الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في الدفع من عرفة ونزول المزدلفة والوقوف بالمشعر الحرام

باب في الدفع من عرفة ونزول المزدلفة والوقوف بالمشعر الحرام

وإذا غربت الشمس دفع الناس من عرفات ، فإذا أتوا المزدلفة جمعوا بين المغرب والعشاء ، ويبدؤوا بالصلاة قبل أن يحطوا رحالهم ، قال مالك : إلا أن يكون الرحل الخفيف ، وأما المحامل والزوامل فيبدؤوا بالصلاة . وفي الحديث : أنه بدأ بالمغرب ، ثم حطت الرحال ، ثم صليت العشاء . واختلف فيمن صلى المغرب قبل المزدلفة ، أو جمع الصلاتين بعد مغيب الشفق وقبل المزدلفة ، فقال ابن القاسم : يعيد الصلاة ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "الصلاة أمامك" . قال : إلا ألا يستطيع أن يمضي مع الناس لعلة به أو بدابته ، فإنه يمهل حتى يغيب الشفق ، ثم يصليها . وقال أشهب في كتاب محمد : لا إعادة عليه ، إلا أن تكون صلاته قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء وحدها .

وهو أحسن ؛ لأن الإتيان بالصلاة في وقتها أفضل ، والتأخير إلى المزدلفة رخصة ؛ لأن الناس بعرفة عند الغروب بمنزلة من غربت عليه الشمس وهو على ظهر ، فيوسع له أن يؤخر حتى يبلغ المنهل ، وهذا فيمن أدرك الوقوف مع الإمام ، فأما من لم يقف مع الإمام فإنه يصلي كل صلاة لوقتها . وقال ابن [ ص: 1217 ] القاسم : إن طمع أن يقف ويرجع إلى المزدلفة في ثلث الليل رأيت أن يؤخر حتى يأتي المزدلفة ، ويجمع بينهما .

ويقيم الناس بالمزدلفة حتى يصبحوا ويصلوا الصبح ، ثم يقفوا بالمشعر الحرام ، ثم يدفعوا قبل الإسفار الثاني .

واختلف في ثلاثة مواضع :

أحدها : إذا دفع من عرفة إلى منى ، ولم ينزل بالمزدلفة . فقال مالك : عليه الدم . فإن نزل بها ثم دفع أول الليل ووسطه فلا دم عليه . وقال عبد الملك ابن الماجشون في المبسوط : لا دم عليه إن دفع من عرفات إلى منى .

والثاني : إذا أتى بعد الفجر ، ثم نزل بالمزدلفة ، فقال ابن القاسم : لا دم عليه . وقال أشهب : عليه الدم .

والثالث : إذا نزل بالمزدلفة ولم يقف بالمشعر الحرام ، فقال مالك وابن القاسم : لا دم عليه ، وإن وقف بالمشعر الحرام ولم ينزل بالمزدلفة كان عليه الدم . وجعلوا النزول بالمزدلفة آكد من الوقوف بالمشعر الحرام . وقال عطاء وابن شهاب وغيرهما : عليه الدم . وقال علقمة والشعبي والنخعي : إذا لم يقف بالمشعر الحرام فقد فاته الحج . وهذا الأمر لقول الله تعالى في الوقوف بالمشعر الحرام : فاذكروا الله عند المشعر الحرام ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "من شهد [ ص: 1218 ] صلاتنا هذه ، ووقف معنا حتى يدفع ، ووقف قبل ذلك بعرفة فقد تم حجه" ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : "من أدرك جمعا فوقف مع الناس حتى يفيض فقد أدرك ، ومن لم يدرك ذلك فلا حج له" . وفي كتاب مسلم : "أن ابن عمر كان يقدم ضعفة أهله ، فيقفون عند المشعر الحرام بالليل ، فيذكرون الله ما بدا لهم ، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام ، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ، ومنهم من يقدم بعد ذلك ، فإذا قدموا رموا الجمرة ، وكان يقول : أرخص لأولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" . فأمر أهله بالوقوف قبل الفجر ، وجعل الرخصة في تعجيل الوقوف ليس في إسقاطه ، وذكر محمد بن المواز عنه مثل ذلك . [ ص: 1219 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث