الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 180 - 181 ] والجزية والخراج حقان أوصل الله سبحانه وتعالى المسلمين إليهما من المشركين : يجتمعان من ثلاثة أوجه ، ويفترقان من ثلاثة أوجه ، ثم تتفرع أحكامهما .

فأما الأوجه التي يجتمعان فيها فأحدها أن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك صغارا له وذمة والثاني : أنهما ما لا فيء ; يصرفان في أهل الفيء .

والثالث : أنهما يجبان بحلول الحول ولا يستحقان قبله .

وأما الأوجه التي يفترقان فيها : فأحدها أن الجزية نص وأن الخراج اجتهاد .

والثاني : أن أقل الجزية مقدر بالشرع وأكثرها مقدر بالاجتهاد ، والخراج أقله وأكثره مقدر بالاجتهاد .

والثالث : أن الجزية تؤخذ مع بقاء الكفر وتقسط بحدوث الإسلام ; والخراج يؤخذ مع الكفر والإسلام فأما الجزية فهي موضوعة على الرءوس واسمها مشتق من الجزاء ، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغارا ، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقا .

والأصل فيها قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [ ص: 182 ]

أما قوله سبحانه { الذين لا يؤمنون بالله } فأهل الكتاب وإن كانوا معترفين بأن الله سبحانه واحد فيحتمل نفي هذا الإيمان بالله تأويلين : أحدهما لا يؤمنون بكتاب الله تعالى وهو القرآن والثاني لا يؤمنون برسوله محمد صلى الله عليه وسلم : لأن تصديق الرسل إيمان بالمرسل .

وقوله سبحانه { ولا باليوم الآخر } يحتمل تأويلين : أحدهما لا يخافون وعيد اليوم الآخر ، وإن كانوا معترفين بالثواب والعقاب والثاني لا يصدقون بما وصفه الله تعالى من أنواع العذاب .

وقوله { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } يحتمل تأويلين : أحدهما ما أمر الله سبحانه بنسخه من شرائعهم والثاني ما أحله الله لهم وحرمه عليهم .

وقوله { ولا يدينون دين الحق } فيه تأويلان : أحدهما ما في التوراة والإنجيل من اتباع الرسول وهذا قول الكلبي .

والثاني : الدخول في الإسلام وهو قول الجمهور .

وقوله { من الذين أوتوا الكتاب } فيه تأويلان : أحدهما من دين أبناء الذين أوتوا الكتاب .

والثاني من الذين بينهم الكتاب لأنهم في اتباعه كأبنائه وقوله تعالى { حتى يعطوا الجزية } فيه تأويلان : أحدهما حتى يدفعوا الجزية والثاني حتى يضمنوها لأن بضمانها يجب الكف عنهم .

وفي الجزية تأويلان : أحدهما أنها من الأسماء المجملة التي لا نعرف منها ما أريد بها إلا أن يرد بيان والثاني أنها من الأسماء العامة التي يجب إجراؤها على عمومها إلا ما قد خصه الدليل .

وفي قوله سبحانه وتعالى { عن يد } تأويلان : أحدهما عن غنى وقدرة .

والثاني : أن يعتقدوا أن لنا في أخذها منهم يدا وقدرة عليهم .

وفي قوله { وهم صاغرون } تأويلان : أحدهما أذلاء مستكينين والثاني أن تجرى عليهم أحكام الإسلام ، فيجب على ولي الأمر أن يضع الجزية على [ ص: 183 ] رقاب من دخل في الذمة من أهل الكتاب ليقروا بها في دار الإسلام ويلتزم لهم ببذلها حقان : أحدهما الكف عنهم والثاني الحماية لهم ليكونوا بالكف آمنين وبالحماية محروسين روى نافع عن ابن عمر قال : كان آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : { احفظوني في ذمتي } .

والعرب في أخذ الجزية منهم كغيرهم وقال أبو حنيفة لا آخذها من العرب لئلا يجري عليهم صغار ، ولا تؤخذ من مرتد ولا دهري ولا عابد وثن .

وأخذها أبو حنيفة من عبدة الأوثان إذا كانوا عجما ولم يأخذها منهم إذا كانوا عربا ، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى وكتابهم التوراة والإنجيل ، ويجري المجوس مجراهم في أخذ الجزية منهم وإن حرم أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم وتؤخذ من الصابئين والسامرة إذا وافقوا اليهود والنصارى في أصل معتقدهم ومن دخل في اليهودية والنصرانية قبل تبديلهما أقر على ما دان به منهما ، ولا يقر إن دخل بعد تبديلهما ومن جهلت حالته أخذت جزيته ولم تؤكل ذبيحته .

ومن انتقل من يهودية إلى نصرانية لم يقر في أصح القولين وأخذ بالإسلام ، فإن عاد إلى دينه الذي انتقل عنه ففي إقراره عليه قولان ويهود خيبر وغيرهم في الجزية سواء بإجماع الفقهاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث