الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


503 526 - حدثنا قتيبة قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأنزل الله وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114]. فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم". [4687 - مسلم: 2763 - فتح: 2 \ 8]

التالي السابق


ذكر فيه حديثين:

الأول: حديث حذيفة:

كنا جلوسا عند عمر. فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله. قال: إنك عليه - أو عليها - لجريء. قلت: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي". قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين،

[ ص: 107 ] إن بينك وبينها بابا مغلقا. قال: أيفتح أم يكسر؟ قال: يكسر. قال: إذا لا يغلق أبدا. قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقا، فسأله، فقال: الباب عمر.


الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري في الصوم وفيه: فقال عمر: ذلك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة، والزكاة وفيه: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وفيه: لما قال عمر: لم يغلق الباب أبدا. قلت: أجل.

وأخرجه أيضا في علامات النبوة، وأخرجه مسلم أيضا.

ثانيها:

الفتنة أصلها الابتلاء والامتحان ثم صارت عرفا لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، وتكون في الخير والشر، قال تعالى: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون [الأنبياء: 35] يقال: فتن. وأبى الأصمعي أفتن.

وقال سيبويه: فتنه جعل فيه فتنة. وأفتنه: أوصل الفتنة إليه.

[ ص: 108 ] والفتنة أيضا: الضلال والإثم والإزالة عما كان عليه، قال تعالى: وإن كادوا ليفتنونك [الإسراء: 73] والفتنة أيضا: الكفر، قال تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [البقرة: 193]. والفتنة أيضا: الفضيحة والعذاب، وما يقع بين الناس من القتال والبلية، والغلو في التأويل المظلم.

قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: ما أنتم عليه بفاتنين وأهل نجد: (بمفتنين).

ولما رأى عمر أن الأمر كاد أن يتغير، سأل عن الفتنة التي تأتي بعده خوفا أن يدركها، مع علمه بأنه الباب الذي تكون الفتنة بعد كسره، لكنه من شدة الخوف خشي أن يكون نسي، فسأل من يذكره.

ثالثها:

فتنة الرجل في أهله وماله يصدقه قوله تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن: 15]، والمعنى في ذلك أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة كالقبلة التي أصابها الرجل من المرأة في الحديث الآتي وشبهها، فذلك الذي يكفرها [ ص: 109 ] الصلاة والصوم، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر".

والمراد بفتنة الرجل بجاره أيضا وأهله ما يعرض له معهم من شر أو حزن أو ترك حق وشبه ذلك.

رابعها:

إنما علم عمر أنه الباب؛ لأنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على حراء، ومعه أبو بكر وعثمان، فرجف بهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اثبت حراء فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، وفهم ذلك من قول حذيفة حين قال: بل [ ص: 110 ] يكسر الباب. ويدل عليه أيضا قوله: (إذا لا يغلق)؛ لأن الغلق إنما يكون في الصحيح. وأما الكسر: فهو هتك لا يجبر، وفتق لا يرقع. وقيل: معنى يكسر، أي: يقتل فلا يموت بغير قتل. وكذلك انخرق عليهم بقتل عثمان بعده من الفتن ما لا يغلق إلى يوم القيامة. وهي الدعوة التي لم يجب فيها - صلى الله عليه وسلم - في أمته. ولذلك قال: فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة.

والقاف في (لا يغلق) مفتوحة؛ لأنه فعل منصوب ب (إذا)، و (إذا) تفعل النصب في الفعل المستقبل لعدم ثلاثة أشياء، وهي: أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها، وأن يكون الفعل فعل حال، وأن لا يكون [ ص: 111 ] معها واو العطف. وهذه الثلاثة معدومة هنا.

ومعنى: (إن بينك وبينها بابا مغلقا): أن تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك.

وقوله: (مغلقا) هو الأفصح؛ لأنه رباعي من أغلقت، وإن حكي غلقت لكنه مرذول.

وأوضح سيدي أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الفتنة في الأهل فقال: هي على وجوه منها: هل يوفي لهم الحق الذي يجب لهم عليه أم لا؟ لأنه راع عليهم، ومسئول عن رعايتهم، فإن لم يأت بالواجب منها فليس مما يكفره فعل الطاعات، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - للذي سأله إذا قتل في سبيل الله صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر: يكفر ذلك عني خطاياي؟ قال: "نعم إلا الدين".

وهكذا من جميع الذنوب.

[ ص: 112 ] وقال: "من كان عليه حق فليعطه أو ليتحلله"، وإجماع أن الحقوق إذا وجدت لا يسقطها إلا الأداء، فإن كان ما تركه من حقوقهم من طريق المندوبات، فليس من ترك مندوبا يكون عليه إثم، فيحتاج إلى تكفير.

فيبقى وجه آخر، وهو تعلق القلب بهم، وهو على قسمين:

إما تعلقا مفرطا حتى يشغله عن حق من الحقوق، فهذا ليس مما يدخل تحت ما يكفر الطاعات، بل يدخل تحت وعيد قوله تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم الآية. [التوبة: 24]، وإن كان ما لا يشغله عن توفية حق من حقوق الله، فهذا النوع - والله أعلم - هو الذي يكفره أفعال الطاعات.

وذكر في قوله: "فتنة الرجل في أهله" هل هذا خاص بالرجال دون النساء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "هن شقائق الرجال" معناه في لزوم الأحكام.

[ ص: 113 ] وإنما هذا من باب الأعلى، يؤيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" ولم يقل ذلك في المرأة، فالرجال في هذا المعنى أشد.

وأما فتنته في ولده، فقال تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة الآية. [التغابن: 15]. وذلك من فرط محبته لهم وشغله بهم عن كثير من الخير أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم وتأديبهم، فهذه فتن تقتضي المحاسبة، وقد تكون المرأة في ذلك أشد من الرجال، لكن لما ليس لها الحكم عليه مثل الأب، فذكر الأعلى.

وأما المال، فالرجال والنساء في ذلك سواء، إلا أنه في الرجال أغلب؛ لأنهم يحكمون ولا يحكم عليهم، والنساء في الغالب محكوم عليهن، فلذلك - والله أعلم - ذكر الرجال دون النساء.

وهل هذا الحكم خاص بالأربعة هذه أم هي من باب التنبيه بالأعلى؟ لأن العلة (إذا أنيط) بها الحكم إذا وجدت لزم الحكم، وهو إجماع أهل السنة. فكل ما يشغل عن حق من حقوق الله فهو وبال على صاحبه، وكل ما كان للنفس به تعلق، ولم يشغل عن حق من حقوق الله فتوفية الحقوق (المأمور بها كفارة له. وهل الواحد من [ ص: 114 ] ذلك يكفر) أو المجموع؟ فذكر من أفعال الأبدان أعلاها، وهو الصلاة والصوم. قال (الله جل جلاله في حقها): وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين [البقرة: 45] وذكر من حقوق الأموال أعلاها، وهي الصدقة، ومن الأقوال أعلاها، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن فعل هذه لم يكن له أن يترك الباقي، قال الله تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [العنكبوت: 45]، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا. ومن ترك شيئا من الواجبات فقد أتى فاحشا ومنكرا، ومن أتاهما فقد بعد من الله، ومن بعد كيف يكفر عنه شيء؟

وأما فتنة الولد، فهي فرط محبتهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم، فهذه الفتنة تقتضي المحاسبة، وكذا فتنة المال.

وأما فتنة الجار، فهي أن تتمنى أن تكون مثل حاله إن كان متسعا، قال تعالى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة [الفرقان: 20]. فهذه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فدونها يكفرها أعمال البر للآية: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114]، قال بعض أهل التفسير: الحسنات هنا: الصلاة، والسيئات: الصغائر. وقال ابن العربي: الفتنة التي تدخل على الرجل من هذه الجهات إن كانت من الصغائر صح ذلك فيها، وإن كانت من الكبائر فلا تقوم الحسنات بها.

[ ص: 115 ] خامسها:

معنى "تموج": تضطرب ويدفع بعضها بعضا، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها.

وقوله: (فهبنا أن نسأل حذيفة). القائل (فهبنا) هو أبو وائل. وجاء في رواية: قال أبو وائل: فقلت لمسروق: سل حذيفة عن الباب، فقال: عمر. ويأتي لهذا الحديث زيادة في أبوابه إن شاء الله.

الحديث الثاني: حديث ابن مسعود:

أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فأنزل الله تعالى: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114]. فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: "لجميع أمتي كلهم".

الكلام عليه من أوجه:

أحدها:

هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير، وقال: زلفا: ساعات بعد ساعات. ومنه سميت المزدلفة، الزلف: منزلة بعد منزلة، وأما زلفى فمصدر مثل القربى، ازدلفوا: اجتمعوا، زلفا: جميعا. وقال في آخر الحديث إلى هذه الآية: قال: "لمن عمل بها من أمتي".

وأخرجه مسلم في التوبة، والترمذي في التفسير، والنسائي في [ ص: 116 ] الرجم، وابن ماجه في الصلاة، وأبو داود.

وعند ابن ماجه: أصاب من امرأة ما دون الفاحشة، فلا أدري ما بلغ غير أنه دون الزنا.

وفيه: يا رسول الله، ألي هذه؟ قال: "لمن أخذ بها".

ثانيها:

هذا الرجل اسمه: كعب بن عمرو، أبو اليسر على أصح الأقوال كما أخرجه النسائي في التفسير.

وأخرجه الترمذي أيضا من حديث ابن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر - يعني: كعب بن عمرو - قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا، فقلت: إن في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها. فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك، ولا تخبر أحدا، وتب. فأتيت عمر فذكرت ذلك له،

[ ص: 117 ] فقال: استر على نفسك، وتب، ولا تخبر أحدا. فلم أصبر، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى تمنى أن لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار.

قال: وأطرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أوحي إليه: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إلى قوله: ذلك ذكرى للذاكرين [هود: 114].

قال أبو اليسر: فأتيته، فقرأها علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة".


قال البزار: لا نعلم رواه عن أبي اليسر إلا موسى، ولا عن موسى إلا ابن (موهب).

وفي كتاب الواحدي: وكان زوجها بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعث.

وفيه: فغمزتها وقبلتها، وكانت أعجبتني.

وفي لفظ عن ابن عباس أن رجلا أتى عمر فقال: إن امرأة جاءتني تبايعني، فأدخلتها الدولج، فقال: ويحك لعلها مغيب في سبيل الله.

[ ص: 118 ] قلت: أجل. قال: ائت أبا بكر فأتاه وقال له مثل ما قال عمر. وقال: ائت رسول الله، فأتاه... الحديث.

وفيه: يا رسول الله، ألي خاصة؟ فضرب عمر صدره وقال: ولا نعمة عين ولكن للناس عامة. قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "صدق عمر".


وفي "تفسير ابن مردويه" من حديث معاذ: فأمره أن يتوضأ ويصلي وفيه من حديث بريدة: أن المرأة ناشدته وقالت له: إنما أنا أمك قال: وذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم".

وفي "تفسير الضحاك": راود امرأة وقعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم ندم، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما صلى ركعتين من العصر نزلت هذه [ ص: 119 ] الآية، فلما فرغ من صلاته دعاه فقال: "أشهدت معنا هذه الصلاة؟.. " الحديث.

قال ابن عباس: وهود كلها مكية إلا هذه الآية. وروى حماد عن عمرو، عن يحيى بن جعدة أن رجلا أتى امرأة فأعجبته، فبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة في حاجة، فأصاب الناس مطر، وتلقته المرأة، (تضرب) صدرها بيدها فاستلقت، فجعل يريدها فلم يقدر عليها فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: "قم فاركع أربع ركعات".

القول الثاني: أنه عمرو بن غزية بن عمرو الأنصاري، أبو حبة - بالباء الموحدة - التمار.

رواه أبو صالح عن ابن عياش.

القول الثالث: أنه ابن معتب رجل من الأنصار، ذكره ابن أبي خيثمة في "تاريخه" من حديث إبراهيم النخعي.

[ ص: 120 ] الرابع: أنه أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري، حكاه مقاتل.

الخامس: نبهان التمار، حكاه أيضا.

وقال الثعلبي: نبهان لم ينزل فيه إلا قوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة الآية. [آل عمران: 135].

وقال السهيلي: في حكايته: أبو (مقبل) نبهان التمار.

سادسها: عباد، حكاه القرطبي.

ثالثها:

الرجل الذي قال: (ألي هذه؟) هو أبو اليسر كما سلف.

وجاء في رواية: فقال رجل من القوم: هذا له خاصة؟ ذكرها ابن [ ص: 121 ] الجوزي وحكى في تعيينه ثلاثة أقوال، وعزاها إلى الخطيب: عمر بن الخطاب، أبو اليسر، معاذ بن جبل.

وقد روى هذا (الأخير) أبو علي الطوسي صاحب "الأحكام"، شيخ أبي حاتم الرازي من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ، ولم يسمع منه.

رابعها:

طرفا النهار: الغداة والعشي، والأشهر كما قال ابن الخطيب أنها الصبح والعصر، ولا يكون الطرف الثاني صلاة المغرب لدخولها في الزلف.

ثم استنبط من ذلك الوتر بالفجر وتأخير العصر لما لا يسلم له، وقد قيل: إن الثاني المغرب أو العشاء.

وقال الزجاج في "معانيه": صلاة طرفي النهار: الغداة والظهر والعصر بما لم يسلم له. وقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف.

وزلفا من الليل [هود: 114]، يعني: صلاة العتمة.

وقال الحسن: هما المغرب والعشاء.

[ ص: 122 ] وقال الأخفش: يعني: صلاة الليل.

خامسها:

سلف معنى الزلف، قال الزجاج: معناه الصلاة القريبة من أول الليل، زلف: جمع زلفة، يعني بالزلف من الليل: المغرب والعشاء.

وقراءة الجمهور ضم الزاي وفتح اللام، وقرأ أبو جعفر بضمهما.

وقرأ ابن محيصن بضم الزاي وجزم اللام، وقرأ مجاهد: زلفى، مثل قربى.

وفي "المحكم": زلف الليل: ساعات من أوله، وقيل: هي ساعات الليل الأخيرة من النهار، وساعات النهار الأخيرة من الليل.

وفي "جامع القزاز": الزلفة تكون القربة من الخير والشر.

سادسها:

المراد بالحسنات: الصلوات الخمس إذا اجتنبت الكبائر.

وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

سابعها:

اختلف أهل السنة في قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات [هود: 114]. فقال الجمهور: هو شرط بمعنى الوعيد كله. أي: إن [ ص: 123 ] اجتنبت الكبائر كانت العبادات المذكورات (كفارة) للذنوب، وإن لم تجتنب لم تكفر شيء من الصغائر.

وقالت فرقة: إن لم تجتنب لم تحطها العبادات وحطت الصغائر، وذلك كله بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها.

وقال ابن عبد البر: قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهل عصرنا: إن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة، واستدل بظاهر هذا الحديث، وبحديث الصنابحي: "خرجت الخطايا من فيه" وغيره، وهذا جهل وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز أن تحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا [التحريم: 8]، في آي كثير فلو كانت الصلاة والطهارة وأعمال البر مكفرة للكبائر لما احتاج إلى التوبة.

ثامنها:

عدم وجوب الحد في القبلة وشبهها من اللمس ونحوه من الصغائر، وهي من اللمم المعفو عنه باجتناب الكبائر بنص القرآن، وقد يستدل به على أنه لا حد ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر.

[ ص: 124 ] قال شيخنا قطب الدين: وقوله: وزلفا من الليل [هود: 114]



مقتضاه الأمر بإقامة الصلاة في زلف منها؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، والمغرب والعشاء وقتان، فيجب الحكم بوجوب الوتر. كذا قال وتبعه شيخنا علاء الدين في "شرحه"، وهي نزعة، ولا يسلم لهما.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث