الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تسنيم القبر ورشه بالماء وتعليمه ليعرف وكراهة البناء والكتابة عليه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 101 ] باب تسنيم القبر ورشه بالماء وتعليمه ليعرف وكراهة البناء والكتابة عليه

1469 - ( عن سفيان التمار أنه { رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما . } رواه البخاري في صحيحه ) .

1470 - ( وعن القاسم قال : { دخلت على عائشة فقلت : يا أمه بالله اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ، ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء . } رواه أبو داود ) .

التالي السابق


الرواية الأولى أخرجها أيضا ابن أبي شيبة من طريق سفيان المذكور ، وزاد : وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك . وكذلك أخرجه أبو نعيم ، وذكر هذه الزيادة التي ذكرها ابن أبي شيبة . والرواية الثانية أخرجها أيضا الحاكم من هذا الوجه ، وزاد " ورأيت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدما ، وأبا بكر رأسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وفي الباب عن صالح بن أبي صالح عند أبي داود في المراسيل قال : ( رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم شبرا أو نحو شبر ) وعن عثيم بن بسطام المديني عند أبي بكر الآجري في كتاب صفة قبر النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رأيت قبره صلى الله عليه وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع ، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه . " قوله : ( مسنما ) أي مرتفعا . قال في القاموس : التسنيم ضد التسطيح ، وقال : سطحه كمنعه بسطه

قوله : ( ولا لاطئة ) أي ولا لازقة بالأرض . وقد اختلف أهل العلم في الأفضل من التسنيم والتسطيح بعد الاتفاق على جواز الكل ، فذهب الشافعي وبعض أصحابه والهادي والقاسم والمؤيد بالله إلى أن التسطيح أفضل . واستدلوا برواية القاسم بن محمد بن أبي بكر المذكورة وما وافقها قالوا : وقول سفيان التمار لا حجة فيه ، كما قال البيهقي ، لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وسلم لم يكن في الأول مسنما ، بل كان في أول الأمر مسطحا ، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة . وبهذا يجمع بين الروايات . ويرجح التسطيح ما سيأتي من أمره صلى الله عليه وسلم عليا " أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه " وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية ، وادعى القاضي حسين اتفاق أصحاب الشافعي عليه ، [ ص: 102 ] ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء أن التسنيم أفضل ، وتمسكوا بقول سفيان التمار والأرجح أن الأفضل التسطيح لما سلف .

1471 - ( وعن أبي الهياج الأسدي عن علي قال : { أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته . } رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه ) قوله : ( عن أبي الهياج ) هو بفتح الهاء وتشديد الياء ، واسمه حيان بن حصين

قوله : ( لا تدع تمثالا إلا طمسته ) فيه الأمر بتغيير صور ذوات الأرواح . قوله : ( ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعا كثيرا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل . والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم ، وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك ، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في الغيث لا يصح ; لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك ، والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية ، وتحريم رفع القبور ظني ، ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد المعمورة على القبور ، وأيضا هو من اتخاذ القبور مساجد ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعل ذلك كما سيأتي ، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام ، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام : وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم ، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا

وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا ، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا ، فإذا قيل له بعد ذلك : احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق . وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال : إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة ، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين ، أي رزء للإسلام أشد من الكفر ، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله ؟ [ ص: 103 ] وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة ؟ وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا :

لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي     ولو نارا نفخت بها أضاءت
ولكن أنت تنفخ في رماد

1472 - ( وعن جعفر بن محمد عن أبيه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء } . رواه الشافعي ) . .

1473 - ( وعن أنس { أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة . } رواه ابن ماجه ) .

الحديث الأول مرسل ، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور والبيهقي من هذا الوجه مرسلا بهذا اللفظ وزاد " أو رفع قبره قدر شبر " .

وفي الباب عن جابر عند البيهقي قال : " رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم بالماء رشا ; فكان الذي رش على قبره بلال بن رباح بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه " وفي إسناده الواقدي والكلام فيه معروف . وفي الباب عن عامر بن ربيعة تقدم في الباب الأول

وروى سعيد بن منصور أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ; وإلى مشروعية الرش على القبر ذهب الشافعي وأبو حنيفة والقاسمية . والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن عدي قال أبو زرعة . هذا خطأ والصواب رواية من روى عن المطلب بن حنطب وسيأتي . وقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بإسناد آخر وفيه ضعف . ورواه الحاكم في المستدرك في ترجمة عثمان بن مظعون بإسناد آخر فيه الواقدي من حديث أبي رافع فذكر معناه .

وروى أبو داود من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : { لما مات عثمان بن مظعون خرج بجنازته فدفن ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتي بحجر ، فلم يستطع حمله ، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه ، قال المطلب : قال الذي أخبرني : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما . ثم حمله فوضعه عند رأسه وقال : أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي } قال الحافظ : وإسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد رواية عن المطلب وهو صدوق انتهى والمطلب ليس صحابيا ولكنه بين أن مخبرا أخبره ولم يسمه ، وإبهام الصحابي لا يضر .

وفيه دليل على جواز جعل علامة على قبر الميت كنصب حجر أو نحوه . قال الإمام يحيى : فأما نصب حجرين على المرأة وواحدة على [ ص: 104 ] الرجل فبدعة . قال في البحر : قلت : لا بأس به لقصد التميز لنصبه على قبر ابن مظعون .

1474 - ( وعن جابر قال : { نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه . } رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه : نهى أن تجصص القبور ، وأن يكتب عليها ، وأن يبنى عليها ، وأن توطأ .

وفي لفظ النسائي : نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه ) .

الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وابن حبان والحاكم . وقال الحاكم : " الكتابة " وإن لم يذكرها مسلم فهي على شرطه وهي صحيحة غريبة

وقال أهل العلم من أئمة المسلمين : من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك . وفي الباب عن ابن مسعود ذكره صاحب مسند الفردوس عن الحاكم مرفوعا " لا يزال الميت يسمع الآذان ما لم يطين عليه " قال الحافظ : وإسناده باطل ، فإنه من رواية محمد بن القاسم الطايكاني وقد رموه بالوضع قوله : ( أن يجصص القبر ) في رواية لمسلم " عن تقصيص القبور " والتقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص . والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة : هي الجص ، وفيه تحريم تجصيص القبور

وأما التطيين فقال الترمذي : وقد رخص قوم من أهل العلم في تطيين القبور منهم الحسن البصري والشافعي . وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه { أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع قبره من الأرض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة . } وحكي في البحر عن الهادي والقاسم أنه لا بأس بالتطيين لئلا ينطمس . وقال الإمام يحيى وأبو حنيفة : يكره : قوله : ( وأن يقعد عليه ) فيه دليل على تحريم القعود على القبر ، وإليه ذهب الجمهور . وقال مالك في الموطأ : المراد بالقعود الحدث

قال النووي : وهذا تأويل ضعيف أو باطل ، والصواب أن المراد بالقعود الجلوس ، ومما يوضحه الرواية الواردة بلفظ : ( لا تجلسوا على القبور ) كما سيأتي قوله : ( وأن يبنى عليه ) فيه دليل على تحريم البناء على القبر . وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا : إن كان البناء في ملك الباني فمكروه ، وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام ، ولا دليل على هذا التفصيل . وقد قال الشافعي : رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى ، ويدل على الهدم حديث علي المتقدم قوله : ( وأن يكتب عليها ) فيه تحريم الكتابة على القبور ، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها . وقد استثنت الهادوية رسم الاسم فجوزوه لا على وجه الزخرفة قياسا على وضعه صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان كما تقدم [ ص: 105 ] وهو من التخصيص بالقياس ، وقد قال به الجمهور ، لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال " في ضوء النهار " ، ولكن الشأن في صحة هذا القياس قوله : ( وأن توطأ ) فيه دليل على تحريم وطء القبر ، والكلام فيه كالكلام في القعود عليه ، ولعل مالكا لا يخالف هنا قوله : ( أو يزاد عليه ) بوب على هذه الزيادة البيهقي : باب " لا يزاد على القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع " . وظاهره أن المراد بالزيادة عليه الزيادة على ترابه وقيل المراد بالزيادة عليه أن يقبر ميت على قبر ميت آخر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث