الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المطلب الأول الشفعة للوقف في شركة الوقف

[ ص: 416 ] المبحث الثالث: الشفعة للوقف، وعليه

تعريف الشفعة:

الشفعة في اللغة: من الشفع، وهو الضم والزيادة.

قال ابن فارس: «الشين والفاء والعين: أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين» .

وقال ابن دريد: «سميت شفعة; لأنه يشفع بها ماله» .

وفي الاصطلاح: عرف بتعاريف كثيرة، منها:

أنها استحقاق الشريك في ملك الرقبة انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد.

وفيه مطالب:

المطلب الأول الشفعة للوقف في شركة الوقف

صورة المسألة: أن تكون هناك أرض مثلا مشاعة بعضها وقف، والآخر [ ص: 417 ] طلق، فإذا بيع الطلق، فهل لناظر الوقف أن يشفع على المشتري بحيث يكون الجميع للوقف.

اختلف العلماء في ثبوت الشفعة للوقف في شركة الوقف على قولين:

القول الأول: ثبوت الشفعة للوقف في شقص شركة الوقف.

وإلى هذا القول ذهب المالكية والشافعية.

القول الثاني: أنه لا شفعة للوقف في شقص شركة الوقف.

وهذا هو قول الحنفية، وإليه أشار بعض الحنابلة.

الأدلة:

أدلة القول الأول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

(246) 1 - ما رواه البخاري ومسلم من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» .

[ ص: 418 ] (247) 2 - ما رواه الترمذي من طريق أبي حمزة السكري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء» .

فهذه الأحاديث تفيد بعمومها ثبوت الشفعة في كل شيء، فتدخل الشفعة في شركة الوقف في عموم تلك الأحاديث.

3 - أن الحكمة من مشروعية الشفعة هو رفع الضرر الناشئ عن الشركة، وهذا الضرر كما يندفع عن الطلق بالشفعة كذلك يندفع عن الوقف بالشفعة، فتثبت الشفعة للوقف دفعة لما قد يلحقه من ضرر.

دليل القول الثاني: أن الوقف لا مالك له، أو أن الملك فيه غير تام، والشفعة إنما تستحق للمالك ملكا تاما.

ونوقش هذا الاستدلال من وجوه:

الوجه الأول: أن هذه مجرد دعوى لا دليل عليها، والذي جاءت به [ ص: 419 ] الأدلة إنما هو رفع الضرر مطلقا، وقطع النزاع الحاصل بسبب الشركة، وهذا يشمل الوقف.

الوجه الثاني: أنه لا يسلم أن الوقف لا مالك له، بل منفعته وثمرته ملك للموقوف عليه، والضرر كما يكون على العين يكون على المنفعة.

الوجه الثالث: أنه اجتهاد مع النص.

الترجيح:

يترجح لي - والله أعلم - القول الأول; وذلك لدلالة النص عليه ولموافقته مقصد الشارع من رفع الضرر الناشئ عن الشركة، ولا شك أن مصلحة الوقف تقتضي إثبات الشفعة له، ففي إثباتها قطع لما قد يحصل من نزاع بين صاحب الشقص الآخر، وبين الموقوف عليه أو الناظر، والله أعلم.

***

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث