الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث ذروني ما تركتكم

جزء التالي صفحة
السابق

وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بالأمر فائتمروا ما استطعتم وقال الشيخان : فأتوا منه ما استطعتم ، استدل بهذا اللفظ على أن من وجد بعض ما يكفيه من الماء للطهارة فيجب استعماله والله أعلم .

التالي السابق


(الحديث الثالث) عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فائتمروا ما استطعتم .

وقال الشيخان فأتوا منه ما استطعتم فيه فوائد : (الأولى) أخرج هذا الحديث الشيخان ، والترمذي ، والنسائي فرواه مسلم من رواية همام وابن المسيب وأبي سلمة ومحمد بن زياد وأبي صالح السمان كلهم عن أبي هريرة واتفق عليه الشيخان من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وأخرجه الترمذي من رواية أبي صالح عنه وأخرجه النسائي من رواية محمد بن زياد عنه .

(الثانية) قوله : ذروني أي اتركوني ، وقد أميت من هذا الفعل الماضي ، والمصدر فلا يقال [ ص: 116 ] وذره ولا وذرا ؛ ولهذا قال ما تركتكم ولم يقل ما وذرتكم ، وهو كقوله في رواية البخاري : دعوني إلا أن دع قد استعمل فيه الماضي على قلة وقرئ به في الشاذ قوله تعالى ما ودعك ربك بالتخفيف (الثالثة) فيه نهيه صلى الله عليه وسلم أصحابه عن سؤاله عما سكت عنه .

وفي حديث آخر رواه الدارقطني وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تسألوا عنها الحديث ؛ وذلك لأن السؤال ربما كان سبب التحريم أو الوجوب كما ثبت في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته . وفي رواية لمسلم أن سبب ذلك أن رجلا سأل عن شيء ونفر عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك وثبت في التنزيل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وليس فيه نهي مطلق عن السؤال وإنما فيه النهي عما هو بهذه الصفة ولكن قد أطلق أنس النهي فيما رواه مسلم في صحيحه قال : نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء . الحديث وفي الصحيحين أيضا من حديثه أيضا أن عبد الله بن حذافة سأل رسول الله : صلى الله عليه وسلم من أبي قال : أبوك حذافة فنزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم .

ولهما من حديث أبي موسى قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها فلما أكثر عليه غضب ثم قال للناس : سلوني عم شئتم فقال رجل من أبي ؟ قال أبوك حذافة فقام آخر فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك سالم مولى شيبة فلما رأى عمر ما في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب قال : يا رسول الله إنا نتوب إلى الله .

وقد روى ابن عباس سبب نزول الآية فقيده ولم يعم كما رواه البخاري في صحيحه بسنده إليه قال : كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل من أبي ويقول الرجل تضل ناقته أين ناقتي فأنزل الله فيهم هذه الآية .

وقيل : إن سبب نزول هذه الآية سؤالهم عن الحج أيجب في كل عام كما رواه الترمذي وابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب قال : لما نزلت ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قالوا : يا رسول الله أفي كل عام فسكت فقالوا : يا رسول الله في كل عام ؟ قال : لا ولو قلت نعم لوجبت فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم . وقال الترمذي [ ص: 117 ] في التفسير : إنه حسن غريب وفي بعض النسخ في كتاب الحج نقلا عن البخاري أنه حديث حسن إلا أنه مرسل وأبو البختري لم يدرك عليا (الرابعة) السبب في قوله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث سؤالهم عن الحج أيضا هل يجب كل سنة كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه . ولأبي داود ، والنسائي وابن ماجه ، والحاكم وصححه أن الذي سأل عن ذلك الأقرع بن حابس ولم يذكر نزول الآية ولا حديث الباب والله أعلم .



(الخامسة) المراد من قوله : ذروني ما تركتكم النهي عن السؤال أو كثرة السؤال ، والنهي عن الاختلاف عليه بدليل قوله : فإنما هلك الذين من قبلكم بكذا ، وكذا فذكر في التعليل الأمرين معا وفي رواية مسلم بكثرة سؤالهم وفي رواية له كثرة سؤالهم ، وقد يدل هذا على أن المنهي عنه كثرة السؤال لا مطلقه ، وكذلك في حديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه أنه نهى عن كثرة السؤال الحديث .



(السادسة) في قوله : فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه حجة لمن قال : لا يجوز التداوي بشرب الخمر ولا بشيء محرم ، وهو كذلك على الصحيح عند أصحابنا ، وكذلك شربه لدفع العطش لا يجوز أيضا على الصحيح ، وقد روى مسلم من حديث وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهى وكره أن يصنعها فقال : إنما أصنعها للدواء فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء وقال أبو داود ، والترمذي طارق بن سويد أو سويد بن طارق وصححه الترمذي ورواه ابن ماجه فجعله من حديث طارق بن سويد ولم يشك فيه .

ولأبي داود أيضا في حديث أبي الدرداء فتداووا ولا تتداووا بحرام .



(السابعة) قد يستدل به أيضا من قال : إنه لا تجوز إساغة اللقمة بالخمر لمن غص ولم يجد ماء ولا شرابا حلالا يسيغها به ، وهو وجه لبعض أصحابنا ولكن المذهب جوازه حفظا للنفس كما يجوز أكل الميتة للمضطر لحفظ النفس بخلاف التداوي بها لنفيه صلى الله عليه وسلم الدواء [ ص: 118 ] عنها كما ثبت في صحيح مسلم كما تقدم والله أعلم .



(الثامنة) استدل أيضا من ذهب إلى أن الإكراه على ارتكاب المعصية لا يبيحها وأحال بعض أصحابنا الإكراه على الزنا ؛ لأن الشهوة إليه هي الداعية لا الإكراه فلو لم تحضر الشهوة الداعية لما تصور ، والصحيح أن الإكراه على المعصية مسقط للإثم عن المكره ومسقط للحد أيضا ، وقد ثبت في نص القرآن أن الإكراه على كلمة الكفر لا يضر في قوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فإذا لم يضر ذلك في الكفر فأولى أن لا يضر في المعاصي والله أعلم .



(التاسعة) فيه أن العجز عن الواجب أو عن بعضه مسقط للمعجوز عنه وأن الله تعالى لم يكلف إلا ما دخل تحت الطاقة لقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلا أن المعجوز عنه إن كان له بدل فأتى به كالعجز عن القيام في الصلاة مثلا إذا انتقل المكلف إلى الصلاة قاعدا أو على جنب فقد أتى بما عليه وإن عجز عن أصل العبادة فلم يأت بها كالمريض يعجز عن الصيام فإنه يجب القضاء ، وإنما سقط عنه المباشرة حالة العجز ، وقد يكون الواجب منوطا بالقدرة عليه حالة الوجوب فقط ، فإذا عجز عنه سقط رأسا كزكاة الفطر لمن عجز عن قوته وقوت عياله يومئذ بخلاف الكفارات ، والديون فإنها تثبت في الذمة إلى وقت القدرة عليها والله أعلم .



(العاشرة) استدل برواية الشيخين في هذا الحديث وهي قوله : فأتوا منه ما استطعتم أن المحدث إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أنه يجب استعماله سواء الحدث الأكبر ، والأصغر ؛ لأنه قادر على بعض المأمور به ، وهو القول الجديد للشافعي ، والأصح كما قال الرافعي كما لو قدر على ستر بعض العورة فإنه يجب قطعا وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يجب ؛ لأنه عاجز عن كمال الطهارة بالماء فانتقل إلى بدله ، وهو التراب ، وهو القول القديم للشافعي واختاره المزني .

وأما إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء ولم يجد التراب فأظهر الطريقين كما قال الرافعي : إنه يجب استعمال البعض لا محالة ؛ لأنه لا بدل ينتقل إليه فصار كالعريان يجد بعض السترة ، والطريق الثاني طرد القولين .



(الحادية عشر) محل الخلاف في وجود بعض ما يكفيه من الماء للطهارة هو ما إذا كان الموجود يصلح للغسل فأما إذا كان يصلح للمسح فقط بأن كان ثلجا أو بردا لا يذوب فالأظهر كما قال الرافعي : إنه لا يجب على المحدث [ ص: 119 ] استعماله في مسح الرأس بل يكفيه التيمم ؛ لأنا حيث أوجبنا استعمال البعض أوجبنا تقديمه على التيمم لئلا يتيمم مع وجود الماء وهنا لا يمكن الابتداء بمسح الرأس مع بقاء فرض الوجه ، واليدين وفيه طريق آخر لأصحابنا أنه على القولين في وجوب استعماله فعلى هذا يبدأ بماذا ؟

حكى الرافعي عن أبي العباس الجرجاني أنه يتيمم على الوجه ، واليدين ثم يمسح رأسه ببلل الثلج ثم يتيمم للرجلين وذكر النووي في شرح المهذب أن الأقوى دليلا التسوية بين أن يقدم التيمم أو المسح والله تعالى أعلم .



(الثانية عشر) محل وجوب الإتيان بالمقدور عليه من الواجب هو ما إذا كان المأتي به من القرب يتجزأ ، فأما إذا كان لا يتجزأ كاليوم الواحد في الصوم ، فإنه لا يجب الإتيان بالمقدور عليه منه ؛ لأنه لا يتجزأ ، وإذا فسد بعضه فسد كله بخلاف الاعتكاف ونحوه .

وأما القدرة على عتق بعض الرقبة في الكفارة فصرح أصحابنا بأنه لا تجب ، وإن عجز عن الصوم ، والإطعام ، وإن كان عتق بعض الرقبة قربة وعلله الرافعي بأن الكفارة على التراخي ، وقد تطرأ القدرة بعد ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث