الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الأطعمة وقول الله تعالى كلوا من طيبات ما رزقناكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

5060 5375 - وعن أبي حازم، عن أبي هريرة: أصابني جهد شديد، فلقيت عمر بن الخطاب، فاستقرأته آية من كتاب الله، فدخل داره وفتحها علي، فمشيت غير بعيد، فخررت لوجهي من الجهد والجوع، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على رأسي فقال: "يا أبا هريرة". فقلت: لبيك رسول الله وسعديك. فأخذ بيدي فأقامني، وعرف الذي بي [ ص: 66 ] فانطلق بي إلى رحله، فأمر لي بعس من لبن، فشربت منه، ثم قال: "عد يا أبا هر". فعدت فشربت، ثم قال: "عد". فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح. قال: فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له: تولى الله ذلك من كان أحق به منك يا عمر، والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك. قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم. [انظر: 6246 - مسلم: 6452 - فتح:9 \ 517]

التالي السابق


ذكر ابن بطال هذا الباب بعد الطب وقبل التعبير، ولا أدري لم ذكره هناك، وذكر عقب النفقات الشهادات، وهي مقدمة كما سلف، وكذا ساق الآية الثانية بلفظ (كلوا من طيبات ما كسبتم) والتلاوة: أنفقوا بدل (كلوا) .

وسئل الفضيل بن عياض عمن يترك الطيبات من الجواري واللحم والخبيص للزهد؟ فقال: وما أكل الخبيص بأس، ليتك تتقي الله وتأكل; إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام. والمراد بالطيبات الحلال، وقيل: جيده وطيبه، يؤيده حديث البراء بن عازب - رضي الله عنهما -: كانوا يتصدقون بالرديء من ثمرتهم وطعامهم فنزلت الآية الثالثة لهذه .

ولم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ [ ص: 67 ] الطعام واللذائذ المباحة. قال عكرمة: إنها نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم، والخصي، وأرادوا التخلي من الدنيا والترهب ، منهم: علي وعثمان بن مظعون، وقد سلف شيء من هذا في باب: ما يكره من التبتل والخصاء.

ثم ذكر البخاري حديث أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني". قال سفيان: والعاني: الأسير.

هذا الحديث سلف قريبا في الوليمة بلفظ: "فكوا العاني وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" .

وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس بن سليم.

وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو وهو عان، والمرأة عانية، جمعها عوان، ومنه الحديث: "اتقوا الله في النساء; فإنهن عوان عندكم" كالأسرى .

وفيه حديث المقدام: "الخال وارث من لا وارث له; يفك عانه" [ ص: 68 ] أي: عانيه، فحذف الياء، وفي رواية "يفك عينه". عنى يعنو عنوا - وعينا.

ومعنى الأسر في حديث الخال: ما يلزمه، ويتعلق به بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة، هذا عند من يورث الخال ومن لا يورثه يقول: معناه طعمة أطعمها الخال لا أن يكون وارثا، كما قاله ابن الأثير .

وفي هذا الحديث الأمر بالمواساة وإطعام الجائع، وذلك من فروض الكفاية. قال الداودي: إلا أن يحتاج الرجل ولا يجد ما يقيمه يحق على من علم ذلك منه أن يعطيه ما يقيم به شأنه، وله أن يأخذ ذلك منه كرها وأن يختفي به إن لم يقدر عليه إلا بذلك، ومنه إعطاء السائل إن صادف شيئا موضوعا كان حقا على المسئول أن ينيله منه، وإن لم يجد شيئا حاضرا، وعلم المسئول أنه ليس له شيء يقيمه، وجب عليه أن يعينه، وإن لم يعلم حاله فليقل له قولا رقيقا. وقد سلف شيء من هذا المعنى في باب: فكاك الأسير من الجهاد.

ثم ساق البخاري حديث محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم واسمه سلمان، مولى عزة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ما شبع آل محمد - صلى الله عليه وسلم - من طعام ثلاثة أيام حتى قبض.

وعن أبي حازم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أصابني جهد شديد، فلقيت عمر بن الخطاب، فاستقرأته آية من كتاب الله .. الحديث. وفيه: حتى استوى بطني فصار كالقدح .. إلى آخره.

والسند الثاني معطوف على الأول من غير شك، وعند مسلم: [ ص: 69 ] ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهله ثلاثا تباعا من خبز البر حتى فارق الدنيا .

روى المقدام بن معدي كرب مرفوعا فيما أخرجه الزمخشري في "ربيعه": "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن، بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه" .

وأخرج من حديث حذيفة مرفوعا: "من أقل طعمه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه" . وفي لفظ: "لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب; فإن القلب ثمرة كالزرع إن كثر عليه الماء انتهى" .

فيحتمل أن تركه - عليه السلام - الشبع لهذا لا للعدم، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من الطعام لوم، بل نص الشافعي على أن الجوع يدلي. والجهد فيه بضم الجيم وفتحها لغتان، وقال نفطويه: الضم الوسع والطاقة، والفتح المبالغة والغاية.

وقال الشعبي: الضم للمشقة، والفتح القل، وقوله: (فأمر لي بعس من لبن) هو القدح الضخم وجمعه عساس .

[ ص: 70 ] وقوله: (فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح). هو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم أول ما يقطع قطعا، ثم يبرى يسمى بريا، ثم يقوم، فيقال: القدح، وهو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم يراش ثم يركب نصله، فهو حينئذ سهم. والمراد: إن بطنه استوى فامتلأ فصار كالسهم.

وقوله: (قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم). هذا حث منه، وحرص على فعل الخير والمواساة.

والحمر: لون محمود في الإبل، يريد يملكها ويضعها في سبل الخير، فهي أحسنها وأطهرها جلدا قال حنيف الحناتم.

الرمكاء نهيا والحمراء صبرى والخوارة غزرى والصهباء سرعى



وقالت بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الإبل إلا الحمر، ومن الخيل إلا الكميت.

وفي حديث أبي هريرة هذا التعريض بالمسألة والاستحياء وذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد.

وفي هذا الحديث إباحة الشبع عند الجوع; لقوله: (فشربت حتى استوى بطني وصار كالقدح). يعني: السهم في استوائه; لأنه لما روي من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم; لأنه كان بالجوع ملتصقا مثنيا.

وفيه: ما كان السلف عليه من الصبر على التقلل وشظف العيش والرضا باليسير في الدنيا; ألا ترى أن أبا هريرة لم يكن له هم إلا أن يسد [ ص: 71 ] عمر جوعه فقط، فلما سقاه الشارع حتى روي أقنعه ذلك ولم يطلب سواه.

وذلك دال على إيثارهم البلغة من الدنيا وطلبهم الكفاية، ألا ترى قول أبي هريرة: (ما شبع آل محمد من طعام ثلاثا حتى قبض). ستأتي معاني هذا الحديث وما عارضه في باب: ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يأكلون.

وفيه: سد الرجل خلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك.

وفيه: أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحبه القرآن أن يحمله إلى بيته، ويطعمه ما تيسر عنده، والله أعلم لم لم يحمل عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة لشغل كان به، أو أنه لم يتيسر حينئذ ما يطعمه، وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: (والله لقد استقرأت عمر الآية، وأنا أقرأ منه إلا طمعا في أن يذهب بي ويطعمني). وهو زائد على ما في البخاري من قوله: (والله لقد استقرأتك الآية وأنا أقرأ لها منك).

وفيه: الحرص على أفعال البر، بأسف عمر على ما فاته من حمل أبي هريرة إلى بيته وإطعامه أن كان محتاجا إلى الأكل، وأن ذلك كان أحب إليه من حمر النعم.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث