الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تتمة مسند جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما

14031 6073 - (14440) - (3 \ 320 - 321) عن جعفر قال : حدثني أبي قال : أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة ، فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، فحدثنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج هذا العام ، قال : فنزل المدينة بشر كثير ، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويفعل مثل ما يفعل .

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر بقين من ذي القعدة ، وخرجنا معه ، حتى إذا أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصنع ؟ قال : "اغتسلي ، ثم استذفري بثوب ، ثم أهلي " . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد : "لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك " ، ولبى الناس ، والناس يزيدون : ذا المعارج ، ونحوه من الكلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ، فلم يقل لهم شيئا ، فنظرت مد بصري ، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش ، ومن خلفه مثل ذلك ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن شماله مثل ذلك .

قال جابر : ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله ، وما عمل به من شيء عملنا به ، فخرجنا لا ننوي إلا الحج ، حتى أتينا الكعبة ، فاستلم نبي الله الحجر الأسود ، ثم رمل ثلاثة ، ومشى أربعة ، حتى إذا فرغ ، عمد

[ ص: 57 ] إلى مقام إبراهيم ، فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى [البقرة : 125] . قال أبو عبد الله - يعني : جعفرا - : فقرأ فيها بالتوحيد ، و(قل يا أيها الكافرون) .

ثم استلم الحجر ، وخرج إلى الصفا ، ثم قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله [البقرة : 158] ، ثم قال : "نبدأ بما بدأ الله به " ، فرقي على الصفا ، حتى إذا نظر إلى البيت ، كبر ، قال : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله ، أنجز وعده ، وصدق عبده ، وغلب الأحزاب وحده " ، ثم دعا ، ثم رجع إلى هذا الكلام ، ثم نزل ، حتى إذا انصبت قدماه في الوادي ، رمل ، حتى إذا صعد ، مشى ، حتى أتى المروة ، فرقي عليها ، حتى نظر إلى البيت ، فقال عليها كما قال على الصفا ، فلما كان السابع عند المروة ، قال : "يا أيها الناس ! إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، فمن لم يكن معه هدي ، فليحل ، وليجعلها عمرة " ، فحل الناس - كلهم .

فقال سراقة بن مالك بن جعشم ، وهو في أسفل المروة : يا رسول الله ! ألعامنا هذا أم للأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه ، فقال : "للأبد" ثلاث مرات ، ثم قال : "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " .

قال : وقدم علي من اليمن ، فقدم بهدي ، وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه من المدينة هديا ، فإذا فاطمة - رضي الله عنها - قد حلت ولبست ثيابا صبيغا ، واكتحلت ، فأنكر ذلك علي - رضي الله عنه - عليها ، فقالت : أمرني أبي . قال : قال علي بالكوفة - قال جعفر : قال أبي : هذا الحرف لم يذكره جابر - فذهبت محرشا أستفتي به النبي صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت فاطمة ، قلت : إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا ، واكتحلت ، وقالت : أمرني به أبي ! قال : "صدقت ، صدقت ، صدقت ، أنا أمرتها به " .

قال جابر : وقال لعلي : " بم أهللت ؟ " ، قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل

[ ص: 58 ] به رسولك . قال : ومعي الهدي ، قال : "فلا تحل " ، قال : فكانت جماعة الهدي الذي أتى به علي من اليمن ، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مئة ، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثة وستين ، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر ، وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر ، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها .

ثم قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : "قد نحرت ها هنا ، ومنى كلها منحر " ، ووقف بعرفة فقال : "وقفت ها هنا ، وعرفة كلها موقف " ، ووقف بالمزدلفة ، فقال : "قد وقفت ها هنا ، والمزدلفة كلها موقف " .


التالي السابق


* قوله : "ثم أذن " : على بناء المفعول أو الفاعل ، من التأذين ; أي : نودي ، أو أمر بندائه .

* "أن يأتم " : أي : يقتدي ، وجملة "يفعل . . . إلخ" بيان له .

* "نفست " : - بكسر الفاء - على بناء الفاعل ; أي : ولدت ، وجاء فيه على بناء المفعول .

* "اغتسلي " : أي : للتنظيف ، لا للصلاة والتطهير .

* "ثم استذفري " : الاستذفار - بالذال المعجمة - : هو الاستثفار - بالثاء المثلثة - ، قيل : بقلب الثاء ذالا ، وهو أن تشد فرجها بخرقة ; ليمنع سيلان الدم .

* "استوت به ناقته " : أي : علت به ، أو قامت مستوية على قوائمها ، والمراد : أنه بعد تمام طلوع البيداء ، لا في أثناء طلوعه .

* "البيداء " : المفازة ، وها هنا اسم موضع قريب من مسجد ذي الحليفة .

* "أهل بالتوحيد " : قيل : بالإفراد ، والصحيح بتوحيد الله تعالى ; أي : لا بتلبية الجاهلية المشتملة على الشرك .

* "لبيك . . . إلخ " : تفسير له بتقدير : قال .

* "يسمع فلم يقل شيئا " : أي : قرر لهم الزيادة ، فلا كراهة فيها .

[ ص: 59 ] * "مد بصري " : أي : منتهى بصري ، وأنكر بعض أهل اللغة ذلك ، وقال : الصواب : مدى بصري - بفتح الميم - .

قال النووي : ليس بمنكر ، بل هما لغتان ، والمد أشهر .

* "وبين يدي " : أي قدامه .

* "من راكب " : أي : فرأيت من راكب وماش ما لا يحصى .

* "مثل ذلك " : أي : رأيت مثل ذلك ، أو كان مثل ذلك ، وعلى الأول بالنصب ، وعلى الثاني بالرفع .

* "عليه ينزل القرآن " : هو حث على التمسك بما أخبر به عن فعله .

* "لا ننوي إلا الحج " : أي : غالبنا ، وإلا فقد اعتمر بعضهم ، أو قارن .

* "ثم قرأ : واتخذوا . . . إلخ " : أي : ليعلم تفسيره بفعله .

* "قال أبي " : هو الأب المضاف إلى ياء المتكلم ، وهذا من كلام جعفر بن محمد ، كما نبه عليه أبو عبد الله .

* "فقرأ فيها " : أي : في تلك الصلاة .

* "بالتوحيد " : أي : بـ قل هو الله أحد [الإخلاص : 1] ، في ركعة ، و قل يا أيها الكافرون [الكافرون : 1] ; أي : في ركعة أخرى ، والواو لا تستلزم الترتيب ، فلا يلزم أن يكون في الأولى قل هو الله أحد بل الظاهر العكس .

* "نبدأ بما بدأ الله به " : يفيد أن بداية الله ذكرا تقتضي البداية عملا ، والظاهر أنه يقتضي ندب البداية عملا ، لا وجوبها ، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر .

* "فرقي " : - بكسر القاف - ، و"غلب" - بالتخفيف - ، والمراد "بالأحزاب " :

[ ص: 60 ] أحزاب أهل الكفر ، ويحتمل - على التشديد - على أن المراد بالأحزاب : أحزاب أهل الإسلام ; أي : عليهم على أهل الشرك .

* "انصبت " : - بتشديد الباء - ; أي : انحدرتا بالسهولة حتى وصلتا إلى بطن الوادي .

* "صعد " : أي : خرج من بطن الوادي إلى طرفه الأعلى .

* "مشى " : أي : سار على السكون .

* "ألعامنا هذا ؟ " : أي : العمرة في أشهر الحج ، أو الفسخ ؟ والجمهور على الأول ، وعليه : فمعنى قوله : "دخلت العمرة في الحج " : أي : حلت في أشهر الحج ، وصحت ، وعلى الثاني : دخلت نية العمرة في نية الحج ; بحيث من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة .

* "محرشا " : من التحريش ، وهو الإغراء ، قيل : المراد ها هنا : ذكر ما يوجب عتابه لي .

* و"ما غبر " : أي : ما بقي .

* * *



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث