الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب منه وأورده النووي في الباب المتقدم

جزء التالي صفحة
السابق

896 (باب منه ) وأورده النووي في الباب المتقدم

(حديث الباب )

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 67- 68 ج5 المطبعة المصرية

[عن محمد بن سيرين. سمعت أبا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي. إما الظهر وإما العصر. فسلم في ركعتين. ثم أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها مغضبا وفي القوم أبو بكر وعمر. فهابا أن يتكلما. وخرج سرعان الناس: قصرت الصلاة. فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا. فقال: "ما يقولذو اليدين؟" قالوا: صدق. لم تصل إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم. ثم كبر [ ص: 539 ] ثم سجد. ثم كبر فرفع. ثم كبر وسجد. ثم كبر ورفع. قال: وأخبرت ، عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم].

التالي السابق


(الشرح)

(عن أبي هريرة ) رضي الله عنه؛ (قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ) بفتح العين وكسر الشين وتشديد الياء.

قال الأزهري: "العشي" عند العرب: ما بين زوال الشمس وغروبها.

(إما الظهر، وإما العصر، فسلم في ركعتين. ثم أتى جذعا في قبلة المسجد، فاستند إليها ) . وكذا جاء في رواية البخاري وغيره: "خشبة".

مغضبا ) بفتح الضاد.

(وفي القوم أبو بكر وعمر ) رضي الله عنهما (فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس يقولون: (قصرت الصلاة ) .

"والسرعان" بفتح السين والراء. هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة. وهكذا ضبطه المتقنون.

"والسرعان": المسرعون إلى الخروج.

ونقل عياض عن بعضهم: إسكان الراء. [ ص: 540 ] وضبطه الأصيلي في البخاري: بضم السين وإسكان الراء. ويكون جمع (سريع ) كقفيز وقفزان. وكثيب وكثبان.

"وقصرت" بضم القاف وكسر الصاد، وروي بفتح القاف وضم الصاد. وكلاهما صحيح. لكن الأول أشهر وأصح.

(فقام ذو اليدين ) وفي رواية: "رجل من بني سليم". وفي رواية: "رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول". وفي رواية: "رجل بسيط اليدين".

هذا كله رجل واحد، واسمه: "الخرباق بن عمرو" بكسر الخاء المعجمة والباء الموحدة. وآخره قاف. ولقبه: "ذو اليدين" لطول كان في يديه. وهو معنى قوله: بسيط اليدين.

(فقال يا رسول الله ! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا وشمالا، فقال: "ما يقول ذو اليدين؟" قالوا: صدق. لم تصل إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع؛ ثم كبر وسجد؛ ثم كبر ورفع.

قال: وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم ) .

وفي هذا الحديث دلائل لمسائل كثيرة. [ ص: 541 ] منها: أن سجود السهو بعد السلام، وقد تقدم عليه الكلام. وأطال النووي في شرحه فروع هذه المسألة. وليست تلك من غرضنا في هذا الكتاب.

والذي ينبغي أن يعلم في هذا الموضع، هو أنه قد اجتمع في مشروعية سجود السهو أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وفي أقواله ما هو بصيغة الأمر، فكان لهذا واجبا. ولكن إذا كان المتروك سنة من السنن التي ليست بواجبة، فالسجود لها مسنون. لأن الفرع لا يزيد على أصله.

وتسمية بعض ما ثبت من فعله صلى الله عليه وسلم وبعض هيئته سنة، ومندوبا، ومستحبا. هو مجرد اصطلاح لأهل علم الفروع، وليس مثل ذلك بحجة.

بل ما تقرر ثبوته من فعله صلى الله عليه وسلم مع المداومة عليه، فهو سنة. وهكذا ما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم ، مقترنا بقرينة تدل على عدم الوجوب.

وهكذا ما خرج عن حديث المسيء في صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم علمه صفة الصلاة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. إلا ما ورد بعد تعليم المسيء بدليل يدل على وجوبه، فإنه مقبول معمول به.

ولا يصرف حديث المسيء عن الوجوب، إلا ما كان من الأقوال والأفعال في الصلاة، ثابتا قبل تعلم المسيء.

وإذا تقرر لك هذا، علمت أن جعل بعض أفعال الصلاة وأقوالها سنة، يسجد فيها للسهو. وبعضها هيئة، لا يسجد فيها. لا ينبغي الالتفات إليه ولا العمل به.

[ ص: 542 ] وقد سجد صلى الله عليه وسلم لتركه التشهد الأوسط، فكان ذلك دليلا للسجود لترك مسنون.

ولكن قد قدمنا لك أن التشهد الأوسط مذكور في حديث المسيء؛ فكان ذلك دليلا على وجوبه. فلا يتم هذا الاستدلال.

ولكن يستدل على السجود لترك المسنون، بحديث ثوبان، عند أبي داود وابن ماجه: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لكل سهو سجدتان" ) .

وقد قيل: إن في إسناده انقطاعا.

ويجاب عنه بأنه رواه أبو داود متصلا، فلا انقطاع.

أما تضعيف الحديث، بأن في إسناده إسماعيل بن عياش، فالمقال الذي فيه لا يوجب طرح حديثه.

ويؤيد هذا الحديث ما رواه البيهقي، من حديث عائشة بلفظ:

(سجدتا السهو تجزئان من كل زيادة ونقصان ) .

وقد قدمنا أن السجود لترك مسنون لا يكون واجبا، لئلا يزيد الفرع على أصله. فغايته أن يكون مسنونا كأصله.

ولم يرد في ترك المسنون، ما يدل على وجوب سجدة السهو كما عرفت. بل يختص الوجوب بما ورد الأمر به. كالأحاديث التي فيها: "وليسجد سجدتين": وليس ذلك في ترك المسنون.

[ ص: 543 ] والكلام على حديث ذي اليدين طويل جدا، قد استوفيناه في "دليل الطالب" وغيره. ولم يرد في هذه الشريعة ما يخالفه قط.

ولكن أبى كثير من المفرعين، إلا بترجيح رأيهم المعكوس، واجتهادهم المنكوس، بلا برهان.

وهكذا يصنع المعتمدون في اتباع الأحكام الشرعية على الرأي، دون الرواية، وإنها لرزية في الدين، وفاقرة من فواقر المفرعين.

فإن قلت: قد تبين بفعله صلى الله عليه وسلم أن تارك الركعة والركعتين، يأتي بهما بعد تسليمه، الذي وقع منه سهوا. فما حكم من ترك مثلا سجدة؟

قلت: حكمه أن يأتي بها قبل أن يسلم، إن ذكرها.

وإن لم يذكرها إلا بعد التسليم، كبر وسجد وسلم. اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم فيما تركه.

والسجود هو جزء من الركعة، وللجزء حكم الكل، وما أبعد هذا من أذهان المقلدين، وأنفر عن طبائعهم ! تم بحمد الله "الجزء الثاني" ويليه الجزء الثالث إن شاء الله وأوله باب في سجود القرآن



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث