الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث عائشة خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء

جزء التالي صفحة
السابق

باب التيمم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ؟ قالت فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن الحضير ، وهو أحد النقباء ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت عائشة فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته .

التالي السابق


باب التيمم

هو في اللغة القصد قال الأزهري يقال تيممت فلانا ويممته وأممته أي قصدته ، وأما في الشرع فهو القصد إلى الصعيد للطهارة به عند عدم الماء أو العجز الشرعي عن استعماله فيضرب عليه ثم يمسح به وجهه ثم يديه كذلك .

(الحديث الأول) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناس أبا بكر فقالوا ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله [ ص: 93 ] صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت : فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله تعالى آية التيمم فتيمموا قال أسيد بن الحضير ، وهو أحد النقباء : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر قالت عائشة : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته .

فيه فوائد (الأولى) هذا الحديث أخرجه الستة خلا الترمذي فأخرجه الشيخان ، والنسائي من طريق مالك ، والبخاري وحده من رواية عمرو بن الحارث كلاهما عن عبد الرحمن بن القسم ورواه الستة خلا الترمذي من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .

(الثانية) فيه جواز مسافرة الرجل بزوجته .

وقال ابن عبد البر فيه خروج النساء مع الرجال في الأسفار قال وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح إذا كان العسكر كثيرا تؤمن عليه الغلبة وفي الصحيح من حديث أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى .

(الثالثة) يشترط لجواز خروج الرجل [ ص: 94 ] بزوجته في سفر أن لا يكون له زوجة حرة غيرها فإن كانت له زوجة أخرى فأكثر فإنما يجوز تخصيص بعضهن بالخروج بالقرعة لما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها .

الحديث فقول عائشة خرجنا هل أرادت نفسها فقط مع جملة الناس أو أرادت نفسها وبعض زوجاته صلى الله عليه وسلم يحتمل كلا من الأمرين فإن كانت هذه السفرة في غزوة بني المصطلق وهي المريسيع كما قيل على ما سيأتي في الفائدة التي تليها فقد خرج معه فيها بعائشة وأم سلمة كما هو معروف في السير .

(الرابعة) وقول عائشة في بعض أسفاره لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث تعيين هذا السفر الذي أبهمته ، وقد ذكر ابن دقيق العيد أن ذلك كان في غزاة المريسيع فإن مشروعية التيمم كانت فيها وفيما قاله نظر فإن غزاة المريسيع كانت من ناحية مكة بين قديد وساحل البحر ، وهذه السفرة كانت من ناحية خيبر بدليل قوله في بقية الحديث حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش وهما بين المدينة وخيبر كما سيأتي بعد هذا على أنه قد اختلفت الأحاديث في تعيين المكان الذي ضاع فيه العقد كما سيأتي .

وكان ابن دقيق العيد قلد فيما ذكره ابن محمد بن سعد فإنه كذلك قال في الطبقات جازما به وذكره ابن عبد البر في التمهيد أيضا لا على طريق الجزم بل قال يقال إنه كان في غزاة بني المصطلق وكأنه أيضا عنى عن ابن سعد .

ولقد أحسن ابن عبد البر حيث إنه لم يجزم به كما جزم ابن سعد ، وقد ورد التصريح بأن ذلك كان في غزاة أخرى بعد المريسيع كما رويناه في المعجم الكبير للطبراني من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت لما كان من أمر عقدي ما كان قال أهل الإفك ما قالوا فخرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس وطلع الفجر فلقيت ما شاء الله . وقال لي أبو بكر يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء وليس مع الناس ماء فأنزل الله الرخصة بالتيمم فقال أبو بكر والله يا بنية إنك كما علمت مباركة .

ففي هذا الحديث أن نزول التيمم متأخر عن المريسيع وكان من ذكره فيها وهل من عقدها الذي سقط منها في قصة الإفك فإنه كان في [ ص: 95 ] المريسيع إلى سقوط عقدها في قصة التيمم والله أعلم .

(الخامسة) قولها حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش هكذا اتفق عليه رواة الموطإ عن مالك أو بذات الجيش على الشك وكأنه من أحد الرواة عن عائشة ويحتمل أن عائشة ترددت في أي موضع سقط عقدها وفيه بعد ، والبيداء ممدود .

وهو بفتح الباء الموحدة وذات الجيش بالجيم ، والمثناة من تحت وآخره شين معجمة قال القرطبي : هما موضعان قريبان من المدينة وقال النووي هما موضعان بين المدينة وخيبر قلت : والبيداء عدة مواضع منها بيداء ذي الحليفة التي قال فيها ابن عمر بيداؤكم التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يترجح في هذا الحديث أنه كان بذات الجيش فإن عمار بن ياسر قد رواه فقال فيه بأولات الجيش لم يشك بينه وبين البيداء كما سيأتي في الفائدة بعدها فهو أولى ، وقد رواه عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم فذكر أنه بالبيداء لم يشك ، وهو عند البخاري والله أعلم .



(السادسة) اختلفت طرق الحديث في تعيين المكان الذي ضاع فيه العقد فقال مالك ما تقدم ورواه هشام بن عروة عن أبيه فاختلف عليه فيه فأكثر الرواة عنه لم يذكروا المكان ، وهو الموجود في الكتب الخمسة المتقدمة ورواه سفيان بن عيينة عنه فقال فيه : إنها سقطت قلادتها ليلة الأبواء كذا رواه الحميدي في مسند سفيان ورواه علي بن مسهر عن هشام فقال : وكان هذا المكان يقال له الصلصل رواه ابن عبد البر في التمهيد .

ورواه حماد بن سلمة عن هشام فقال فيه فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين إلى المعرس يلتمسان القلادة فأما حديث سفيان فهو مخالف لحديث مالك ؛ لأن الأبواء جبل بين مكة ، والمدينة ، وأما رواية علي بن مسهر فيجوز أن يكون صلصل في جهة ذات الجيش .

وأما رواية حماد بن سلمة فليس فيها مخالفة ؛ لأنه لم يرد بالمعرس مكان معروف ، وإنما أريد المكان الذي عرسوا فيه فإنه قال في أول حديثه فعرسوا ، وكذا في حديث عمار بن ياسر الآتي ورواية مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أصح وأثبت ويشهد لها حديث عمار بن ياسر قال عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته فانقطع عقدها من جزع ظفار فحبس الناس في ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر الحديث رواه أبو داود ، والنسائي بإسناد جيد وقال [ ص: 96 ] ابن عبد البر وليس اختلاف النقلة في الموضع الذي سقط ذلك فيه ما يوهن شيئا من الحديث ؛ لأن المعنى المراد من الحديث هو نزول آية التيمم ولم يختلفوا في ذلك .

(السابعة) قولها انقطع عقد لي العقد بكسر العين هو كل ما يعقد ويعلق في العنق وهكذا عند مالك أن العقد لعائشة وفي الصحيحين في هذا الحديث من رواية هشام بن عروة عن أبيه عنها أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ، وقد جعل ابن عبد البر ذلك اختلافا في الحديث وقال ليس اختلاف النقلة في العقد ، والقلادة ولا في قول القاسم عن عائشة عقد لي وقول هشام إن القلادة استعارتها من أسماء ما يوهن شيئا من الحديث ؛ لأن المعنى المراد من الحديث نزول آية التيمم ولم يختلف في ذلك انتهى ولم يجعله النووي اختلافا بل قال إنه يسمى عقدا ويسمى قلادة وفي رواية للقاسم عند البخاري تسميتها قلادة أيضا .

وكذا قال النووي وأنه لا مخالفة بين نسبته لعائشة وكونها استعارته من أسماء فهو في الحقيقة ملك لأسماء وأضافته إلى نفسها لكونه في يدها وكذلك قال القرطبي أضافته لنفسها ؛ لأنه في حوزها .

(الثامنة) فيه جواز اتخاذ النساء القلائد وفي حديث عمار أنه كان من جزع ظفار ، والجزع خرز يمان وظفار مدينة لحمير باليمن مبنية على الكسر كعظام وذكر ابن بطال أنه ورد في حديث أنه كان قيمته اثنا عشر درهما .



(التاسعة) فيه اعتناء الإمام ، والأمير بحفظ حقوق المسلمين وإن قلت وإقامته بالركب لتحصيل ضائع ولحاق منقطع ودفن ميت ونحو ذلك من مصالح الرعية .

(العاشرة) قال المهلب بن أبي صفرة : فيه النهي عن إضاعة المال .



(الحادية عشر) فيه جواز سلوك الطريق التي ليس فيها ماء قاله ابن عبد البر ، وهو مسلم فيما لم يكن فيها ماء للطهارة لجواز رجوعه إلى بدله ، وهو التيمم أما إذا لم يكن فيها ماء مطلقا لا لشرب ولا لغيره ولم يحمل معه ماء لذلك فيحتمل أن يقال لا يجوز ؛ لأنه ألقى بنفسه إلى التهلكة ويحتمل أن يقال بالجواز لجواز إرسال المطر وغيره ماء يكفيه لشربه والله أعلم .



(الثانية عشر) فيه جواز الإقامة في موضع لا ماء فيه وإن احتاج إلى التيمم .

(الثالثة عشر) فيه شكوى المرأة إلى ابنها وإن كان لها زوج .

(الرابعة عشر) فيه نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه من قولهم [ ص: 97 ] أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس أي إن إضاعتها للعقد كان سببا لذلك فذهب إليها كقوله لعن الله الرجل يسب والديه وفسره بأنه يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه .



(الخامسة عشر) فيه جواز دخول الرجل على ابنته المتزوجة وإن كان زوجها عندها إذا لم يكن مختليا بها لحاجته ، وهو كذلك .



(السادسة عشر) فيه تأديب الرجل ولده بالقول ، والفعل ، والضرب وإن كان بالغا أو امرأة كبيرة متزوجة ، وهو كذلك .

(السابعة عشر) قولها وجعل يطعن هو بضم العين وكذلك جميع ما هو طعن حسي كالطعن بالرمح ، وأما الطعن المعنوي كالطعن في النسب ونحوه فهو يطعن بفتح العين هذا هو المشهور فيهما وقيل هي لغتان في كل من الأمرين ، والخاصرة في الجنب ، وهو المكان الداخل الخالي من العظام بين الأضلاع وبين عظم الوسط .



(الثامنة عشر) فيه أنه لا بأس أن ينام الرجل على فخذ امرأته ولكن ، هل هو من باب الاستمتاع فيكون حقا للرجل تجبر عليه امرأة كسائر وجوه الاستمتاعات أو هو من باب الاستخدام فلا تجبر عليه المرأة بل هي مخيرة في ذلك ؟ الظاهر أنه من الاستخدام .



(التاسعة عشر) فيه استحباب الصبر ، والثبات عن الحركة لمن ناله ما يقتضي حركته إذا كان تحريكه يحصل به التشويش لغيره من نائم أو مصل أو مشتغل بعلم ؛ لأن عائشة منعها من التحرك خشية استيقاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(الفائدة العشرون) فيه أنه لا ينبغي إيقاظ النائم من نومه لما فيه من التشويش عليه ؛ لأنه إذا احتمل الأذى فامتنع عن التحرك خوف استيقاظه فأولى أن يباشر استيقاظه ، وهو كذلك ما لم يكن قد ضاق وقت الصلاة في حق آحاد الأمة فإنه ينبهه من حضر كما قاله النووي في شرح مسلم أما النبي صلى الله عليه وسلم فلا يوقظ بحال لقوله في حديث أبي قتادة الصحيح عند مسلم فإذا كنت نائما فلا توقظوني الحديث وذلك والله أعلم ؛ لأنه ربما كان يوحى إليه في نومه فيقطع الإيقاظ ذلك بخلاف غيره .



(الحادية والعشرون) في قولها فنام حتى أصبح أنه لا ضير ولا مبالاة في النوم إلى وقت الصبح وترك التهجد من الليل إذا كان ذلك عن غلبة نوم خصوصا في السفر الذي خففت فيه الفرائض بالقصر ولذلك قال ابن عمر : لو كنت مسبحا أي متطوعا لأتممت صلاتي فأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في رجل نام حتى أصبح : ذلك بال [ ص: 98 ] الشيطان في أذنه فهو محمول على من قصد ذلك وأمكنه أن يقوم من الليل فترك ذلك تكاسلا .

كما قال لعبد الله بن عمر في الحديث الصحيح لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل ويحتمل أن يكون قوله في هذا الحديث حتى أصبح ليس لبيان غاية النوم إلى الصباح بل لبيان غاية فقد الماء إلى الصباح ؛ لأنه لم يطلق قوله حتى أصبح بل قيده بقوله حتى أصبح على غير ماء أي حتى آل أمره أن أصبح على غير ماء ؛ لأن إثبات الفعل على وصف أو حال دون الإثبات المطلق .



(الثانية والعشرون) قول عائشة فأنزل الله آية التيمم هل المراد آية المائدة أو آية النساء ؟ جوز ابن عبد البر في التمهيد كلا من الأمرين فقال وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة أو الآية التي في سورة النساء قال ليس التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين إلى آخر كلامه وإنما تردد ابن عبد البر في المراد من الاثنين ؛ لأنه ليس في رواية مالك تعيين إحداهما .

والصواب أن المراد آية المائدة ما ثبت ذلك في صحيح البخاري من رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم فقال فيها فنزلت يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة الآية فتعين أن المراد آية المائدة .

(الثالثة والعشرون) فإن قيل ليس في القرآن ذكر الوضوء ، والطهور إلا في هاتين الآيتين اللتين ذكر فيهما التيمم ففي أي موضع ذكر الوضوء قبل التيمم حتى إنهم أمروا بالوضوء عند عدم الماء.

وأجاب ابن عبد البر بأن فرض الوضوء ، والغسل كان واجبا عليهم قبل ذلك معلوما عندهم قال وإنما نزلت ليكون فرضها المتقدم متلوا في التنزيل قال وفي قوله ليسوا على ماء وليس معهم ماء .

دليل على أن الوضوء قد كان لازما لهم قبل نزول آية الوضوء وأنهم لم يكونوا يصلون إلا بوضوء قبل نزول الآية ؛ لأن قوله فأنزل الله آية التيمم وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة أو الآية المذكورة في سورة النساء ليس التيمم مذكورا في هاتين الآيتين وهما مدنيتان ، والآية ليست بالكلمة ولا الكلمتين وإنما هي الكلام المجتمع الدال على الإعجاز الجامع لمعنى مستفاد قائم بنفسه .

ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء كما هو معلوم عند جميع أهل السير أن النبي صلى الله عليه وسلم منذ أن افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء [ ص: 99 ] مثل وضوئنا اليوم ، وهذا ما لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند قال وفي قوله فنزلت آية التيمم ولم يقل آية الوضوء ما يبين أن الذي طرأ لهم من العلم في ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء والله أعلم انتهى ما ذكره عن أهل السير ذكره ابن إسحاق بغير إسناد .

وقد وصله الحارث بن أبي أسامة في مسنده من رواية ابن لهيعة عن عقيل بن خالد عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد عن أبيه زيد بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه .

والحديث عند ابن ماجه لكن دون قوله : إن ذلك كان في أول ما أوحي إليه والله أعلم .



(الرابعة ، والعشرون) وقولها فأنزل الله آية التيمم فتيمموا فهل قولها فتيمموا خبر عن الصحابة أنه لما نزلت الآية تيمموا أو هو بيان لآية التيمم وحكاية لبعضها أرادت قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا ؟ يحتمل كلا من الأمرين .

(الخامسة والعشرون) الآية دالة على وجوب النية في التيمم كما قاله بعضهم إن التيمم القصد وفيه حجة على الأوزاعي حيث لم يوجب النية في التيمم وأوجبها الأئمة الأربعة ، وقد تقدم ذلك في حديث الأعمال بالنيات .



(السادسة والعشرون) استدل بالآية على أنه يجب نقل التراب إلى الوجه ، واليدين وأنه لا يكفي أن يقف في مهب الريح وينوي فيسفي الريح التراب على وجهه ويديه بخلاف الوضوء والغسل فإنه لو وقف في المطر أو تحت ميزاب ونحوه ونوى حصل الوضوء والغسل وفي الاستدلال بالآية نظر ولقائل أن يقول من تعرض لهبوب التراب على أعضاء التيمم مع القصد فقد قصد الصعيد الطيب وذهب المالكية إلى وجوب نقل الماء إلى الوجه في الوضوء دون بقية الأعضاء ، وهو تحكم .



(السابعة ، والعشرون) دلت الآية على تعين الصعيد الطيب للتيمم ، وقد اختلفوا في المراد بالصعيد فقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري ومحمد بن جرير الطبري : الصعيد وجه الأرض وقالوا الصعيد كل ما صعد على وجه الأرض من تراب وحجر ورمل وحصا ونورة وزرنيخ وجص ورخام واحتجوا لقوله تعالى فتصبح صعيدا زلقا لقوله تعالى وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا [ ص: 100 ] قالوا وهي الأرض الغليظة التي لا تنبت شيئا .

وذهب أكثر الفقهاء ومنهم الشافعي وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وابن المنذر وداود الظاهري إلى أن الصعيد هو التراب فقط دون سائر أجزاء الأرض وروي ذلك عن ابن عباس أنه قال : الصعيد الحرث حرث الأرض رواه البيهقي في سننه ويدل له أيضا حديث حذيفة عند مسلم وجعلت تربتها لنا طهورا وفي رواية للبيهقي ترابها وسيأتي بعد هذا في الحديث الذي يليه إن شاء الله تعالى .



(الثامنة والعشرون) لم يقع في حديث عائشة هذا كيفية التيمم ، وقد ذكره عمار بن ياسر في روايته لهذه القصة كما رواه أبو داود ، والنسائي من رواية ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء فتغيظ عليها أبو بكر . وقال حبست الناس وليس معهم ماء فأنزل الله تعالى ذكره على رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب فقام المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربوا بأيديهم إلى الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئا فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطون أيديهم إلى الآباط . قال أبو داود وكذلك رواه ابن إسحاق وذكر ضربتين كما ذكر يونس ورواه معمر عن الزهري ضربتين قال ولم يذكر أحد منهم ضربتين إلى من سميت (قلت) وهكذا ذكر فيه أيضا ضربتين ابن أبي ذؤيب إلا أن ابن أبي ذؤيب ويونس ومعمرا لم يذكروا فيه ابن عباس كما ذكره صالح وابن عباس ولم يقولوا عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه كما قال مالك وإنما جعلوه من رواية عبيد الله عن عمار . ا هـ .

فاحتج الأكثرون بهذا على وجوب ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين ، وهو قول سفيان الثوري والليث وأبي حنيفة ومالك والشافعي وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب وابن عمر ومن التابعين سالم بن عبد الله والشعبي والحسن البصري وقال أكثر أهل الحديث : الواجب ضربة واحدة لهما ، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن المنذر وتفرد ابن سيرين باشتراط ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة [ ص: 101 ] للكفين وضربة للذراع .

وتفرد الزهري أيضا باشتراط بلوغ المنكبين بالمسح لظاهر حديث عمار وحكى الخطابي اتفاق العلماء على أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين وذهب مالك إلى أن الواجب مسح الكفين فقط وأن ما زاد إلى المرفقين سنة ، وممن ذهب إلى أن الفرض في اليدين مسح الكفين فقط أحمد وإسحاق وابن جرير وداود وقال ابن عبد البر .

وهو أثبت ما روي من ذلك في حديث عمار وحديث عمار في الضربتين كان في هذه القصة حين نزول آية التيمم ، وقد رواه عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التيمم فأمرني ضربة واحدة في الوجه والكفين .

قال ابن عبد البر وسؤاله كان بعد ذلك واستدل على ذلك بقصة عمار في تمعكه في التراب حين أجنب وقول النبي صلى الله عليه وسلم كان يكفيك التيمم ضربة للوجه ، واليدين .

قال ابن عبد البر : وكل ما يروى في هذا عن عمار فمضطرب مختلف فيه ولكن الأكثرين على وجوب دخول المرفقين في التيمم ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والثوري والليث وابن عبد الحكم وإسماعيل القاضي وشذ ابن أبي ليلى والحسن بن حيي في اشتراطهما أن يمسح بكل من الضربتين وجهه وذراعيه ومرفقيه ، ومما احتج به الجمهور على بلوغ المرفقين في التيمم ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أنه تيمم إلى المرفقين . ورفعه بعض الرواة عن نافع

قال ابن عبد البر لما اختلفت الآثار في كيفية التيمم وتعارضت كان الواجب في ذلك الرجوع إلى ظاهر الكتاب ، وهو يدل على ضربتين ؛ للوجه ضربة ولليدين أخرى إلى المرفقين قياسا على الوضوء واتباعا لفعل ابن عمر فإنه لا يدفع علمه بكتاب الله ولو ثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لوجب الوقوف عنده .

وقال في موضع آخر : ومن فضل الله ونعمته أن نص على حكم الوضوء وهيئته بالماء ثم أخبر بحكم التيمم عند عدم الماء وقال أيضا بعد ذلك لما قال الله عز وجل في آية الوضوء : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم

وأجمعوا أن ذلك ليس في غسلة واحدة وأن غسل الوجه غير غسل اليدين فلذلك يجب أن تكون الضربة في التيمم للوجه غير الضربة لليدين قياسا إلا أن يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك فيسلم له قال : وكذلك البلوغ إلى المرفقين قياسا على الوضوء إن لم يثبت خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم .



(التاسعة [ ص: 102 ] والعشرون) استدل بآية التيمم التي في المائدة على أنه يجب التيمم لكل صلاة وأنه لا يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة واحدة ؛ وذلك لأن الله تعالى أوجب على المكلف عند القيام إلى الصلاة أن يتوضأ وأوجب التيمم عند العجز عن استعمال الماء وعند عدمه وذلك يقتضي وجوب الوضوء أو التيمم عند عدم الوضوء لكل صلاة وخرج الوضوء بالحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في يوم الفتح صلوات بوضوء واحد ولم ينقل أنه صلى صلاتين بتيمم واحد فبقي التيمم على الأصل حتى يدل دليل واضح على ذلك .

وهو قول مالك بن أنس والشافعي في الجديد وأكثر أهل العلم بل زاد مالك على هذا فقال : إنه لا يصلي بتيمم واحد فريضة ونافلة إلا نافلة تكون بعدها فلو صلى بتيممه ركعتي الفجر أعاد التيمم للصبح وذهب أبو حنيفة والثوري والليث وداود إلى أنه يصلي بتيمم واحد ما شاء من الفرائض ، والنوافل ما لم يحدث أو يجد فاقد الماء الماء والله أعلم .



(الفائدة الثلاثون) استدل بالآية أيضا على أنه لا يصح التيمم لفرض إلا بعد دخول وقته لقوله إذا قمتم إلى الصلاة واغتفر تجويز تقديم الوضوء على الوقت ؛ لأنه لا يبطله رؤية ماء يتوضأ به ، بخلاف التيمم فإن رؤية الماء تبطله اتفاقا ، وإنما هو رخصة عند إرادة الصلاة فلا يتقدم عن وقته وما ذكر من هذا الحكم مجمع عليه .

كما حكاه ابن عبد البر أنه لا يتيمم لفريضة قبل دخول وقتها وهذا مما احتج به على أنه لا يصلي بتيمم أكثر من فريضة ؛ لأنه إذا صلى به فريضة ثم دخل وقت فريضة فإن تيممه متقدم عليها ولا يرد جمع الصلاة في السفر كون الفريضتين تصليان في وقت واحد فهذا وقت الضرورة وليس بوقت أصلي لإحدى الصلاتين نعم التيمم للحاضرة وللفائتة لا يصح مع كون الوقت لكل منهما إلا أن يقال ليس هو وقتا أصليا للفائتة والله أعلم .



(الحادية والثلاثون) استدل بعض المالكية بهذا الحديث على أن من عدم الماء والتراب حتى خرج الوقت أنه لا يصلي ولا إعادة عليه وقال ابن خويز منداد : إنه الصحيح من مذهب مالك قال ابن عبد البر : ما أعرف كيف أقدم على أن جعل هذا هو الصحيح من المذهب مع خلافه جمهور السلف [ ص: 103 ] وعامة الفقهاء وجماعة المالكية .

قال : وأظنه ذهب إلى ظاهر قوله : وليسوا على ماء فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح وهم على غير ماء فأنزل الله آية التيمم ولم يذكروا أنهم صلوا قال وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه لم يذكروا أنهم لم يصلوا قال : وقد ذكر هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير وضوء ولم يذكروا إعادة .

وفي المسألة أربعة أقوال أخر وهي أقوال للشافعي أيضا أصحها عند أصحابه وجوب الصلاة لحرمة الوقت ووجوب الإعادة إذا قدر على أحدهما مما يسقط عنه القضاء ، والثاني أنها لا تجب في الوقت ولكن تستحب ويجب القضاء سواء صلى أو لم يصل ، والثالث تحرم الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلاة بغير طهور وتجب الإعادة ، والرابع تجب الصلاة ولا تجب الإعادة ، وهو اختيار المزني قال أبو ثور : وهو القياس وحكاه ابن عبد البر عن طائفة من الفقهاء وقال النووي : إنه أقوى الأقوال دليلا قال ويعضده هذا الحديث أي الرواية التي فيها أنهم صلوا بغير وضوء قبل نزول التيمم ، ولم ينقل أنهم أمرهم بالإعادة ، وإنما يجب القضاء بأمر جديد قال وللقائلين بوجوب الإعادة أن يجيبوا بأن الإعادة ليست على الفور ويجوز التأخير إلى وقت الحاجة .



(الثانية والثلاثون) استدل بقوله في الآية وإن كنتم جنبا فاطهروا على أن الجنب لا يستبيح الصلاة بالتيمم وكذلك في آية النساء ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وحكي عن إبراهيم النخعي فلم يروا الجنب داخلا في المراد بقوله : وإن كنتم مرضى أو على سفر .

قال ابن عبد البر : وذلك جائز من التأويل في الآية لولا ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تيمم الجنب في حديث عمران بن حصين وعمار بن ياسر وأبي ذر قال : ولم يتعلق بقول عمر وعبد الله في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي ، وحملة الآثار لا يختلفون في ذلك قال النووي : وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عن ذلك قال : وأجمع أهل هذه الأعصار ومن قبلهم على جوازه للجنب ، والحائض ، والنفساء ولم يخالف فيه أحد من الخلف .

(قلت) : وتأويل الآية على ما ذهب إليه عمر وعبد الله ليس بلازم ولا واضح ؛ لأن الله تعالى ذكر غسل أعضاء الوضوء أيضا ثم ذكر طهارة الجنب ثم قال وإن كنتم مرضى أو على سفر [ ص: 104 ] فسواء فيه من عليه الوضوء ومن عليه الغسل .



(الثالثة ، والثلاثون) دلت آية التيمم على أنه يكون عن الوضوء وعن الجنابة أيضا كما ذكر فمن أباح التيمم عن النجاسة على البدن ، وهو أحمد ليس له حجة من الآية ولم يرد أيضا في السنة ما يدل على التيمم عن النجاسة وخالفه الجمهور وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم في ذلك .

وحكى ابن المنذر عن الثوري والأوزاعي وأبي ثور أنه يمسح موضع النجاسة بالتراب ويصلي ، وهذا ليس بتيمم ، وكأنهم أخذوا ذلك من حديث مسح النعل من الأذى وأجاب الجمهور بأنه ليس المراد بالأذى النجاسة ، وإنما المراد ما يستقذر وعلى تقدير أن تراد النجاسة فلا يلزم من العفو في النعل والخف العفو في محل آخر من البدن والله أعلم .



(الرابعة والثلاثون) فيه فضيلة عائشة وبركتها وتكرار ذلك كما شهد به أسيد بن الحضير الذي شهد الوحي ، والتنزيل بسببها وأنها ليست بأول بركة لآل أبي بكر وفي رواية للبخاري فقال أسيد : لقد بارك الله للناس فيكم ما أنتم إلا بركة لهم .

وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : إن أسيدا قال فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا وعند مسلم إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة والطبراني إن أبا بكر قال لها : والله يا بنية إنك لما علمت مباركة .

(الخامسة والثلاثون) قول عائشة : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته وفي رواية للبخاري فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها وفي رواية لمسلم فبعث ناسا من أصحابه في طلبها ولأبي داود بعث أسيد بن حضير وأنسا معه فما وجه الجمع بين هذه الروايات ، والقصة واحدة ؟ قال النووي قال العلماء المبعوث أسيد بن حضير وأتباع له فذهبوا فلم يجدوا شيئا ثم وجدها أسيد بعد رجوعه تحت البعير والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث