الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له

جزء التالي صفحة
السابق

وعن أبي سلمة أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقال البخاري : من صام رمضان وزاد أحمد في ذكر الصيام وما تأخر وإسناده حسن .

التالي السابق


الحديث الثالث عن أبي سلمة أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قام رمضان [ ص: 160 ] إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .

(فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه الشيخان من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وفي روايتهما من هذه الطريق من صام رمضان وإن كان المزي ذكر في الأطراف أن في رواية مسلم من هذه الطريق من قام رمضان فهو وهم ، وقد تبعه والدي رحمه الله على ذلك ، فقال في النسخة الكبرى من الأحكام ، وقال البخاري من صام رمضان انتهى . فاقتضى أن مسلما قال من قام رمضان كرواية المصنف وليس كذلك إلا أن يريد أنه قال ذلك من طريق أخرى ، وقد قال ذلك البخاري من طريق أخرى كما سأذكره والله أعلم ، وأخرجه البخاري وغيره من طريق سفيان ابن عيينة ومسلم وغيره من طريق معمر كلاهما عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ذكر البخاري الجملتين إلا أن لفظه من صام رمضان واقتصر مسلم على الأولى ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر ، ورواه البخاري من طريق عقيل عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرمضان من قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ورواه أحمد في مسنده من رواية حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه [ ص: 161 ] وما تأخر ، وقد ورد غفران ما تأخر من قيام ليلة القدر أيضا لكنه من حديث صحابي آخر وسأذكره بعد ذلك ، وأخرج الشيخان أيضا من طريق مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وفي صحيح مسلم أيضا من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا من يقم ليلة القدر فيوافقها أراه إيمانا واحتسابا غفر له .

(الثانية) قوله إيمانا أي تصديقا بأنه حق وطاعة ، وقوله واحتسابا أي طلبا لمرضاة الله تعالى وثوابه لا بقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص والاحتساب من الحسب وهو العد كالاعتداد من العد وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه ؛ لأن له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به .

(الثالثة) ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل كما في مطلق التهجد وبصلاة التراويح وراء الإمام كالمعتاد في ذلك وبصلاة العشاء والصبح في جماعة لحديث عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله رواه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ .

وأبو داود بلفظ من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة .

وكذا لفظ الترمذي ومن صلى العشاء والفجر في جماعة .

، ورواية مسلم في ذلك محمولة على روايتهما فمعنى قوله ومن صلى الصبح في جماعة أي مع كونه كان صلى العشاء في جماعة وكذلك جميع ما ذكرناه يأتي في تحصيل قيام ليلة القدر ، وقد روى الطبراني في معجمه الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى العشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر لكن في إسناده مسلمة بن علي وهو ضعيف .

، وذكره مالك في الموطإ بلاغا عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول من شهد العشاء من ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها ، وقال ابن عبد البر : مثل هذا لا يكون رأيا ولا يؤخذ إلا توقيفا ، ومراسيل [ ص: 162 ] سعيد أصح المراسيل انتهى .

وقال الشافعي رحمه الله في كتابه القديم من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها ولا يعرف له في الجديد ما يخالفه ، وقد ذكر النووي في شرح المهذب أن ما نص عليه في القديم ولم يتعرض له في الجديد بموافقة ولا بمخالفة فهو مذهبه بلا خلاف وإنما رجع من القديم عن قديم نص في الجديد على خلافه ، وروى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلى العشاء في جماعة وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله ؛ لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر فما الظن بما إذا كان ذلك فيها .

(الرابعة) قال النووي في شرح مسلم المراد بقيام رمضان صلاة التراويح واتفق العلماء على استحبابها واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردا في بيته أو في جماعة في المسجد ؟ فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم الأفضل صلاتها جماعة كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم واستمر عمل المسلمين عليه ؛ لأنه من الشعائر الظاهرة فأشبه صلاة العيد ، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم الأفضل فرادى في البيت لقوله صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة انتهى كلام النووي ، وقد عرفت أن قيام رمضان لا يختص بصلاة التراويح كما ذكرته ثم قال العراقيون والصيدلاني وغيرهم : هذا الخلاف فيمن يحفظ القرآن ولا يخالف الكسل عنها ولا يختل الجماعة في المسجد بتخلفه فإن فقد بعض هذا فالجماعة أفضل قطعا وأطلق جماعة من أصحابنا ثلاثة أوجه ثالثها هذا الفرق والله أعلم .

(الخامسة) قوله غفر له ما تقدم من ذنبه ظاهره تناوله الصغائر والكبائر وإلى ذلك جنح ابن المنذر ، فقال هو قول عام يرجى لمن قامها إيمانا واحتسابا أن يغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها ، وقال النووي في شرح مسلم المعروف عند الفقهاء أن هذا مختص بغفران الصغائر دون الكبائر قال بعضهم ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة ، وقال في شرح المهذب قال إمام الحرمين كل ما يرد [ ص: 163 ] في الأخبار من تكفير الذنوب فهو عندي محمول على الصغائر دون الموبقات قال النووي ، وقد ثبت في الصحيح ما يؤيده فمن ذلك حديث عثمان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة لما قبلها ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله رواه مسلم .

وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينها من الذنوب إذا اجتنبت الكبائر قال النووي ، وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان :

(أحدهما) تكفر الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر فإن كانت كبائر لم يكفر شيء لا الكبائر ولا الصغائر و (الثاني) وهو الأصح المختار أنه يكفر كل الذنوب الصغائر وتقديره تغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر قال القاضي عياض رحمه الله هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى .

(السادسة) في مسند أحمد ومعجم الطبراني الكبير عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فذكر الحديث ، وفيه فمن قامها ابتغاءها إيمانا واحتسابا ثم وفقت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن ، وفيه زيادة وما تأخر وقد يستشكل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب وهو كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة صيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب ، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية اختلف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة ، فقال بعضهم إذا ارتكب فيها معصية جعل الله تعالى صوم عرفة الماضي كفارة لها كما جعله مكفرا لما قبله في السنة الماضية ، وقال بعضهم معناه أن الله تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يحوجه إلى كفارة وأطلق الماوردي في الحاوي في السنتين معا تأويلين (أحدهما) أن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين .

(والثاني) أنه يعصمه في هاتين السنتين فلا يعصي فيهما ، وقال صاحب العدة في تكفير السنة الأخرى يحتمل [ ص: 164 ] معنيين .

(أحدهما) المراد السنة التي قبل هذه فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين و (الثاني) أنه أراد سنة ماضية وسنة مستقبلة قال وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفر الزمان المستقبل ، وإنما ذلك خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بنص القرآن العزيز ذكر ذلك كلهالنووي في شرح المهذب وهذا يأتي مثله هنا فيكون مغفرة ما تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب حتى لا يقع فيها وإما أن يراد به تكفيرها ولو وقع فيها ويكون المكفر متقدما على المكفر والله أعلم .

(السابعة) قوله من قام ليلة القدر مع قوله من قام رمضان قال النووي في شرح مسلم قد يقال إن أحدهما يغني عن الآخر (وجوابه) أن يقال قيام رمضان من غير موافقة ليلة القدر ومعرفتها سبب لغفران الذنوب وقيام ليلة القدر لمن وافقها وعرفها سبب للغفران وإن لم يقم غيرها (قلت) الأحسن عندي الجواب بأنه عليه الصلاة والسلام ذكر للغفران طريقين .

(أحدهما) يمكن تحصيلها يقينا إلا أنها طويلة شاقة وهي قيام شهر رمضان بكماله .

و (الثاني) لا سبيل إلى اليقين فيها إنما هو الظن والتخمين إلا أنها مختصرة قصيرة وهي قيام ليلة القدر خاصة ولا يتوقف حصول المغفرة بقيام ليلة القدر على معرفتها بل لو قامها غير عارف بها غفر له ما تقدم من ذنبه لكن بشرط أن يكون إنما قام بقصد ابتغائها ، وقد ورد اعتبار ذلك في حديث عبادة بن الصامت عند أحمد والطبراني مرفوعا فمن قامها ابتغاءها إيمانا واحتسابا ثم وفقت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (فإن قلت) قد اعتبر شرطا آخر وهو أن توفق له وكذا في صحيح مسلم في رواية من يقم ليلة القدر فيوافقها قال النووي في شرح مسلم معنى يوافقها يعلم أنها ليلة القدر (قلت) إنما معنى توفيقها له أو موافقته لها أن يكون الواقع أن تلك الليلة التي قامها بقصد ليلة القدر هي ليلة القدر في نفس الأمر وإن لم يعلم هو ذلك وما ذكره النووي من أن معنى الموافقة العلم بأنها ليلة القدر مردود وليس في اللفظ ما يقتضي هذا ولا المعنى يساعده .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث