الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الصنف الذي يلزم قبوله من الثواب

فصل [في الصنف الذي يلزم قبوله من الثواب]

اختلف في الصنف الذي يلزم قبوله من الثواب على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم: له أن يثيب أي صنف أحب، إلا ما كان مثل الحطب والتبن، فإنه مما لا يتعاطاه الناس بينهم ، وقال سحنون: يلزمه قبول ما أعطاه إذا كان فيه وفاء بالقيمة ، وقال أشهب: الثواب من العين الدنانير والدراهم، ولا يجبر على قبول العرض .

واختلف إذا وجد بالعبد أو العرض عيبا، فقال ابن القاسم: يلزمه قبوله كان فيه بعد العيب وفاء بالقيمة أو كان أقل فأتم له القيمة ما لم يكن العيب [ ص: 3408 ] فاحشا كالجذام والبرص ، وقال أشهب: له أن يرد بما يرد به في البيع; لأنه إنما أخذه عن القيمة ، وقول ابن القاسم أحسن، وليس القصد من الواهب إلا أن يعوض أكثر مما خرج من يده، إلا أنه ينبغي أن يكون له مقال فيما كثر عليه وإن لم يبلغ الجذام، ولا يجبر على قبول ما يتأخر قبضه كخدمة العبد وسكنى الدار، ومن حق الواهب أن يكون الثواب نقدا ولا يعوض آبقا ولا جنينا ولا تمرا لم يصلح للبيع، ومحمل الهبة في هذا الوجه محمل البيع، ولا يعوض من جنس الهبة وأكثر منها بعد الافتراق، ويمنع من ذلك ما يمنع في البيع، فإن كانت الهبة طعاما لم يأخذ أكثر، ولا أجود، خيفة أن يكون عملا على ذلك.

واختلف هل يأخذ أدنى صفة أو كيلا؟ وأن يجوز أحسن، ولا تهمة في الخسارة، ويختلف إذا عوضه دقيقا من حنطة فمنعه ابن القاسم في المدونة، قال: لأن مالكا قال: من باع حنطة فلا يعوض من دقيقها ، وهذا هو أحد قولي مالك فيمن باع زهوا ثم أقال منه بعد أن صار تمرا فمنعه مرة، وجعله بمنزلة من باع رطبا بتمر، وأجازه مرة; لأنه طعامه بعينه، فلا يدخله طعام بطعام، وهو أحسن في الرطب والدقيق، فإن رد جملة الدقيق جاز، وكان الموهوب له قد تفضل بالطحن، فإن رد أقل كان الذي أمسك عوضا عن الطحن، وإن عوضه عنه تمرا أو قطنية قبل أن يفترقا جاز، وأجازه في كتاب [ ص: 3409 ] محمد بعد الافتراق إذا كان الأول قائما، ورآه في هذا الوجه أخف من البيع لما كان له أن يرد الأول، فيصير بمنزلة ما لو باعه حينئذ.

ويختلف إذا فات الأول فمنعه مالك وهو المعروف من قوله ، وذكر محمد بن المواز عنه أنه أجاز أن يثاب عن هبة الحلي إن كان ذهبا فضة، وإن كانت فضة ذهبا، بخلاف البيع ; لأن هبة الثواب خرجت على وجه المعروف والمكارمة، فضعفت التهمة فيه، وأجراها على القرض، وعلى هذا يجوز أن يأخذ عن الحنطة تمرا، ومنع ابن القاسم أن يثاب عن الثياب أكثر منها، خيفة أن يكونا عملا على ذلك، ويجوز ذلك على أحد قولي مالك في الحلي، وهو في الثياب أخف; لأن محمل الهبة محمل بيع النقد، ولا يتهمان في بيع النقد في العرض بأكثر منه، ويتهمان في الصرف وإن كان نقدا على الربا، وإن عوضه منافع سكنى دار أو خدمة عبد أو ركوب دابة جاز إذا كانت الهبة قائمة.

واختلف إذا فاتت فمنعه ابن القاسم وقال: يدخله فسخ الدين في الدين ، وأجازه أشهب في كتاب محمد، واختلف فيه عن مالك ، وقد تقدم ذلك في كتاب الآجال، وإن أثابه دينا قبل فوت الهبة جاز، وإن كان بعد فوتها جاز إذا كان الدين من جنس القيمة، وهو في القدر مثل القيمة فأقل، ولا يجوز أن يثيبه أكثر، ويدخله في جميع ذلك فسخ الدين في الدين، ويدخله مع ذلك في أكثر سلف بزيادة، وفي خلاف الجنس إذا كانت دنانير أو دراهم الصرف المستأخر. [ ص: 3410 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث