الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب وجوب الاستنجاء بالحجر أو الماء

جزء التالي صفحة
السابق

102 - ( وعن ابن عباس { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين ، فقال : إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة } . رواه الجماعة ، وفي رواية للبخاري والنسائي ، " وما يعذبان في كبير " ، ثم قال : " بلى كان أحدهما " ، وذكر الحديث ) .

التالي السابق


قوله : ( فقال : إنهما يعذبان ) أعاد الضمير إلى القبرين مجازا والمراد من فيهما . قوله : ( لا يستتر ) بمثناتين من فوق ، الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وهو هكذا في أكثر الروايات قاله ابن حجر في الفتح . وفي رواية لمسلم وأبي داود " يستنزه " بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء وفي رواية لابن عساكر " يستبرئ " بموحدة ساكنة من الاستبراء فعلى الرواية الأولى معنى الاستتار أن لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه فتوافق الرواية الثانية لأنها من التنزه وهو الإبعاد .

وقد وقع عند أبي نعيم : " كان لا يتوقى " وهو مفسر للمراد وأجراه بعضهم على ظاهره فقال : معناه : لا يستر عورته ، وضعف لأن التعذيب لو وقع [ ص: 120 ] على كشف العورة لاستقل الكشف بالسببية وأطرح اعتبار البول . وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية ، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى . وقد ثبت من حديث أبي هريرة مرفوعا : { أكثر عذاب القبر من البول } أي بسبب ترك التحرز منه وقد صححه ابن خزيمة وسيأتي حديث : { تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه } قال ابن دقيق العيد : وأيضا فإن لفظة من لما أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة ، أو ما يرجع إلى معنى ابتداء الغاية مجازا تقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول .

يعني أن ابتداء سبب عذابه من البول ، وإذا حملناه على كشف العورة زال هذا المعنى . قوله : ( من بوله ) هذه الرواية ترد مذهب من حمل البول على العموم واستدل به على نجاسة جميع أبوال الحيوانات ، وقد سبق الكلام على ذلك في باب الرخصة في بول ما يؤكل لحمه . قوله : ( يمشي بالنميمة ) قال النووي : هي نقل كلام الغير بقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح . وتعقبه الكرماني فقال : هذا لا يصلح على قاعدة الفقهاء فإنهم يقولون : الكبيرة هي الموجبة الحد ولا حد على المشي بالنميمة ، وتعقبه الحافظ أنه ليس قول جميعهم لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حكى في تعريف الكبيرة وجهين : أحدهما : هذا ، والثاني : ما فيه وعيد شديد قال : وهم إلى الأول أميل ، والثاني : أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر انتهى .

وللبحث في ذلك موضع غير هذا الموضع . قوله : ( ثم قال : بلى ) أي وإنه لكبير وقد صرح بذلك البخاري في الأدب من طريق عبيدة بن حميد عن منصور عن الأعمش ولم يخرجها مسلم . وهذه الزيادة ترد ما قاله ابن بطال من أن الحديث يدل على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد يقع على الصغائر ، وقد ورد مثلها من طريق أبي بكرة عند أحمد والطبراني . وقد اختلف في معنى هذه الزيادة بعد .

قوله : ( وما يعذبان في كبير ) فقال أبو عبد الملك : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم ظن أن ذلك غير كبير فأوحى إليه في الحال بأنه كبير فاستدرك ، وتعقب بأنه يستلزم أن يكون نسخا والنسخ لا يدخل الخبر ، وأجيب بأن الخبر بالحكم يجوز نسخه وقيل : يحتمل أن الضمير في قوله ، وأنه يعود على العذاب لما ورد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة : { يعذبان عذابا شديدا في ذنب هين } وقيل : الضمير يعود على أحد الذنبين وهي النميمة ، لأنها من الكبائر بخلاف كشف العورة ، وهذا مع ضعفه غير مستقيم لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة كما سلف .

وقال الداودي : إن الكبير المنفي بمعنى أكبر والمثبت واحد الكبائر أي ليس ذلك بأكبر الكبائر كالقتل مثلا وإن كان كبيرا في الجملة وقيل : المعنى : ليس بكبير في الصورة لأن تعاطي ذلك يدل على الدناءة والحقارة وهو كبير في الذنب . وقيل ليس بكبير في اعتقادهما أو في اعتقاد [ ص: 121 ] المخاطبين ، وهو عند الله كبير . وقيل إنه ليس بكبير في مشقة الاحتراز أي كأن لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك ، وهذا الأخير جزم به البغوي وغيره ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة . وقيل : ليس بكبير بمجرده وإنما صار كبيرا بالمواظبة عليه ويرشد إلى ذلك السياق فإنه وصف كلا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره عليه للإتيان بصيغة المضارعة بعد كان . ذكر معناه في الفتح .

والحديث يدل على نجاسة البول من الإنسان ووجوب اجتنابه وهو إجماع ، ويدل أيضا على عظم أمره وأمر النميمة ، وأنهما من أعظم أسباب عذاب القبر . قال ابن دقيق العيد : وهو محمول على النميمة المحرمة ، فإن النميمة إذا اقتضى تركها مفسدة تتعلق بالغير أو فعلها نصيحة يستضر الغير بتركها لم تكن ممنوعة ، كما نقول في الغيبة إذا كانت للنصيحة أو لدفع المفسدة لم تمنع ولو أن شخصا اطلع من آخر على قول يقتضي إيقاع ضرر بإنسان فإذا نقل إليه ذلك القول احترز عن ذلك الضرر لوجب ذكره له انتهى .

والحديث أيضا يدل على إثبات عذاب القبر وقد جاءت الأحاديث المتواترة بإثباته . وخلاف بعض المعتزلة في ذلك من الأباطيل التي لا مستند لها إلا مجرد الهوى .

( فائدة ) لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما والظاهر أن ذلك كان على عمد من الرواة لقصد الستر عليهما ، وهو عمل مستحسن ، وينبغي أن لا يبالغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به .

وما حكاه القرطبي في التذكرة وضعفه أن أحدهما سعد بن معاذ فقال الحافظ : إنه قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقرونا ببيانه ، ومما يدل على بطلان الحكاية المذكورة أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت في الحديث الصحيح . وأما قصة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( من دفنتم اليوم ههنا ) فدل على أنه لم يحضرهما ، وقد اختلف في المقبورين فقيل : كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المديني واستدل بما وقع في حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم : { مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية } وفي إسناده ابن لهيعة . وجزم ابن العطار في شرح العمدة بأنهما كانا مسلمين قال : لأنهما لو كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجاه لهما ، ولو كان ذلك من خصائصه لبينه كما في قصة أبي طالب .

قال الحافظ : الظاهر من مجموع طرق حديث الباب أنهما كانا مسلمين ففي رواية ابن ماجه : { مر بقبرين جديدين } فانتفى كونهما في الجاهلية .

وفي حديث أبي أمامة عند أحمد { أنه صلى الله عليه وسلم مر بالبقيع فقال : من دفنتم اليوم ههنا } كما تقدم فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين ، قال : ويؤيده ما في رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح : { يعذبان وما يعذبان في كبير ، وبلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول } فهذا الحصر ينفي [ ص: 122 ] كونهما كانا كافرين لأن الكافر يعذب على كفره بلا خلاف .

قال : وأما ما احتج به أبو موسى فهو ضعيف كما اعترف به . وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم ، وليس فيه ذكر سبب التعذيب فهو من تخليط ابن لهيعة انتهى ملتقطا من الفتح .

103 - ( وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { تنزهوا من البول ، فإن عامة عذاب القبر منه } . رواه الدارقطني ) .

الحديث رواه الدارقطني من طريق أبي جعفر الرازي عن قتادة عنه وصحح إرساله ونقل عن أبي زرعة أنه المحفوظ . وقال أبو حاتم : رويناه من حديث ثمامة عن أنس والصحيح إرساله . ورواه الدارقطني من حديث أبي هريرة ، وفي لفظ له وللحاكم وابن ماجه وأحمد : { أكثر عذاب القبر من البول } قال الحافظ في بلوغ المرام : وهو صحيح الإسناد انتهى .

وأعله أبو حاتم فقال : إن رفعه باطل .

وفي الباب عن ابن عباس رواه عبد بن حميد في مسنده والحاكم والطبراني وغيرهم ، وإسناده حسن ليس فيه غير أبي يحيى القتات وفيه لين . ولفظه : { إن عامة عذاب القبر بالبول فتنزهوا منه } .

وعن عبادة بن الصامت في مسند البزار ولفظه : { سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول فقال : إذا مسكم شيء فاغسلوه فإني أظن أن منه عذاب القبر } وإسناده حسن .

وقال سعيد بن منصور : حدثنا خالد عن يونس بن عبيد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر من البول } ورواته ثقات مع إرساله .

ويؤيد الحديث ما ثبت في الصحيحين وغيرهما في الحديث الذي قبل هذا . قوله : ( تنزهوا من البول ) التنزه : البعد . قوله : ( فإن عامة عذاب المقبر منه ) عامة الشيء : معظمه ، والمراد أنه أكثر أسبابه .

والحديث يدل على وجوب الاستنزاه من البول مطلقا من غير تقيد بحال الصلاة ، وإليه ذهب أبو حنيفة وهو الحق لكن غير مقيد بما ذكره من استثناء مقدار الدرهم فإنه تخصيص بغير مخصص . وقال مالك : إزالته في غير وقت الصلاة ليست بفرض واعتذر له عن الحديث بأن صاحب القبر إنما عذب لأنه كان يترك البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور ، لأن الوضوء لا يصح مع وجوده وهو تقييد لم يدل عليه دليل ، وقد أمر الله بتطهير الثياب ولم يقيده بحالة مخصوصة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث