الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب صلاة العيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة وما يقرأ فيها

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 349 ] باب صلاة العيد قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة وما يقرأ فيها

1284 - ( عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة } رواه الجماعة إلا أبا داود ) .

التالي السابق


وفي الباب عن جابر عند البخاري ومسلم وأبي داود قال : { خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلى قبل الخطبة } .

وعن ابن عباس عند الجماعة إلا الترمذي قال : { شهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة } وفي لفظ : { أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلى قبل الخطبة } .

وعن أنس عند البخاري ومسلم : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم النحر ثم خطب } .

وعن البراء عند البخاري ومسلم وأبي داود قال : { خطب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الأضحى بعد الصلاة } .

وعن جندب عند البخاري ومسلم : { صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ثم خطب ثم ذبح } .

وعن أبي سعيد عند البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه قال : { خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أضحى أو فطر إلى المصلى ، فصلى ثم انصرف فقام فوعظ الناس } الحديث .

وعن عبد الله بن السائب عند أبي داود والنسائي وابن ماجه قال : { شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العيد ، فلما قضى الصلاة قال : إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب } قال أبو داود : وهو مرسل . وقال النسائي : هذا خطأ ، والصواب مرسل .

وعن عبد الله بن الزبير عند أحمد " أنه قال حين صلى قبل الخطبة ثم قام يخطب : أيها الناس كل سنة الله وسنة رسوله " قال العراقي : وإسناده جيد . وأحاديث الباب تدل على أن المشروع في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة . قال القاضي عياض : هذا هو المتفق عليه بين علماء الأمصار وأئمة الفتوى ، ولا خلاف بين أئمتهم فيه وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده ، إلا ما روي أن عمر في شطر خلافته الآخر قدم الخطبة ; لأنه رأى من الناس من تفوته الصلاة وليس بصحيح ، ثم قال : وقد فعله ابن الزبير في آخر أيامه .

وقال ابن قدامة : لا نعلم فيه خلافا بين المسلمين إلا عن بني أمية قال : وعن ابن عباس وابن الزبير أنهما فعلاه ولم يصح عنهما ، قال : ولا يعتد بخلاف بني أمية ; لأنه مسبوق بالإجماع الذي كان قبلهم ، ومخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة ، وقد أنكر عليهم فعلهم وعد بدعة ومخالفا للسنة . وقال العراقي : إن تقديم الصلاة على الخطبة قول العلماء كافة . وقال : إن ما روي عن عمر وعثمان وابن الزبير لم يصح عنهم ، أما رواية ذلك عن عمر فرواها ابن أبي شيبة : [ ص: 350 ] أنه لما كان عمر وكثر الناس في زمانه ، فكان إذا ذهب ليخطب ذهب أكثر الناس ، فلما رأى ذلك بدأ بالخطبة وختم بالصلاة ، قال : وهذا الأثر وإن كان رجاله ثقات فهو شاذ مخالف ما ثبت في الصحيحين عن عمر من رواية ابنه عبد الله وابن عباس وروايتهما عنه أولى قال : وأما رواية ذلك عن عثمان فلم أجد لها إسنادا . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : يقال : إن أول من قدمها عثمان ، وهو كذب لا يلتفت إليه . انتهى . ويرده ما ثبت في الصحيحين من رواية ابن عباس عن عثمان كما تقدم . وقال الحافظ في الفتح : إنه روى ابن المنذر ذلك عن عثمان بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال : أول من خطب الناس قبل الصلاة عثمان .

قال الحافظ : ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا ، وقال بعد أن ساق الرواية المتقدمة عن عمر وعزاها إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة وصحح إسنادها : إنه يحمل على أن ذلك وقع منه نادرا .

قال العراقي : وأما فعل ابن الزبير فرواه ابن أبي شيبة في المصنف ، وإنما فعل ذلك لأمر وقع بينه وبين ابن عباس ، ولعل ابن الزبير كان يرى ذلك جائزا .

وقد تقدم عن ابن الزبير أنه صلى قبل الخطبة . وثبت في صحيح مسلم عن عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له أنه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها ، قال : فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه ، وأرسل إليه مع ذلك : إنما الخطبة بعد الصلاة ، وإن ذلك قد كان يفعل ، قال : فصلى ابن الزبير قبل الخطبة . قال الترمذي : ويقال : إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم . انتهى .

وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان . وقيل : أول من فعل ذلك معاوية ، حكاه القاضي عياض وأخرجه الشافعي عن ابن عباس بلفظ : " حتى قدم معاوية فقدم الخطبة " ورواه عبد الرزاق عن الزهري بلفظ : " أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية " . وقيل : أول من فعل ذلك زياد في البصرة في خلافة معاوية ، حكاه القاضي عياض أيضا . وروى ابن المنذر عن ابن سيرين أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة قال : ولا مخالفة بين هذين الأثرين وأثر مروان ; لأن كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية فيحمل على أنه ابتدأ ذلك وتبعه عماله . قال العراقي : الصواب أن أول من فعله مروان بالمدينة في خلافة معاوية كما ثبت ذلك في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ، قال : ولم يصح فعله عن أحد من الصحابة لا عمر ولا عثمان ولا معاوية ولا ابن الزبير انتهى . وقد عرفت صحة بعض ذلك ، فالمصير إلى الجمع أولى .

وقد اختلف في صحة صلاة العيدين مع تقدم الخطبة ، ففي مختصر المزني عن الشافعي ما يدل على عدم الاعتداد بها . وكذا قال النووي في شرح المهذب : إن ظاهر نص الشافعي أنه لا يعتد بها ، قال : وهو الصواب . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث