الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن

4817 [ ص: 319 ] 25 - وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن [النساء : 23 ]

وقال ابن عباس : الدخول والمسيس واللماس هو الجماع . ومن قال : بنات ولدها (هن بناتها ) في التحريم ; لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم حبيبة : " لا تعرضن علي بناتكن " . وكذلك حلائل ولد الأبناء هن حلائل الأبناء ، وهل تسمى الربيبة . وإن لم تكن في حجره ؟ ودفع النبي - صلى الله عليه وسلم - ربيبة له إلى من يكفلها ، وسمى النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن ابنته ابنا .

5106 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن زينب ، عن أم حبيبة قالت : قلت يا رسول الله ، هل لك في بنت أبي سفيان ؟ قال : " فأفعل ماذا ؟ " . قلت : تنكح . قال : " أتحبين ؟ " . قلت : لست لك بمخلية ، وأحب من شركني فيك أختي . قال : " إنها لا تحل لي " . قلت : بلغني أنك تخطب . قال : " ابنة أم سلمة " . قلت : نعم . قال : " لو لم تكن ربيبتي ما حلت لي ، أرضعتني وأباها ثويبة ، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " . وقال الليث : حدثنا هشام : درة بنت أبي سلمة . [انظر : 5101 - مسلم: 1449 - فتح: 9 \ 158 ] .

التالي السابق


ثم ساق حديث أم حبيبة قلت : يا رسول الله ، هل لك في ابنة أبي سفيان . . الحديث السالف .

وفيه قال : "بنت أم سلمة " .

وفي آخره : وقال الليث : ثنا هشام : درة بنت أبي سلمة .

[ ص: 320 ] وقد اختلف العلماء في معنى الدخول بالأمهات ، وقد أسلفناه في الباب الذي قبل ، وأن ابن عباس قال : إنه الجماع .

قال ابن بطال : ولم يقل بهذا أحد من الفقهاء ، واتفق الفقهاء أنه إذا لمسها بشهوة حرمت عليه أمها وابنتها .

قلت : لا ، فالخلاف فيه للشافعي ، والأظهر من مذهبه أنه لا يحرم به .

ثم اختلفوا في النظر ، فقال مالك : إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيء من محاسنها بلذة حرمت عليه أمها وابنتها .

وقال الكوفيون : إذا نظر إلى (فرجها ) للشهوة ، كان بمنزلة اللمس للشهوة . وقال ابن أبي ليلى : لا يجوز بالنظر حتى يلمس ، قال : وهو قول الشافعي .

قلت : قد أسلفنا أنه خلاف الأظهر في مذهبه ، وقد روي التحريم بالنظر عن مسروق ، والتحريم باللمس عن النخعي والقاسم ومجاهد ، وأجمع الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره .

وشذ أهل الظاهر عن جماعة الفقهاء ، وقالوا : لا تحرم عليه الربيبة إلا أن تكون في حجره ، واحتجوا بظاهر الآية ، قالوا : فتحريمها بشرطين

[ ص: 321 ] أن تكون في حجره ، وأن تكون أمها دخل بها ، فإذا عدم أحدهما لم يوجد التحريم ; لأن الزوج إنما جعل محرما لها من أجل ما يلحق من المشقة في استتارها عنه ، وهذا المعنى لا يوجد إلا إذا كانت في حجره .

واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : "لو لم تكن ربيبتي في حجري " فشرط الحجر . ورووا عن علي إجازة ذلك ، أخرجه صالح بن أحمد عن أبيه ، وأخرجه أبو عبيد أيضا .

لكن قال ابن المنذر والطحاوي : إنه غير ثابت عنه ، فيه إبراهيم بن عبيد بن رفاعة لا يعرف ، وأكثر أهل العلم تلقوه بالدفع والخلاف ، واحتجوا في دفعه بقوله : "فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن " فدل ذلك على انتفائه ، ووهاه أبو عبيد أيضا وإن تابعه إبراهيم بن ميسرة ، كما أخرجه عبد الرزاق .

ويدفعه قوله : "لا تعرضن علي بناتكن " فعمهن ولم يقل : اللاتي في حجري ، ولكنه سوى بينهن في التحريم ، لكن دعوى ابن المنذر والطحاوي عدم معرفة إبراهيم بن عبيد غريب ، فقد روى عنه جماعة من أهل العلم : ابن إسحاق ، وابن أبي ذئب وغيرهما ، ووثقه أبو زرعة وابن حبان ، وأخرج له مسلم ، وصحح الحاكم حديثه في "مستدركه " .

وأحسن من ذلك ذكره في الصحابة أبو موسى المديني ، وقال : ذكره فيهم عبدان .

[ ص: 322 ] وإبراهيم بن ميسرة ثقة ، خرجوا حديثه ، وكان ثقة مأمونا فقيها ، وثقه أحمد ويحيى وغيرهما .

والجواب عن الآية أن هذا القيد جرى على الغالب فلا مفهوم له ، كما في قوله : إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن [الأحزاب : 50 ] . وكما في وطء الأم بملك اليمين يحرم عليه ابنتها وإن لم تكن في حجره .

فصل :

روى أبو قرة في "سننه " من حديث المثنى بن الصباح ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده مرفوعا : "أيما رجل نكح امرأة فدخل بها ، فلا يحل له نكاح ابنتها " والمثنى واه . وفي رواية عن أبيه بمثله وزيادة : "وإن لم يدخل بها فلينكحها " .

وروى ابن جريج : أخبرت عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن ابن أم الحكم قال : قال رجل : يا رسول الله ، إني زنيت بامرأة في الجاهلية ، أفأنكح ابنتها ، قال : "لا أرى ذلك يصلح لك أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها " وهو منقطع في موضعين .

[ ص: 323 ] فائدة : أبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو هاشم والمطلب ونوفل أولاد عبد مناف بن قصي .

أمه صفية بنت حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة ، عمة ميمونة ، ولبابة أم الفضل ، ولبابة الصغرى ، وأم حفيد بنات الحارث بن حزن فولد أبو سفيان : حنظلة قتل يوم بدر كافرا ، ولا عقب له ، وأم حبيبة أم المؤمنين .

وأم حبيب أميمة ولدت أبا سفيان بن حويطب ، ثم خلف عليها صفوان بن أمية ، فولدت له عبد الرحمن .

وأمهم جميعا صفية بنت أبي العاصي بن أمية عمة عثمان ومروان ومعاوية وعتبة .

وجويرية تزوج بها السائب بن أبي حبيش بن المطلب ، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن الحارث بن أمية الأصغر .

وأم الحكم ولدت عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي المالكي الذي يقال له : عبد الرحمن ابن أم الحكم ، وأمهم جميعا هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس .

ويزيد وأمه زينب بنت نوفل بن خلف بن فوالة بن جذيمة بن علقمة بن فراس بن كنانة .

ومحمدا وعنبسة وأمهما عاتكة بنت أبي أزيهر الدوسي ، وعمرا ، أسر يوم بدر وعمر .

وصخرة ، تزوجها سعيد بن الأخنس الثقفي ، فولدت له هندا ، تزوجها الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، فولدت له عبد الله .

[ ص: 324 ] وأمهم جميعا صفية بنت أبي عمرو بن أمية .

وميمونة تزوجها (عروة ) بن مسعود بن معتب الثقفي ، فولدت له ، ثم خلف عليها المغيرة بن شعبة ، وأمها لبابة بنت أبي العاصي بن أمية .

ورملة تزوجها سعيد بن عثمان بن عفان ، فولدت له محمدا ، ثم خلف عليها عمرو بن سعيد بن العاصي ، فقتل عنها ، وأمها أمامة بنت أبي سفيان من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث