الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث اليد العليا خير من اليد السفلى

جزء التالي صفحة
السابق

وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة : اليد العليا خير من اليد السفلى ، واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة .

التالي السابق


(الحديث الرابع) وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال وهو على المنبر وهو يذكر [ ص: 75 ] الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة . (فيه) فوائد : (الأولى) أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي من طريق مالك وأخرجه البخاري أيضا من طريق حماد بن زيد عن أيوب كلاهما عن نافع عن ابن عمر ، وقال أبو داود في سننه اختلف على أيوب في هذا الحديث قال عبد الوارث اليد العليا المتعففة ، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب اليد العليا المنفقة ، وقال واحد المتعففة ، وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي بل قاله عن حماد اثنان أبو الربيع الزهراني كما في كتاب الزكاة ليوسف القاضي ومسدد كما رواه ابن عبد البر في التمهيد . قال ورواه أيضا عن نافع موسى بن عقبة فاختلف عليه فقال إبراهيم بن طهمان عنه المتعففة ، وقال حفص بن ميسرة عنه المنفقة رويناهما كذلك في سنن البيهقي انتهى .

وقال الخطابي رواية من قال المتعففة أشبه وأصح في المعنى وذلك أن ابن عمر ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو يذكر الصدقة والتعفف منها فعطف الكلام على سببه الذي خرج عليه وهو ما يطابقه في معناه أولى .

وقال ابن عبد البر لا خلاف علمته في إسناد هذا الحديث ولفظه أي على مالك ، واختلف فيه على أيوب ورواية مالك أشبه وأولى بالأصول من قول من قال المتعففة

بدليل حديث طارق الحازمي قال قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك ذكره النسوي .

(الثانية) قوله والتعفف عن المسألة كذا في الموطإ وصحيح مسلم وسنن النسائي وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والمسألة بالواو بدل عن قوله في رواية البخاري والتعفف الظاهر أن المراد التعفف عن المسألة بدليل الرواية الأخرى لكن في رواية أبي داود والتعفف منها والضمير عائد على الصدقة المتقدم ذكرها أي والتعفف من أخذ الصدقة وهذا يرد على قول ابن عبد البر أنه لم يختلف في لفظ هذا الحديث .



(الثالثة) قال ابن عبد البر : فيه إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح وما يكون موعظة أو علما أو قربة إلى الله تعالى (قلت) لا يلزم من كونه عليه الصلاة والسلام قال ذلك على المنبر أن يكون في خطبة الجمعة . [ ص: 76 ] فقد كان يرقى المنبر فيما يهم من حادثة وموعظة والله أعلم .



(الرابعة) فيه التصريح بأن اليد العليا هي المنفقة وبهذا قال الجمهور وتقدم عن الخطابي أنها المتعففة ، وقال النووي بعد تصحيح رواية المنفقة ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة أعلى من السائلة والمتعففة أعلى من السائلة وحكى القاضي عياض عن الخطابي أنه قال وفيه تأويل ثالث أن السفلى المانعة ، وذكر غيره أن العليا الآخذة ؛ لأنها إذا أخذت كانت فوق السفلى قال القاضي وهذان التأويلان يردهما ما نص في الحديث من التفسير .

وقال النووي بعد ذكره مقالة الخطابي إنها المتعففة ، وقال غيره العليا الآخذة والسفلى المانعة حكاه القاضي انتهى وهذا يقتضي أنهما مقالة لقائل واحد ، وقد عرفت من كلام القاضي المتقدم أنهما مقالتان والقول بأن العليا هي الآخذة محكي عن الصوفية ووجهوه بأنها نائبة عن يد الله تعالى وهذا مصادم لنص الحديث ثم قال القاضي عياض وقال الداودي ليست السفلى والعليا المعطاة والمعطية بغير مسألة ، وإنما هي السائلة والمسئولة وليست كل سائلة تكون خيرا من المسئولة ، وإنما ذلك لمن سأل وأظهر من الفقر فوق ما به وأما عند الضرورة أو ليكافئ فليس من ذلك ، وقد استطعم الخضر وموسى أهل القرية . قال القاضي وما قاله غير مسلم في هذا الفصل الأخير ؛ لأن لفظ الحديث يدل على خلافه وأن الفضل للمعطية والأجر .

وأما من سأل مظهرا للفقر فسؤاله حرام وليس الحديث في مثله بل فيمن يجوز سؤاله انتهى .

وحكى ابن بطال عن الحسن البصري أنه قال اليد العليا واليد السفلى المانعة ، وذكر القاضي عياض أن الخطابي رجح كون العليا المتعففة بحديث حكيم بن حزام لقوله لما سمع هذا : ومنك يا رسول الله ؟ قال : ومني ، فقال : والله لا أرزأ أحدا بعدك شيئا ، قال ولا يتوهم على حكيم أن يعتقد أن يده خير من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما فهم أنها المتعففة قال القاضي هذا لا يظهر من الحديث ولا يبعد أن حكيما إنما راعى ذلك في حق غيره عليه السلام لا في حقه والنبي صلى الله عليه وسلم إنما عاب على حكيم كثرة السؤال ؛ لأن فيه سألته فأعطاني ثلاث مرات ثم قال إن هذا المال خضرة حلوة ، وذكر الحديث انتهى قلت فهم حكيم من النبي صلى الله عليه وسلم ذم الأخذ فقال ومنك أي ولو كان الأخذ منك [ ص: 77 ] فيد السائل سفلى فلما قال له النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الأخذ بعد ذلك مطلقا والله أعلم .

(الخامسة) قال الخطابي قد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطي مستعلية فوق يد الآخذ يجعلونه من علو الشيء إلى فوق وليس ذلك عندي بالوجه ، وإنما هو من علاء المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها وأنشدني أبو عمر قال أنشدني أبو العباس قال أنشدنا ابن الأعرابي في معناه .

إذا كــان بـاب الـذل مـن جـانب الغنـى سـموت إلـى العليـاء مـن جـانب الفقر

يريد التعزز بترك المسألة والتنزه عنها انتهى .

فكلامه أولا على أن العليا هي المعطية وثانيا على أنها هي المتعففة ، وقد عرفت ما في ذلك وكون العليا من العلاء وهو العلو المعنوي يأتي على القولين معا ، وقد قال النووي والمراد بالعلوي علو الفضل والمجد ونيل الثواب .



(السادسة) فيه الحث على الإنفاق في وجوه الطاعة وذلك يتناول الواجبات والسنن المؤكدة والتطوعات المطلقة .



(السابعة) استدل به على ترجيح الغنى مع القيام بحقوقه على الفقر ؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى والخلاف في ذلك مشهور ، ومن فضل الفقر أجاب بأنه ليس المراد بالخيرية الفضل من جهة الدين ، وإنما المراد أنه خير في الإفضال والإعطاء وأعلى همة وأعظم مجدا والله أعلم .



(الثامنة) لم يذكر في الرواية المشهورة المتعففة عن الآخذ ولا الآخذ بغير سؤال ، وإنما ذكر السائلة ويمكن أن يقال إن كلا من المتعففة عن الأخذ والآخذة بغير سؤال ليست عليا ولا سفلى فإنها لم تأخذ بمعالي الأمور في الاكتساب والإفضال والإنفاق ولا بتسفل الاكتساب ودناءته ، وقد يقال كل منهما عليا أيضا لكن علوها دون علو المنفقة ، وقد يقال كل منهما سفلى لعدم أخذها بمعالي الأمور في الإنفاق ولا شك أن أعلى الدرجات المنفقة ثم المتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال ثم السائلة ودرجات العلو والتسفل متفاوتة والله تعالى هو المنفق حقيقة ، وفي سنن أبي داود ومستدرك الحاكم عن مالك بن نضلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى ، فأعط الفضل ولا تعجز عن نفسكوكأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اقتصر [ ص: 78 ] على المنفقة والسائلة لحضه على اكتساب المال من وجهه وذمه الاكتساب بالسؤال فإنه أرذل المكاسب وإشارة إلى أنه إذا لم يكتسب احتاج إلى السؤال ولهذا قال قيس بن عاصم : وإياكم والمسألة فإنها آخر كسب الرجل ، وفي الصحيح عن أبي هريرة مرفوعا لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه ويستغني به عن الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ، ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى وابدأ بمن تعول ، وقد ورد في حديث ضعيف رواه الطبراني في معجمه من حديث رافع بن خديج يد المعطي العليا ويد الآخذ السفلى إلى يوم القيامة فلم يقيد الآخذ بالسؤال وهو يقتضي كون يده سفلى وإن لم يسأل إلا أن يحمل المطلق على المقيد ويقال المراد الآخذ مع السؤال بدليل بقية الأحاديث هذا لو صح هذا الحديث وفي شرح مسلم للنووي في التبويب على هذا الحديث والسفلى الآخذة .



(التاسعة) فيه كراهة السؤال والتنفير عنه بتسمية اليد السائلة سفلى ومحله إذا لم تدع إليه ضرورة فإن كانت به ضرورة بأن كان عاجزا غير مكتسب وخاف هلاكه فلا بأس بالسؤال حينئذ بل قد يكون مندوبا ، وقد يكون واجبا ، وذكر والدي رحمه الله في شرح الترمذي أن المسألة تنقسم إلى الأحكام الشرعية : التحريم والكراهة والوجوب والندب والإباحة .

وقال أبو بكر بن العربي : وبالجملة فإن السؤال واجب في موضع جائز في آخر حرام في آخر مندوب على طريق فأما وجوبه فللمريدين في ابتداء الأمر وظاهر حالهم وللأولياء للاقتداء وجريا على عادة الله في خلقه ألا ترى إلى سؤال موسى والخضر لأهل القرية طعاما وهما من الله تعالى بالمنزلة المعلومة ؟ .

فالتعريف بالحاجة فرض على المحتاج وإذا ارتفعت الضرورة جاز له أن يسأل في الزائد عليها مما يحتاج إليه ولا يقدر عليه ثم أنشد لبعضهم

لمــــال المــــرء يصلحــــه فيغنــــي مفــــاقره أعــــف مــــن القنـــوع

قال وإذا كملت للمرء مفاقره وارتفعت حاجاته لم يجز له أن يسأل تكثرا ثم قال : وقد يكون السؤال واجبا أو مندوبا أما وجوبه فللمحتاج وأما المندوب فلمن يعينه ويبين حاجته إن استحيا هو من ذلك أو رجا أن يكون بيانه أنفع وأنجح من بيان السائل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل لغيره انتهى .

قال والدي رحمه الله فذكر أربعة أوجه من الأحكام الشرعية في المسألة دون [ ص: 79 ] الخامس وهو قسم المكروه ، فأما تمثيله للواجب بسؤال المحتاج فواضح ، وأما قسم المكروه فسؤاله للسلطان مع إمكان الاستغناء عنه ، وقد جمعها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة بقوله إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه فهذا الأخير هو السؤال الواجب قال : وأما تمثيل القاضي أبي بكر السؤال الواجب بالمريدين في ابتداء الأمر وبسؤال الأولياء للاقتداء وتمثيله بسؤال موسى والخضر طعاما من أهل القرية ففيه نظر ولا يطلق على سؤال المريدين في ابتدائهم اسم الوجوب ، وإنما جرت عادة المشايخ الذين يهذبون أخلاق المريدين بفعل ذلك لكسر أنفسهم إذا كان في ذلك صلاحهم ، فأما الوجوب الشرعي فلا .

وأما سؤال الخضر وموسى فلا يلزم هذه الأمة الاقتداء بهما في ذلك ، وإنما وقع ذلك من الخضر لحكمة أطلعه الله عليها ليبين لموسى عليه الصلاة والسلام ما ينتهي الحال إليه في المرات الثلاث انتهى .

ومن الصور التي اختلف فيها هل السؤال حرام أو مكروه ما إذا قدر على الاكتساب وفي ذلك وجهان لأصحابنا الشافعية (أصحهما) أنه حرام لظاهر الأحاديث و (الثاني) أنه مكروه ومما ورد في سؤال المحتاج ما رواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما المعطي من سعة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجا .



(العاشرة) قال والدي رحمه الله في . شرح الترمذي ورد التخصيص في السؤال في أربعة أماكن وهي أن يسأل سلطانا أو في أمر لا بد منه أو ذا رحم في حاجة أو الصالحين ، فأما السلطان فهو الذي بيده أموال المصالح .

وأما الأمر الذي لا بد منه فهو الحاجة التي لا بد منها ، وأما ذو الرحم فلما ورد في الصدقة على ذي الرحم من الفضل ولذهاب بعض العلماء إلى وجوب النفقة عليه مع وصف الفقر والعجز فرخص في سؤاله ، وأما سؤال الصالحين فهو في حديث ابن الفراسي أنه قال : أسأل يا رسول الله ؟ فقال لا ، وإن كنت سائلا ولا بد فسل الصالحين رواه أبو داود والنسائي ثم يحتمل أن يراد بالصالحين الصالحون من أرباب الأموال الذين لا يمنعون ما عليهم من الحق ، وقد لا يعلمون المستحق من غيره فإذا عرفوا بالسؤال المحتاج أعطوه مما عليهم من حقوق الله تعالى ويحتمل أن يراد بهم من [ ص: 80 ] يتبرك بدعائه وترجى إجابته إذا دعا الله له ويحتمل أن يراد الساعون في مصالح الخلق بسؤالهم لمن علموا استحقاقه ممن عليه حق فيعطيهم أرباب الأموال بوثوقهم بصلاحهم . قال والدي وحيث جاز السؤال فيجتنب فيه الإلحاف والسؤال بوجه الله تعالى ففي سنن أبي داود من حديث جابر مرفوعا لا يسأل بوجه الله إلا الجنة

قال ومع ذلك فينبغي إعطاؤه ما لم يسأل ممتنعا ، لما روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ما لم يسأل هجرا



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث