الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فصل ) أما الحرم فهو ما أطاف بمكة من جوانبها . وحده من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت بني نفار على ثلاثة أميال ، ومن طريق العراق على ثنية جبل بالمنقطع على سبعة أميال ، ومن طريق الجعرانة بشعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال ، ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال ، ومن طريق جدة منقطع العشائر على عشرة أميال ، فهذا حد ما جعله الله تعالى حرما لما اختص به من التحريم وباين بحكمه سائر البلاد . قال الله عز وجل : { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا } . يعني مكة وحرمها . [ ص: 209 ] { وارزق أهله من الثمرات } لأنه كان واديا غير ذي زرع ، فسأل الله - تعالى - أن يجعل لأهله الأمن والخصب ليكونوا بهما في رغد من العيش ، فأجابه الله - تعالى - إلى ما سأل ، فجعله حرما آمنا يتخطف الناس من حوله ، وجبا إليه ثمرات كل بلد حتى جمعها فيه .

واختلف الناس في مكة وما حولها هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم عليه السلام أو كانت قبله كذلك على قولين .

أحدهما : أنها لم تزل حرما آمنا بسؤال إبراهيم عليه السلام من الجبابرة والمسلطين ومن الخسوف والزلازل ، وإنما سأل إبراهيم عليه السلام ربه سبحانه أن يجعله حرما آمنا من الجدب والقحط وأن يرزق أهله من الثمرات لرواية سعيد عن أبي سعيد قال : سمعت أبا شريح الخزاعي يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قام خطيبا فقال : { أيها الناس إن الله سبحانه حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى يوم القيامة لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا ، وإنها لا تحل لأحد بعدي ، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها ، ألا وهي قد رجعت على حالها بالأمس ، ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فمن قال إن رسول الله قد قتل بها أحدا فقولوا إن الله تعالى قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك } .

والقول الثاني : أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد وأنها صارت بدعوته حرما آمنا حين حرمها ، كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم حراما بعد أن كانت حلالا ، لرواية الأشعث عن نافع عن أبي هريرة قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 210 ] والذي يختص به الحرم من الأحكام التي تباين بها سائر البلاد خمسة أحكام : أحدها أن الحرم لا يدخله محل قدم إليه حتى يحرم لدخوله إما بحج أو بعمرة يتحلل بها من إحرامه .

وقال أبو حنيفة يجوز أن يدخلها المحل إذا لم يرد حجا أو عمرة ، وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام حين دخل مكة عام الفتح حلالا { أحلت لي ساعة من نهار لم تحل لأحد بعدي } مما يدل على وجوب الإحرام على داخلها ، إلا أن يكون ممن يكثر الدخول إليها لمنافع أهلها كالحطابين والسقايين الذين يخرجون منها غدوة ويعودون إليها عشية ، فيجوز لهم دخولها محلين لدخول المشقة عليهم في الإحرام كلما دخلوا فإن علماء مكة أقروهم على دخولها محلين فخالفوا حكم من عداهم ، فإن دخل القادم إليها حلالا فقد أثم ولا قضاء عليه ولا دم ، لأن القضاء متعذر ، فإنه إذا خرج للقضاء كان إحرامه الذي يستأنفه مختصا بدخوله الثاني فلم يصح أن يكون قضاء عن دخوله الأول فتعذر القضاء وأعوز فسقط ، فأما الدم فلا يلزمه لأن الدم يلزم جبران النسك ولا يلزم جبرانا لأصل النسك .

والحكم الثاني أن لا يحارب أهلها لتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم . فإن بغوا على أهل العدل ، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى تحريم قتالهم مع بغيهم ويضيق عليهم حتى يرجعوا عن بغيهم ويدخلوا في أحكام أهل العدل . والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بقتال ; لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز أن تضاع ، ولأن تكون محفوظة في حرمه أولى من أن تكون مضاعة فيه .

فأما إقامة الحدود في الحرم فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنها تقام فيه على من أتاها ولا يمنع الحرم من إقامتها سواء أتاها في الحرم أو في الحل ثم لجأ إلى الحرم وقال أبو حنيفة : إن أتاها في الحرم أقيمت فيه .

وإن أتاها في الحل ثم لجأ إلى الحرم لم يقم عليه فيه ، وألجئ إلى الخروج معه فإذا خرج أقيمت عليه .

والحكم الثالث تحريم صيده على المحرمين والمحلين من أهل الحرم [ ص: 211 ] ومن طرأ إليه ، فإن أصاب في صيده وجب عليه إرساله . فإن تلف في يده ضمنه بالجزاء كالمحرم ، وهكذا لو رمى من الحرم صيدا في الحل ضمنه لأنه قاتل في الحرم . وهكذا لو رمى من الحل صيدا في الحرم ضمنه لأنه مقتول في الحرم .

ولا صيد في الحل ثم أدخل الحرم كان حلالا له عند الشافعي رحمه الله ، وحراما عليه عند أبي حنيفة ولا يحرم قتل ما كان مؤذيا من السباع وحشرات الأرض .

والحكم الرابع يحرم قطع شجره الذي أنبته الله تعالى ، ولا يحرم قطع ما غرسه الآدميون كما لا يحرم فيه ذبح الأنيس من الحيوان ، ولا يحرم رعي خلاه ، ويضمن ما قطعه من محظور شجره ، فيضمن الشجرة الكبيرة ببقرة ، والشجرة الصغيرة بشاة ، والغصن من كل واحد منهما يسقطه من ضمان أصله ، ولا يكون ما استخلف بعد قطع الأصل مسقطا لضمان الأصل .

الحكم الخامس : أن ليس لجميع من خالف دين الإسلام من ذمي أو معاهد أن يدخل الحرم لا مقيما فيه ولا مارا به ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله وأكثر الفقهاء . وجوز أبو حنيفة دخولهم إليه إذا لم يستوطنوه ، وفي قوله تعالى : { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .

نص يمنع ما عداه ، فإن دخله مشرك عزر إن دخله بغير إذن ، ولم يستبح قتله ، وإن دخله بإذن لم يعزر ، وأنكر على الآذن له ، وعزر إن اقتضت حاله التعزير وأخرج منه المشرك آمنا ، وإذا أراد مشرك دخول الحرم ليسلم فيه منع منه حتى يسلم قبل دخوله ، وإذا مات مشرك في الحرم حرم دفنه فيه ودفن في الحل ، فإن دفن في الحرم نقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلي فيترك فيه كما تركت أموات الجاهلية . وأما سائر المساجد فيجوز أن يؤذن لهم في دخولها ما لم يقصد بالدخول استبذالها بأكل أو نوم فيمنعوا . وقال مالك لا يجوز أن [ ص: 212 ] يؤذن لهم في دخولها بحال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث