الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

5157 [ ص: 303 ] 4 - باب: العتيرة

5474 - حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: الزهري حدثنا عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا فرع ولا عتيرة". قال: والفرع: أول نتاج كان ينتج لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم ، والعتيرة في رجب. [انظر: 5474 - مسلم: 1976 - فتح:9 \ 597].

التالي السابق


ذكر فيه حديث سفيان قال: الزهري ثنا، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا فرع ولا عتيرة". قال: والفرع: أول نتاج كان ينتج لهم، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب ..

هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه .

واختلف في سفيان هذا: ففي مسلم هو ابن عيينة.

وقال النسائي -وذكره عنه ابن عساكر والمزي - حدثنا ابن المثنى، عن أبي داود، عن شعبة قال: حدثت أبا إسحاق، عن معمر وسفيان بن حسين، عن الزهري قال أحدهما: "لا فرع ولا عتيرة".

وقال الآخر: نهي عن الفرع والعتيرة . وفي كتاب الإسماعيلي: من حديث عمرو بن مرزوق عن شعبة.

كما ذكرناه من عند النسائي، وخالف ذلك الطرقي، فذكره كذلك وأبدل ابن حسين بابن عيينة، والله أعلم.

[ ص: 304 ] وذكر أبو قرة موسى بن طارق في "سننه": أن تفسير العتيرة والفرع من كلام الزهري.

وفي الباب عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد: "لا فرع ولا عتيرة".

قال أبو عبد الله: هذا من فرائد ابن أبي عمر العدني .

زاد الطحاوي في "شرح الآثار": "في الإسلام" ، وقد جاء ما يشعر بالإذن فيها: روى عبد الرزاق عن ابن جريج: ثنا ابن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عائشة - رضي الله عنها -: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالفرع من كل خمسين واحدة .

رواه أبو داود من حديث حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم بلفظ: من كل خمسين شاة شاة .

وقال ابن المنذر: حديث عائشة صحيح .

ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الفرع قال: "الفرع حق، وإن تتركوه حتى يكون بكرا أو ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك وتوله ناقتك" .

[ ص: 305 ] وللترمذي من حديث مخنف: سمع - عليه السلام - بعرفة يقول: "يا أيها الناس، إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة"، ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ابن عون .

وقال الخطابي: هو ضعيف المخرج; لأن راويه عن مخنف أبا رملة، وهو مجهول .

ورواه الطبراني من حديث عبد الرزاق عن عبد الكريم، عن حبيب بن مخنف، عن أبيه . فزال تفرد ابن عون، وذهب أبو رملة، وللنسائي وابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي رزين لقيط بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، إنا كنا نذبح ذبائح في الجاهلية في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا. فقال - عليه السلام -: "لا بأس به" قال وكيع بن عدس الراوي عنه: فلا أدعه .

وللنسائي بإسناد جيد من حديث الحارث بن عمرو الباهلي أنه لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، وقال له رجل: يا رسول الله، الفرائع والعتائر؟ فقال: "من شاء فرع، ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر، ومن شاء لم يعتر" .

ولأبي داود عن نبيشة -وقال ابن المنذر: هو ثابت- نادى رجل: يا رسول الله، إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: "اذبحوا لله في أي شهر كان"، قال: إنا كنا لنفرع فرعا في [ ص: 306 ] الجاهلية، فما تأمرنا؟ قال: "في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك، حتى إذا استحل للحجيج ذبحته فتصدقت بلحمه".

قال أبو قلابة: السائمة مائة .

إذا تقرر ذلك:

فالفرع -كما قال أبو عمرو- وكذا الفرعة: بنصب الراء: أول ولد تلده الناقة، كانوا يذبحونه في الجاهلية لآلهتهم .

زاد غيره: ثم يأكلوه ويلقون جلده على الشجر، فنهوا عنها، وقال ابن فارس: هو أول النتاج من الإبل والغنم ، وقال الفراء وغيره: هو نتاج الإبل.

قال أبو عبيد: وأما العتيرة: وهي الرجبية، كان أهل الجاهلية إذا غلب أحدهم أمر، نذر إن ظفر به أن يذبح من غنمه في رجب كذا وكذا، فنسخ ذلك بعد .

قال ابن فارس: كان الصنم المذبوح له عتيرا . يريد: فلذلك سميت عتيرة.

وقال الفراء: وسميت عتيرة; لما يفعل من الذبح، وهو العتر، فهي فعيلة بمعنى مفعولة.

وكان ابن سيرين من بين سائر العلماء، يذبح العتيرة في رجب ، [ ص: 307 ] أي: في العشر الأول منه، وكان يروي فيها شيئا لا يصح، وأظنه حديث ابن عون، عن أبي رملة، عن مخنف بن سليم مرفوعا، وقد سلف.

قال ابن بطال : ولا حجة فيه; لضعفه، ولو صح لكان حديث أبي هريرة ناسخا، والعلماء مجمعون على القول بحديث أبي هريرة .

قلت: قد أسلفنا أن وكيع بن عدس كان يفعلها.

وفي "الآثار" للطحاوي: وكان ابن عون يعتر .

وقال الشافعي: الفرع شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم، فكان أحدهم يذبح بكر ناقته أو شاته، فلا يغذوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "فرعوا إن شئتم" أي: اذبحوا إن شئتم، وكانوا يسألونه عما يصنعون في الجاهلية خوفا أن يكره في الإسلام، فأعلمهم أن لا كراهة عليهم فيه، وأمرهم استحبابا أن يغذوه ثم يحمل عليه في سبيل الله. قال: وقوله: "والفرع حق" معناه: ليس (بباطل) ، وهو كلام عربي خرج على جواب السائل.

وقوله: "لا فرع ولا عتيرة" أي: لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة. قال: والحديث الآخر يدل على هذا المعنى، فإنه أباح الفرع واختار أن يعطيه أرملة أو يحمل عليه في سبيل الله .

والصحيح عند أصحابنا -كما قال النووي وهو نص الشافعي- استحباب الفرع والعتيرة.

[ ص: 308 ] وأجابوا عن قوله: "لا فرع ولا عتيرة" بثلاثة أجوبة:

أحدها: ما تقدم عن الشافعي.

ثانيها: المراد: نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.

ثالثها: أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب وفي إراقة الدم، فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة، وقد نص الشافعي في "سنن حرملة" أنهما إن تيسرتا كل شهر كان حسنا.

وادعى عياض أن جماهير العلماء على نسخ الأمر بهما .

قال الحازمي: ذهب قوم إلى أن هذه الآثار منسوخة، وتمسكوا في ذلك بحديث أبي هريرة.

وقال ابن المنذر: معلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم يقول أنه - عليه السلام - كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما.

وفي إجماع عوام علماء الأمصار أن استعمالهما ذلك موقوف على الأمر بهما، مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلناه .

وأما الفرع فذكر أبو عبيد أنه بفتح الراء، وكذلك الفرعة: هو أول ما تلده الناقة كما سلف، وقد أفرع القوم: إذا فعلت إبلهم ذلك ، وذكر شمر أن أبا مالك قال: كان الرجل إذا تمت إبله مائة قدم بكرا فذبحه لصنمه، فذلك الفرع .

[ ص: 309 ] وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "فرعوا إن شئتم، ولكن لا تذبحوا غراة حتى تكبر" .

وعند عياض: هو أول ما تنتج الناقة، يذبحونه لطواغيتهم ; ورجاء البركة في الأم وكثرة نسلها.

وقيل: العتيرة: نذر كانوا ينذرونه إذا بلغ ملك أحدهم كذا، أن يذبح من كل عشرة منها شاة في رجب.

وذكر الجاحظ في "حيوانه": أن منهم من يجعل عتائره من صيد الظباء .

[ ص: 310 ] وقال الداودي: العتيرة مباحة، وكذلك الخرس: وهو طعام المولود، والعرس: طعام النكاح، والختان: الإعذار، والنقيعة: طعام القادم من سفره، وقيل: هو الطعام الذي يصنع للقبائل إذا قدموا على قوم ليصلحوا بينهم، والوكيرة: طعام يصنع للبناء، ذكره ابن فارس ، وذكر ابن حبيب أن العتيرة: الطعام يصنع للميت، والنقيعة: طعام العرس، وقد تقدم أكثر من ذلك فراجعه



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث