الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه لا يغض من قدرها

جزء التالي صفحة
السابق

4051 [ 2093 ] وعنها قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له، وأقوم عليه وأسوسه، قالت: ثم إنها أصابت خادما، جاء النبي صلى الله عليه وسلم سبي فأعطاها خادما، قالت: كفتني سياسة الفرس، فألقت عني مئونته. فجاءني رجل فقال: يا أم عبد الله! إني رجل فقير، أردت أن أبيع في ظل دارك، قالت: إني إن رخصت لك أبى ذاك الزبير، فتعال فاطلب إلي، والزبير شاهد، فجاء فقال: يا أم عبد الله، إني رجل فقير، أردت أن أبيع في ظل دارك، فقالت: ما لك بالمدينة إلا داري؟ فقال لها الزبير: ما لك أن تمنعي رجلا فقيرا يبيع؟ فكان يبيع إلى أن كسب، فبعته الجارية، فدخل علي الزبير وثمنها في حجري، فقال: هبيها لي، قالت: إني قد تصدقت بها.

رواه مسلم (2182) (35).

التالي السابق


و( قولها: جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي فأعطاها خادما ) هذه الرواية مخالفة لقولها في الرواية المتقدمة: إن أبا بكر - رضي الله عنه - أرسلها إليها. وهذا لا بعد فيه; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دفعها لأبي بكر ليدفعها لها، فأرسل بها أبو بكر لها.

واستئذان الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء ابنة أبي بكر - في أن يبيع في ظل دارها يدل على أن المتقرر المعلوم من الشرع أن فناء الدار ليس لغير ربها القعود فيه للبيع إلا بإذنه، فإذا أذن جاز ما لم يضر بغيره; من تضييق طريق، أو اطلاع على عورة منزل غيره، ولرب الدار أن يمنعه; لأن الأفنية حق لأرباب المنازل; لأن عمر - رضي الله عنه - قضى في الأفنية لأرباب الدور.

قال ابن حبيب : وتفسير هذا يعني: بالانتفاع للمجالس، والمرابط، والمصاطب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة، وليس بأن ينحاز بالبنيان والتحظير.

قلت: وعلى هذا فليس لرب الدار التصرف في فنائها ببناء دكان، أو غيره مما يثبت ويدوم; لأنه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس; إذ للناس فيه حق العبور، والوقوف، والاستراحة، والاستظلال، وما أشبه هذه الأمور. لكنه [ ص: 522 ] أخص به، فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة لجلوسه، ومربط فرسه، وحط أحماله، وكنس مرحاضه، وتراب بيته، وغير ذلك مما يكون من ضروراته. وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته كبناء دكان للباعة، أو تحظيره عن الناس، أو إجارته لمن يبيع فيه; لأن ذلك كله منع الناس من منافعهم التي لهم فيه، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير أجرة; لأن ذلك من باب الرفق بالمحتاج والفقير. وأصل الطرق والأفنية للمرافق، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه; للزم أن يكون لذلك البناء فناء، ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق، وترتفع المرافق.

وتوقف أسماء رضي الله عنها في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان مخافة غيرة الزبير ، أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير ، وحسن أدب، وكرم خلق حتى لا تتصرف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها. وأمرها للفقير بأن يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق، والرغبة في فعل الخير، وليشاركها في الأجر، وذلك كله منها حسن سياسة، وجميل ملاطفة تدل على انشراح الصدور، وصدق الرغبة في الخير.

وبيعها للجارية بغير إذن الزبير يدل على أن للمرأة التصرف في مالها بالبيع والابتياع من غير إذنه، وليس له منعها من ذلك إذا لم يضره ذلك في خروجها، ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع، فله منعها مما يؤدي إلى ذلك.

وسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليل على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها [ ص: 523 ] في مالها بأخذ ولا غيره; إذ لا ملك له في ذلك، وإنما له فيه حق التجمل، وكفاية بعض المؤن، ولذلك منعناها من إخراج كل مالها، أو جله كما تقدم في النكاح.

وصدقتها بثمن الجارية من غير إذنه دليل على جواز هبة المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج، لكن إن أجازه الزوج جاز، وإن منعه فإن كان الثلث فدون لم يكن له المنع، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث على ما تقدم; هذا إذا وهبته لأجنبي; فإن وهبته لزوجها فلا يفرق بين ثلث ولا غيره; لأنها إذا طابت نفسها بذلك جاز. ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما كان لحق الزوج; لئلا يفوت عليه ما له فيه من حق التجمل، ولئلا يمنعها أيضا من إعطاء ما طابت به نفسها، فينفذ عطاؤها في الثلث، ويرد فيما زاد عليه. وقيل: يرد في الجميع، وهو المشهور.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث