي، فرأى علي أنه لا ينبغي إسلامهم للقتل على هذا الوجه، حتى يسكن حال الأمة، وتجري المطالب على وجوهها، بالبينات وطرق الأحكام؛ إذ علم أنه أحق بالإمامة من جميع الأمة، ورجاء أن ينفذ الأمر على ما أوجب الله عليه، فهذا وجه منع علي المطلوبين يوم عثمان، فكان من قدر الله تعالى ما جرى به القلم من تقاتلهم؛ فلذلك قال الزبير لابنه ما قال؛ لما رأى من شدة الأمر، فإن الجماعة لا تنفصل إلا عن تقاتل.

[ ص: 469 ] وقال: (لا أراني إلا سأقتل مظلوما)؛ لأنه لم يبن على قتال، ولا عزم عليه ولما التقى الزحفان فروا فأتبعه ابن جرموز فقتله في طريقه، كذا قال ابن بطال، وقد أسلفنا خلافه، وأنه ضيفه، فلما نام قتله، وقد يمكن للزبير أن يكون سمع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "بشر قاتل ابن صفية بالنار"؛ فلذلك قال: لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما.

وقال ابن التين : يريد بذلك، إما متأول أراد بفعله وجه الله ولم يبعد في تأويله، وإما رجل من غير الصحابة أراد الدنيا وقاتل عليها فهو الظالم.

فصل:

(وإن من أكبر همي لديني)، أي: لم يبق علي تباعة سواه. وقوله: (أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا)، قاله استكثارا لما عليه، وإشفاقا من دينه.

وفيه: الوصية عند الحرب؛ لأنه سبب مخوف كركوب البحر، واختلف لو تصدق حينئذ، وحرر هل يكون ثلثهما أو من رأس مالهما. وفيه الوصية لبعض البنين.

وقوله: وقد وازى بعض بني الزبير أي: حازاهم في السن، قاله ابن التين .

وقال ابن بطال : يجوز أن يكون وازاهم في السن ويجوز أن يكون وازى بنو عبد الله في أنصبائهم فيه أولاد الزبير فيما حصل لهم من ميراث

[ ص: 470 ] الزبير أبيهم، قال: وهذا الوجه أولى، وإلا لم يكن لذكر كثرة أولاد الزبير معنى للموازاة في السن.

وفيه: دليل على دفع تأويل الشيعة على عائشة ومن تابعها في دعوى ظلمها؛ لأن الله تعالى لا يكون وليا للظالم. وخبيب كان أبوه عبد الله يكنى به، ويكنى أبا بكر، وأبا عبد الرحمن، أمر الوليد بعض عماله فضرب خبيبا بالسوط حتى مات.

فصل:

وأما قول الزبير للذين كانوا يستودعونه: (لا، ولكنه سلف)، إنما فعل ذلك خشية الضيعة كما هو مصرح به فيه فيظن به ظن السوء فيه، أو تقصير في حفظه، فرأى أن هذا أتقى لمروءته وأوثق لأصحاب الأموال؛ لأنه كان صاحب ذمة وأثرة وعقارات كثيرة، فرأى أن يجعل أموال الناس مضمونة عليه ولا يبقيها تحت شيء من جواز التلف، لتطيب نفس صاحب الوديعة على دينه، وتطيب نفسه هو على ربح هذا المال.

وقوله: (وما ولي إمارة قط ولا جباية خراج) أي: فيكثر ماله من هذا الوجه فيكون عليه فيه ظن سوء أو مغمز؛ كظن عمر والمسلمين والعمال حتى قاسمهم، بل كان كسبه من الجهاد وسهمانه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخليفته بعده، فبارك الله له في ماله لطيب أصله وربح أرباحا بلغت ألوف الألوف، وقول عبد الله: قلت: من مولاك؟ لأن المولى ينطلق على معان منها: الناصر، والولي، يظن أن يريد أحدا من الناس.

[ ص: 471 ] وقوله: (لم يدع إلا رباعا) كان الزبير أخذ أرضين في سهمه حين الفتح، وأقطعهم الشارع أرضا من بني النضير، وأقطعه الصديق أرضين، واشترى دورا بالمدينة، واختط بالبصرة والكوفة ومصر حين مصرت، ففي هذا اتخاذ الربع. وفيه الابتياع للرباع إلا عند الضرورات؛ لقلة ما يدخل فيها من فساد المطعم؛ ولأنها تظفر كاسبها وتضنيه عن معاناة التجار التي لا تكاد تسلم من الأيمان الكاذبة، وقول الزور.

فصل:

قوله: (فحسبت ما عليه من الدين) هو بفتح السين من حسبت الشيء أحسبه حسابا وحسبانا.

وحسبت بمعنى ظننت مكسورة العين، والمصدر الحسبان بكسر الحاء. وقول عبد الله لحكيم بن حزام: (إن دين أبي مائة ألف) وكتمه ألفي ألف ومائتي ألف، فهذا ليس بكذب؛ لأنه صدق في البعض وكتم بعضا، وللإنسان إذا سئل عن خبر أن يخبر منه بما شاء، وله أن لا يخبر بشيء منه أصلا. وإنما كتمه لئلا يستعظم حكيم ما استدانه الزبير فيظن بالزبير سوء ظن وقلة حزم، ويظن بعبد الله فاقة إلى معونته فينظر إليه بعين الاحتياج إليه، ففيه بعض التجاوز في القول.

وفي قول حكيم: ما كانت قريش عليه من الجود والكرم والمواساة. وفيه تنزه عبد الله وتركه قبول المعونة.

وفي قول عبد الله بن جعفر: ما كان عليه من الكرم، حتى إنه كان ينسب إلى الإتلاف والتبذير، كان يهب الكثير حتى ينفد ما عنده، فربما دخل منزله بعض أصحابه فلا يجد ما يطعمهم فيعمد إلى عكة كان فيها عسل فيقطعها ويعطيهم جلدها فيلعقون ما فيه. وقال له

[ ص: 472 ] الحسن والحسين: لو اقتصرت عن إتلافك. فقال: إن الله عودني أن يعطيني فأعطي، وأخشى إن قطعت أن يقطع عطائي.

وفيه: أن الدين إنما يكره لمن لا وفاء له أو لمن يصرف ما يدين في غير وجهه.

وفيه: استشراء المنذر من تركة أبيه.

وفيه: تأخير قسمة مال الميت حتى يؤذنوا أهل دينه.

وفيه: التربص بالدين حتى تباع الرباع.

وفيه: النداء في ديون من يعرف بالدين.

وفيه: النداء في الموسم لاجتماع الناس فيه، ولكثرة دين الزبير، لقوله: (لا أقسم حتى أنادي أربع سنين).

وفيه: طاعة بني الزبير أخاهم في تأخير الدين.

وفيه: ما كان عليه الصحابة من اتخاذ النساء.

وفيه: أن الوصي له أن يمتنع من قسمة مال الميت الموصي حتى تسدد ديونه ووصاياه إذا كان الثلث يحملها، ولا تقسم ورثة الموصي مالا حتى يؤدى دينه وتستبرأ أمانته.

وفيه: جواز الوصية للحفدة إذا كان لهم آباء في الحياة يحجبونهم.


وفيه: أن أجل المفقود والغائب أربع سنين كما قال مالك.

وفيه: أن من وهب هبة ولم يقبلها الموهوب له أنها رد على واهبها، ولواهبها الاستمتاع؛ لأن ابن جعفر قال: (إن شئتم تركتها لكم) ولا يلزمه قوله - عليه السلام - : "العائد في هبته" لأنه ليس بعود، وإنما يعود فيها إذا قبلت منه.

[ ص: 473 ] وفيه: أن سيد القوم قد يكون قوله وقبوله جائزا على من إليه اتباع قومه، كما أن عبد الله لم يقبل الهدية وقد كان يجب أن يعرف ما عند ورثة أبيه كلهم، فكان قوله في الرد جائزا على ورثة أبيه، كما كان قول الغرماء عند سبي هوازن في هبة أنصبائهم في السبي جائزا على من تبعهم. وليس هذا من الأمر المحكوم به عند التشاح، لكنه محكوم به في شرف النفوس ومحاسن الأخلاق ولا سيما في ذلك الزمان المتقدم.

فصل:

وجه مطابقة الترجمة للحديث أن الزبير ما وسع عليه بولاية ولا جبابة، بل ببركة غزوه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فبورك له في سهامه من الغنائم لطيب أصلها وسداد معاملته فيها كما سلف. ونبه عليه ابن المنير أيضا


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث