الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

باب السهو في الصلاة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركعتين فقام رجل من بني سليم فقال يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقصر الصلاة ولم أنسه قال يا رسول الله إنما صليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أحق ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا نعم فصلي بهم ركعتين أخريين قال يحيى يعني ابن أبي كثير : حدثني ضمضم بن جوس أنه سمع أبا هريرة يقول ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين وفي رواية لهما إحدى صلاتي العشي قال مسلم إما الظهر وإما العصر وقال البخاري قال محمد وأكثر ظني العصر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها وقال مسلم ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبا الحديث وفيه فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر فسجد ثم كبر فرفع وفي رواية له العصر من غير شك وفيها فأتم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم ولأبي داود بإسناد صحيح فقال أصدق ذو اليدين ؟ فأومئوا أي نعم .

ولمسلم من حديث عمران بن حصين صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق الحديث وفيه فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم .

ولأبي داود والنسائي والحاكم من حديث معاوية بن خديج فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة فأدركه رجل فقال نسيت من الصلاة ركعة فخرج فدخل المسجد وأمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس ركعة وذكر أن الرجل طلحة بن عبيد الله والجمع بين هذا الاختلاف أن لأبي هريرة قصتين ولعمران قصة أخرى ولمعاوية بن خديج قصة أخرى قاله المحققون وعن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد سجدتي السهو بعد الكلام رواه مسلم وقال بعد السلام والكلام وللترمذي بعد السلام وللنسائي سلم ثم تكلم ثم سجد سجدتي السهو وللبخاري صلى الظهر خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم

[ ص: 2 ]

التالي السابق


[ ص: 2 ] باب السهو في الصلاة) عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ركعتين فقام رجل من بني سليم فقال يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقصر الصلاة ولم أنسه قال يا رسول الله إنما صليت ركعتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا نعم فصلى بهم ركعتين أخريين .

قال يحيى يعني ابن أبي كثير حدثني ضمضم بن جوس أنه سمع أبا هريرة يقول ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم سجدتين (فيه) فوائد :

(الأولى) فيه أن أبا هريرة شهد مع رسول صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة خلافا لمن قال إنه رواها مرسلة ولم يشهدها لأن ذا اليدين المذكور قتل ببدر وأبو هريرة إنما أسلم بعد خيبر سنة سبع قاله الطحاوي وغير واحد من الحنفية واحتجوا بما رواه ابن وهب [ ص: 3 ] عن العمري عن نافع عن ابن عمر أن إسلام أبي هريرة كان بعد موت ذي اليدين وأنه لا خلاف بين أهل السير أن ذا اليدين قتل ببدر قالوا وهذا الزهري مع علمه بالسير والأثر وهو الذي لا نظير له في ذلك يقول : إن قصة ذي اليدين كانت قبل بدر حكاه معمر وغيره عن الزهري قال الزهري ثم استحكمت الأمور بعد وهو قول أبي معشر إن ذا اليدين قتل ببدر قال ابن عبد البر وقولهم إن ذا اليدين قتل ببدر غير صحيح .

وإنما المقتول ببدر ذو الشمالين ولسنا ندافعهم أن ذا الشمالين مقتول ببدر لأن ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذكروه فيمن قتل يوم بدر وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي وذو اليدين الذي شهد سهو النبي صلى الله عليه وسلم سلمي قال ابن إسحاق ذو الشمالين هو عمير بن عمرو بن غيشان بن سليم بن مالك بن أقصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن خزاعة حليف بني زهرة .

وروى عن ابن المسيب قال قتل يوم بدر خمسة رجال من قريش فعد منهم ذا الشمالين وإنما عده من قريش لكونه حليف بني زهرة وذو اليدين [ ص: 4 ] اسمه الخرباق كما ثبت في حديث عمران بن حصين قال ابن عبد البر ويمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين ولكن المقتول يوم بدر غير الذي تكلم في حديث أبي هريرة قال وهذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه ثم روى بإسناده إلى مسدد قال الذي قتل يوم بدر إنما هو ذو الشمالين بن عبد عمر وحليف لبني زهرة وهذا ذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية فيجيء فيصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم .

قال أبو عمرو وأما قول الزهري إنه ذو الشمالين فلم يتابع عليه قال وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة ثم ذكر اضطرابه فيه ثم قال لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عول على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين لاضطرابه فيه وإنه لم يقم له إسنادا ولا متنا وإن كان إماما عظيما في هذا الشأن فالغلط لا يسلم منه أحد والكمال ليس لمخلوق وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم فليس قول ابن شهاب إنه المقتول ببدر حجة لأنه قد تبين غلطه في ذلك [ ص: 5 ] ثم ذكر من روى عن ذي اليدين ولقبه من التابعين وأنه بقي إلى خلافة معاوية وأنه توفي بذي خشب فالله أعلم انتهى كلام ابن عبد البر .

ودعواهم اتفاق أهل السير على ذلك خطأ صريح وإنما يعرف ذلك عن الزهري وهو خطأ وعن أبي معشر وهو ضعيف عند الجمهور وقد خالفهما جمهور أهل السير ففرقوا بين ذي اليدين وذي الشمالين قاله الشافعي في كتاب اختلاف الحديث وأبو عبد الله الحاكم والبيهقي وغيرهم قال الحاكم كل من قال في حديث أبي هريرة .

فقال ذو الشمالين فقد أخطأ فإن ذا الشمالين قد تقدم موته ولم يعقب وليس له راو وقال النووي في الخلاصة المقتول ببدر ذو الشمالين وهو غير المتكلم في حديث السهو هذا قول الحفاظ كلهم وسائر العلماء إلا الزهري فقال هو هو واتفقوا على تغليط الزهري في هذا ومما يدل على شهود أبي هريرة لقصة ذي اليدين أن جماعة من أصحابه الثقات صرحوا عنه بحضوره للواقعة فعند البخاري من رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر الحديث وعند مسلم من رواية محمد بن سيرين عنه صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي الحديث وعنده من رواية أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد سمعت أبا هريرة يقول صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ورواه ابن عبد البر من رواية ضمضم بن جوس عن أبي هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عبد البر : وكذلك رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة ا هـ وحملوا قول أبي هريرة صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه عنى صلى بالمسلمين قالوا وهذا جائز في اللغة ويرد عليه قوله في حديث الباب بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أنكر من أنكر من الحنفية شهود أبي هريرة للقصة ليجعلوا حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم في تحريم الكلام في الصلاة ناسخا لقصة ذي اليدين كما سيأتي في ذكر المذاهب .

(الثانية) في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة الجزم بأن الصلاة التي وقع فيها ذلك الظهر وهي عند مسلم هكذا عند البخاري في لفظ له من رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة وعند مسلم من رواية سفيان مولى ابن أبي أحمد عن [ ص: 6 ] أبي هريرة الجزم بأنها العصر وهي في الصحيحين من رواية ابن سيرين عن أبي هريرة على الشك إحدى الصلاتين زاد البخاري قال محمد أي ابن سيرين وأكبر ظني العصر .

وقد أجاب النووي عن هذا الاختلاف بما حكاه عن المحققين أنهما قضيتان وقد تبعته على ذلك في الأحكام ثم تبين أن الصواب أن قصة أبي هريرة واحدة وأن الشك من أبي هريرة ويوضح ذلك ما رواه النسائي من رواية ابن عون عن محمد بن سيرين قال قال أبو هريرة صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي قال أبو هريرة ولكني نسيت قال فصلى بنا ركعتين فبين أبو هريرة في روايته هذه وإسنادها صحيح

أن الشك منه وإذا كان كذلك فلا يقال هما واقعتان كما نقله النووي عن المحققين وإنما الجمع أن أبا هريرة رواه كثيرا على الشك ومرة غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها ومرة أخرى غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها وأما قول ابن سيرين وأكبر ظني فهو شك آخر من ابن سيرين وذلك أن أبا هريرة حدثه بها معينة كما عينها لغيره ويدلك على أنه عينها له قول البخاري في بعض طرقه قال ابن سيرين سماها أبو هريرة ولكني نسيت أنا .

(الثالثة) في حديث أبي هريرة أنه سلم من ركعتين وفي حديث عمران بن حصين عند مسلم أنه سلم في ثلاث ركعات وليس هذا باختلاف بل هما قصتان كما حكاه النووي في الخلاصة عن المحققين .

(الرابعة) فيه أن اليقين لا يزال بالاحتمال والشك لأن ذا اليدين كان على يقين من أن الصلاة رباعية فلما صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين لم يكتف ذو اليدين بالشك هل قصرت أم لا واحتمال ذلك بل سأله عن ذلك ليتحقق الحال ويؤدي ما عليه بيقين .

(الخامسة) فإن قيل قد سكت الناس أجمعون وفيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فإذا وسعهم السكوت وترك السؤال فهلا وسع ذلك ذا اليدين ؟ والجواب أن السؤال عن ذلك يحصل بسؤال واحد من الناس وقد وقع وكانت عادتهم أن يتكلم الأكبر كأبي بكر وعمر فلما حضرا ولم يتكلما سكت الناس إلا ذا اليدين وقد بين في حديث أبي هريرة في الصحيح العلة في سكوت أبي بكر وعمر بأنهما هاباه أن يكلماه قال القرطبي مع علمهما بأنه سيبين أمر ما وقع قال ولعله بعد النهي عن السؤال انتهى .

وربما كان فيهم من يظن أنه لا يجوز عليه النسيان حتى بين لهم جوازه [ ص: 7 ] عليه فقال إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني على أنه قد يقول القائل لا نسلم أنه لم يسأله إلا ذو اليدين فعند أبي داود والنسائي بإسناد صحيح من حديث معاوية بن خديج أنه سأله عن ذلك طلحة بن عبيد الله ولكنه ذكر فيه أنه كان بقيت من الصلاة ركعة فيجوز أن يكون العصر فيكون موافقا لحديث عمران بن حصين فيكون قد سأله طلحة مع الخرباق أيضا وقد يكون في بعض الصحابة جرأة وإقدام فيحصل مقصود الساكت به كما قال أنس في الحديث الصحيح كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله.... الحديث .

(السادسة) وقوله أقصرت الصلاة هو بضم القاف وكسر الصاد على الرواية المشهورة على البناء للمفعول ورواه بعضهم بفتح القاف وضم الصاد على أنه قاصر وقياس هذه الرواية أن يقال في الجواب لم تقصر بفتح التاء وضم الصاد والمشهور الأول وقوله ولم أنسه هو بالهاء الساكنة في آخره للسكت وليست ضميرا .

(السابعة) اختلفت الرواية في جوابه صلى الله عليه وسلم لذي اليدين فقال في هذه الرواية ما تقدم وكذا قال ابن عون ويزيد بن إبراهيم عن ابن سيرين لم أنس ولم تقصر كما عند البخاري وقال أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة كل ذلك لم يكن فقال قد كان بعض ذلك ولم يذكر أيوب في روايته عن ابن سيرين كما في الصحيحين نفي القصر والنسيان رأسا بل سأل من حضر أصدق ذو اليدين وكذا في رواية سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عند البخاري وهذه الرواية لا إشكال فيها وأما رواية نفي الأمرين فقد أجيب عنها بأجوبة : (أحدها) أن المراد لم يكن الأمران معا وكان الأمر كذلك وهو ضعيف لأنه أورد العامل في النفي على كل واحد من الأمرين .

(والثاني) أنه أخبر عما في ظنه فهو مقدر وإن كان محذوفا .

(والثالث) أنه أراد لم أنس السلام بل سلمت قصدا على ظن التمام وهو بعيد أيضا .

(والرابع) أن السهو ليس نسيانا بل بينهما فرق فكان يسهو ولا ينسى لأن النسيان غفلة والسهو قد يقع عن بعض الأفعال الظاهرة اشتغالا بما يتعلق بأحوال الصلاة أشار إليه القاضي عياض واستبعد من حيث عدم الفرق بينهما [ ص: 8 ] لغة ويرده أيضا قوله في حديث ابن مسعود المتفق عليه إنما أنا بشر أنسى كما تنسون .

(والخامس) واختاره القاضي عياض أنه نفى كونه نسي بالتخفيف قاصرا ولم ينف كونه نسي بالتشديد مبني للمفعول كما قال بئسما لأحدكم أن يقول نسيت أنه كذا بل هو نسي فكأنه قال لم أنس من قبل نفسي غفلة عن الصلاة ولكن الله نساني لأنسى ويرده أيضا حديث ابن مسعود المتقدم فإنه نسب النسيان إلى نفسه وفرق الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بين إضافة نسيان كلام الله تعالى إلى الإنسان وبين إضافة نسيان غيره إليه ولا يلزم من النهي عن الخاص النهي عن العام والله أعلم .

(السادس) ما أجاب به عبد الكريم بن عطاء الله السكندري أن العصمة إنما ثبتت في الإخبار عن الله تعالى في الأحكام وغيرها دون الأمور الوجودية هذا حاصل كلامه وقد أبهمه الشيخ تقي الدين بقوله بعض المتأخرين .

(السابع) أن النسيان يطلق بإزاء معنيين : أحدهما خلاف العمد وهو الأغلب والمعنى الثاني الترك وأراد هنا المعنى الثاني هكذا أجاب به بعض من تعقب كلام القاضي عياض وليس هذا بكاف لأن السؤال باق لأن قصاراه أن يكون أخبر أنه ما ترك وقد ترك ركعتين فإن أراد إخباره على ظنه فقد تقدم أنه أخبر أنه ما نسي على ظنه فلا حاجة لتأويله بالترك والله أعلم ، وأجود هذه الأجوبة الوجه الثاني .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث