الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

3661 (26) كتاب الأشربة

(1) باب تحريم الخمر

[ 1861 ] عن علي بن أبي طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يومئذ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين، فأستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، وجمعت حتى جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد اجتبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حتى رأيت ذلك المنظر منهما، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، غنته قينة وأصحابه، فقالت في غنائها:


ألا يا حمز للشرف النواء

فقام حمزة بالسيف فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما، فأخذ من أكبادهما. فقال علي: فانطلقت حتى أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة، قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهي الذي لقيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك؟. قلت: يا رسول الله، والله ما رأيت كاليوم! عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو في بيت معه شرب، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي، فاتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذي فيه حمزة، فاستأذن فأذنوا له، فإذا هم شرب، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة محمرة عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صعد النظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر فنظر إلى سرته، ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه، قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ثمل، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى، حتى خرج، وخرجنا معه.


رواه البخاري (3091) ومسلم (1979) (2) وأبو داود (2986). [ ص: 246 ]

التالي السابق


[ ص: 246 ] (26) كتاب الأشربة

(1) ومن باب تحريم الخمر

(قولها: ألا يا حمز للشرف النواء ) الرواية الصحيحة المشهورة في هذا [ ص: 247 ] اللفظ: ( للشرف ) باللام وضم الراء.

و( النواء ) بكسر النون، فالشرف بضم الراء جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارف مؤنث; لأنه اسم للناقة المسنة، وهو في أصله صفة لها، فكان حقه أن يجمع على (فواعل) أو (فعل) لأنهما مثالا جمع فاعل إذا كان للمؤنث، لكنه لما كان مذكر اللفظ - أي ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على (بازل) الذي هو صفة للجمل المسن، فجمعوه جمعه، فقالوا: شرف، كما قالوا: بزل، واللام في الشرف لام الجر، وهي متعلقة بفعل محذوف دل عليه الحال; أي: انهض للشرف، أو: قم لها، تحرضه على نحرها، ولذلك قام حمزة فنحرها.

و( النواء ): السمان. يقال: نوت الناقة، تنوي، فهي ناوية، وجمعها: نواء، وهو أيضا على غير قياس كما تقدم. قال الخطابي : وقد روى هذا اللفظ أبو جعفر الطبري : ( ذا الشرف ) بـ (ذا) التي بمعنى صاحب، وبفتح الراء والشين، قال: وفسره بالبعد.

قلت: وفي هذه الرواية ومعناها بعد، والصواب: رواية الجماعة كما ذكرناه الساعة.

و( الصواغ ): الصائغ، وهو الذي يصوغ الذهب والفضة، وهو للمبالغة.

و( الأقتاب ): جمع قتب، وهو أداة الرحل، وقد يكون في موضع آخر الأمعاء.

و( اجتب أسنمتها ) أي: شق عنها الجلد، وأخرج الشحم الذي فيها.

و( بقرت خواصرها ) أي: نقبت، وهذا إنما فعل ذلك بعد أن نحرها على عادتهم، وعلى هذا يدل الشعر المذكور بعد هذا.

ويحتمل أن يكون فعل ذلك بها من غير نحر؛ استعجالا لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنية، لا سيما وقد كانت الخمر أخذت منه.

و(قوله: فلم أملك عيني ) أن بكيت، يعني: مغلوبا لشدة الموجدة.

و( الشرب ) بفتح الشين وسكون الراء: اسم للقوم يجتمعون للشرب، بضم الشين.

و( القينة ): المغنية.

[ ص: 248 ] و(قوله: ما رأيت كاليوم قط ) هذا كلام كثر عندهم، حتى صار كالمثل، والكاف فيه نعت لـ ( يوم ) محذوف، تقديره: ما رأيت يوما مثل اليوم، يهوله لما لقي فيه. ويحتمل أن يكون نعتا لمصدر محذوف، أي: ما رأيت كربا مثل كرب اليوم، أو ما شاكل ذلك. ويدل على الأول ما أنشده ابن شبة من الزيادة في شعر القينة فقال:


ألا يا حمز للشرف النواء     وهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها     وضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشرب     قديرا من طبيخ أو شواء



قلت: وعلى هذا فيكون فيه حجة على إباحة أكل ما ذبحه غير المالك تعديا ، كالغاصب والسارق، وهو قول جمهور العلماء: مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي .

وخالف في ذلك: إسحاق ، وداود ، وعكرمة ، فقالوا: لا يؤكل، وهو قول شاذ، وحجة الجمهور: أن الذكاة وقعت من المتعدي على شروطها الخاصة بها، وقيمة الذبيحة قد تعلقت بذمة المتعدي، فلا موجب للمنع، وقد وقع التفويت. وقد روى ابن وهب حديثا يدل على جواز الأكل، فليبحث عنه، وليكتب هنا.

و(قوله: وجمعت حتى جمعت ما جمعت ) هكذا رواه الطبري ، والعذري ، وابن ماهان بـ (حتى) التي هي للغاية.

وقد رواه السجزي ، والسمرقندي : (حين) [ ص: 249 ] مكان (حتى) والأول أوضح. وقد سقط ( وجمعت ) الأول في بعض النسخ، وسقوطه وثبوت (حتى) يحسن الكلام، وقد ذكره الحميدي في "مختصره" بلفظ أحسن من هذا، فقال: (وأقبلت حين جمعت ما جمعت).

قلت: وهذا الحديث يدل على أن شرب الخمر كان إذ ذاك مباحا، معمولا به، معروفا عندهم بحيث لا ينكر، ولا يغير، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عليه، وعليه يدل قوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى [النساء: 43] وقوله تعالى: تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا [النحل: 67].

وهل كان يباح لهم شرب القدر الذي يسكر؟ ظاهر هذا الحديث يدل عليه، فإن ما صدر عن حمزة - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره وتعزيره، يدل على أن حمزة كان قد ذهب عقله بما يسكر، ولذلك قال الراوي: فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه ثمل.

ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على حمزة ، ولا عنفه، لا في حال سكره، ولا بعد ذلك، فكان ذلك دليلا على إباحة ما يسكر عندهم، وهذا خلاف ما قاله الأصوليون وحكوه، فإنهم قالوا: إن السكر حرام في كل شريعة قطعا؛ لأن الشرائع مصالح العباد قطعا، لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع من كل ما يذهبه ويشوشه، وما ذكروه واضح.

ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك الإنكار على حمزة في حال سكره; لكونه لا يعقل، وعلى إثر ذلك نزل تحريم الخمر، أو أن حمزة لم يقصد بشربه السكر، لكنه أسرع فيه فغلبه. والله تعالى أعلم.

ولم يقع في شيء من الصحيح أن النبي ألزم حمزة غرامة الشارفين، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبة في كتابه، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش : فغرمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حمزة ، وهذه الرواية جارية على الأصول; إذ لا خلاف في أن [ ص: 250 ] ما يتلف السكران من الأموال يلزمه غرمه.

وعلى تقدير ألا تثبت هذه الزيادة; فعدم النقل لا يدل على عدم المنقول، ولو دل على ذلك لأمكن أن يقال: إنما لم يحكم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغرامة لأن عليا - رضي الله عنه - لم يطلبها منه، أو لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحملها عنه كما قال في صدقة العباس . والله تعالى أعلم.

وقد احتج بهذا الحديث من لا يلزم طلاق السكران ; من جهة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخذ حمزة بما صدر عنه من قوله، وإليه ذهب المزني ، والليث ، وبعض أصحاب أبي حنيفة . وتوقف فيه أحمد بن حنبل والجمهور من السلف والخلف، وكافة الفقهاء: على أن ذلك يلزمه; لأن السكران بعد التحريم أدخل نفسه في السكر بمعصية الله تعالى، فكان مختارا لما يكون منه فيه، ولم يكن حمزة كذلك، بل كان شربه مباحا كما قدمناه، فصار ذلك بمثابة من سكر من شرب اللبن، أو غيره من المباحات، فإنه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول، ويكون كالمغمى عليه. والله أعلم.

و(قوله: فنكص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عقبيه القهقرى ) نكص، أي: تأخر.

و( القهقرى ): الرجوع إلى وراء، ووجهه إليك، قاله الأخفش ، يقال منه: تقهقر [ ص: 251 ] الرجل يتقهقر; إذا فعل ذلك، وظاهر هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيء يكره، فإنه قد كان أذهب السكر عقله. وقيل في هذا: إنه خرج عنهم مسرعا. والأول أولى.

و(قوله: فارتدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بردائه، ثم انطلق يمشي ) دليل على المحافظة على حسن الهيئات عند ملاقاة الناس، والتزين للمحافل على ما تقتضيه عادات أهل المروءات ، ولا يعد ذلك رياء ولا سمعة.

و(قوله: فطفق يلوم حمزة ) أي: جعل وأخذ، يقال بفتح الفاء وكسرها، والكسر أشهر وأكثر.

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث