الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

3181 (8) باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه

[ 1771 ] عن علقمة بن وائل، عن أبيه قال: إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ (فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة). قال: نعم قتلته، قال: فكيف قتلته؟. قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه، فقتلته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟. قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي، قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من ذاك، فرمى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بنسعته وقال: دونك صاحبك. فانطلق به الرجل، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتله فهو مثله. فرجع فقال: يا رسول الله، بلغني أنك قلت: إن قتله فهو مثله. وأخذته بأمرك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: بلى يا نبي الله، قال: فإن ذاك كذاك. قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله.

وفي رواية: فانطلق به وفي عنقه نسعة يجرها، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القاتل والمقتول في النار" فأتى رجل الرجل فقال له مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخلى عنه، قال ابن أشوع: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سأله أن يعفو عنه فأبى.

رواه مسلم (1680) (22 و 23) وأبو داود (4499 - 4501) والنسائي (7 \ 15 و 16). [ ص: 52 ]

التالي السابق


[ ص: 52 ] (8) ومن باب الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه

قوله: ( جاء رجل يقود آخر بنسعة ) النسعة: ما ضفر من الأدم كالحبال. وجمعها: أنساع. فإذا فتل ولم يضفر; فهو الجديل. والجدل: الفتل. وفيه من الفقه: العنف على الجاني، وتثقيفه، وأخذ الناس له حتى يحضروه إلى الإمام، ولو لم يجعل ذلك للناس لفر الجناة، وفاتوا، ولتعذر نصر المظلوم، وتغيير المنكر.

و(قوله: هذا قتل أخي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أقتلته ) فيه من الفقه سماع دعوى المدعي في الدم قبل إثبات الموت والولاية، ثم لا يثبت الحكم حتى يثبت كل ذلك.

فإن قيل: فقد حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات ولاية المدعي.

فالجواب: إن ذلك كان معلوما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعند غيره، فاستغنى عن إثباته لشهرة ذلك.

وفيه: استقرار المدعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان إقراره، فتسقط وظيفة إقامة البينة عن المدعي، كما جرى في هذا الحديث.

و(قوله: لو لم يعترف أقمت عليه البينة ) بيان أن الأصل في ثبوت الدماء الإقرار أو البينة. وأما القسامة: فعلى خلاف الأصل، كما تقدم; وفيه: استقرار المحبوس، والمتهدد، وأخذه بإقراره. وقد اختلف في ذلك العلماء، واضطرب [ ص: 53 ] المذهب عندنا في إقراره بعد الحبس والتهديد، هل يقبل جملة أو لا يقبل جملة؟ والفرق (فيقبل إذا عين ما اعترف به من قتل، أو سرقة، ولا يقبل إذا لم يعين) ثلاثة أقوال.

و(قوله: كيف قتلته ؟) سؤال استكشاف عن حال القتل، لإمكان أن يكون خطأ، أو عمدا. ففيه من الفقه: وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني عليها الأحكام، ولا يكتفى بالإطلاق، وهذا كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ماعز حين اعترف على نفسه بالزنى على ما يأتي.

و(قوله: كنت أنا وهو نختبط من شجرة، فسبني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته ). نختبط (نفتعل) من الخبط، وهو ضرب بالعصا ليقع يابس ورقها، فتأكله الماشية. وقرن الرأس: جانبه الأعلى، قال الشاعر:


.................... وضربت قرني كبشها فتجدلا



و(قوله: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك ) يدل: على أنه صلى الله عليه وسلم قد ألزمه حكم إقراره، وأن قتله كان عمدا; إذ لو كان خطأ لما طالبه بالدية، ولطولب بها العاقلة، ويدل على هذا أيضا قوله: ( أترى قومك يشترونك ؟) لأنه لما استحق أولياء المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له، فلو دفع أولياء القاتل عنه عوضا فقبله أولياء المقتول لكان ذلك كالبيع.

وهذا كله إنما عرضه [ ص: 54 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - على القاتل بناء منه على أنه إذا تيسر له ما يؤدي إلى أولياء المقتول سألهم في العفو عنه.

ففيه من الفقه: السعي في الإصلاح بين الناس، وجواز الاستشفاع، وإن رفعت حقوقهم للإمام; بخلاف حقوق الله تعالى، فإنه لا تجوز الشفاعة فيها إذا بلغت الإمام.

و(قوله: ما لي مال إلا كسائي وفأسي ) فيه من الفقه: أن المال يقال على كل ما يتمول من العروض وغيرها، وأن ذلك ليس مخصوصا بالإبل، ولا بالعين. وقد تقدم ذلك.

و(قوله: فرمى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بنسعته وقال: دونك صاحبك ) أي: خذه فاصنع به ما شئت، هذا إنما حكم به النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تحقق السبب، وتعذر عليه الإصلاح، وبعد أن عرض على الولي العفو فأبى، كما قاله ابن أشوع ، وبعد أن علم أنه لا مستحق للدم إلا ذلك الطالب خاصة، ولو كان هناك مستحق آخر لتعين استعلام ما عنده من القصاص أو العفو.

وفيه ما يدل على أن القاتل إذا تحقق عليه السبب، وارتفعت الموانع لا يقتله الإمام، بل يدفعه للولي يفعل به ما يشاء من قتل، أو عفو، أو حبس، إلى أن يرى رأيه فيه، ولا يسترقه بوجه; لأن الحر لا يملك، ولا خلاف فيه فيما أعلمه.

و(قوله: فانطلق به، فلما ولى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن قتله فهو مثله ) ظاهره: إن قتله كان عليه من الإثم مثل ما على القاتل الأول، وقد صرح بهذا في الرواية الأخرى التي قال فيها: (القاتل والمقتول في النار) وهذا فيه إشكال عظيم.

[ ص: 55 ] فإن القاتل الأول قتل عمدا، والثاني يقتل قصاصا، ولذلك لما سمع الولي ذلك قال: (يا رسول الله! قلت ذلك؟! وقد أخذته بأمرك).

فاختلف العلماء في تأويل هذا على أقوال:

الأول: قال الإمام أبو عبد الله المازري : أمثل ما قيل فيه: أنهما استويا بانتفاء التباعة عن القاتل بالقصاص.

قلت: وهذا كلام غير واضح. ويعني به - والله أعلم -: أن القاتل إذا قتل قصاصا لم يبق عليه تبعة من القتل. والمقتص لا تبعة عليه; لأنه استوفى حقه، فاستوى الجاني والولي المقتص في أن كل واحد منهما لا تبعة عليه.

الثاني: قال القاضي عياض : معنى قوله: (فهو مثله) أي: قاتل مثله، وإن اختلفا في الجواز والمنع، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب، وشفاء النفس، لا سيما مع رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العفو، على ما جاء في الحديث.

قلت: والعجيب من هذين الإمامين: كيف قنعا بهذين الخيالين ولم يتأملا مساق الحديث، وكأنهما لم يسمعا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين انطلق به يجره ليقتله: ( القاتل والمقتول في النار )وهذه الرواية مفسرة لقوله في الرواية المتقدمة: ( إن قتله فهو مثله ) [لأنها ذكرت بدلا منها، فعلى مقتضى قوله: (فهو مثله) أي: هو في النار مثله] ومن هنا عظم الإشكال.

ولا يلتفت لقول من قال: إن ذلك إنما قاله - صلى الله عليه وسلم - للولي لما علمه منه من معصية يستحق بها دخول النار; لأن المعصية المقدرة إما أن يكون لها مدخل في هذه القصة، أو لا مدخل لها فيها، فإن كان [ ص: 56 ] الأول فينبغي لنا أن نبحث عنها حتى نتبينها ونعرف وجه مناسبتها لهذا الوعيد الشديد، وإن لم يكن لها مدخل في تلك القضية لم يلق بحكمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ببلاغته، ولا ببيانه، أن يذكر وعيدا شديدا في قضية ذات أحوال وأوصاف متعددة، ويقرن ذلك الوعيد بتلك القصة، وهو يريد أن ذلك الوعيد إنما هو لأجل شيء لم يذكره هو، ولا جرى له ذكر من غيره.

ثم إن المقول له ذلك قد فهم أن ذلك إنما كان لأمر جرى في تلك القصة، ولذلك قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: تقول ذلك، وقد أخذته بأمرك؟! ولو كان كما قاله هذا القائل لقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما قلت ذلك للمعصية التي فعلت، أو الحالة التي أنت عليها، لا لهذا، ولما كان يسكت عن ذلك، ولبادر لبيانه في تلك الحال; لأن الحاجة له داعية، والنصيحة والبيان واجبان عليه - صلى الله عليه وسلم - والله تعالى أعلم.

الثالث: أن أبا داود روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة وقال فيه: قتل رجل على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! والله ما أردت قتله! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للولي: (أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار) فحاصله: أن هذا المعترف بالقتل زعم أنه لم يرد قتله، وحلف عليه، فكان القتل خطأ، فكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاف أن يكون القاتل صدق فيما حلف عليه، وأن القاتل يعلم ذلك; لكن سلمه له بحكم إقراره بالعمد، ولا شاهد يشهد له بالخطأ، ومع ذلك فتوقع صدقه، فقال: إن قتلته دخلت النار، فكأنه قال: إن كان صادقا وعلمت أنت صدقه، ثم قتلته فأنت في النار.

وهذا - على ما فيه من التكلف - يبطله قوله: ( القاتل والمقتول في النار ) فسوى بينهما في الوعيد، فلو كان القاتل مخطئا لما استحق بذلك النار، ولما باء بإثمه وإثم صاحبه; فإن المخطئ لا يكون آثما، ولا يتحمل إثم من أخطأ عليه.

[ ص: 57 ] الرابع: أن أبا داود روى هذا الحديث عن وائل بن حجر وذكر فيه ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد تخليصه فعرض الدية، أو العفو على الولي ثلاث مرات، والولي في كل ذلك يأبى إلا القتل معرضا عن شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن حرصه على تخليص الجاني من القتل، فكأن الولي صدر منه جفاء في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث رد متأكد شفاعته، وخالفه في مقصوده، ويظهر هذا من مساق الحديث؛ وذلك أن وائل بن حجر قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جيء برجل قاتل في عنقه نسعة، قال: فدعا ولي المقتول، فقال: (أتعفو؟) قال: لا. فقال: (أتأخذ الدية؟) قال: لا. قال: (أتقتل؟) قال: نعم. قال: (اذهب به) فلما ولى، قال: (أتعفو؟) قال: لا. قال: (أفتأخذ الدية؟) قال: لا. قال: (أفتقتل؟) قال: نعم. قال: (اذهب به)، فلما كان في الرابعة قال: (أما إنك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه) قال: فعفا عنه.

فهذا المساق يفهم منه صحة قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - لتخليص ذلك القاتل، وتأكد شفاعته له في العفو، أو قبول الدية. فلما لم يلتفت الولي إلى ذلك كله صدرت منه - صلى الله عليه وسلم - تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لجاجه، ومضيه على جفائه، فلما سمع الولي ذلك القول عفا وأحسن، فقبل، وأكرم.

وهذا أقرب من تلك التأويلات والله أعلم بالمشكلات.

وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع حيث قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله أن يعفو فأبى.

تنبيه: إنما عظم الإشكال من جهة قوله - صلى الله عليه وسلم -: ( القاتل والمقتول في النار ) ولما كان ذلك قال بعض العلماء: إن هذا اللفظ، يعني قوله: ( القاتل والمقتول في النار ) إنما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى المسلمان [ ص: 58 ] بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) فوهم بعض الرواة، فضمه إلى هذا الحديث الآخر.

قلت: وهذا فيه بعد. والله تعالى أعلم.

و(قوله: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟) أي: ينقلب، ويرجع، وأكثر ما يستعمل: (باء بكذا) في الشر، ومنه قوله تعالى: فباءوا بغضب على غضب [البقرة: 90] ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أن المقتول ظلما تغفر له ذنوبه عند قتل القاتل له، والولي يغفر له عند عفوه عن القاتل، فصار ذهاب ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنه باء بذنوب كل واحد منهما، هذا أحسن ما قيل فيه. والله تعالى أعلم.

و(قوله: ألك شيء تؤديه عن نفسك ) يفيد: أنه لو حضرت الدية لدفعت للولي، ولسقط القصاص لكن برضى الولي، ولا يجبر على أخذها; لأن الذي للولي القصاص أو التخيير، وهو حقه، ولا يختلف في هذا، وإنما اختلف في إجبار القاتل على إعطاء الدية إذا رضي بها الولي، فذهب جماعة إلى إجباره عليها; منهم: الشافعي وغيره على ما تقدم في كتاب الحج. وقالت طائفة أخرى: لا يجبر عليها، ولا يكون ذلك إلا برضا القاتل والولي، وإليه ذهب الكوفيون. وهو مشهور مذهب مالك وسبب هذا الخلاف معارضة السنة للقرآن؛ وذلك أن ظاهر القرآن وجوب القصاص، وهو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى [البقرة: 178] وقوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس [المائدة: 45] وقد ثبت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، [ ص: 59 ] بين أن يأخذوا العقل وبين أن يقتلوا)، وهذا نص في التخيير، وبيان الأرجح يستدعي تطويلا، وبسطه في كتب الخلاف.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث