الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الحث عليها والتشديد في منعها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه دليل أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار وآخره دليل في إثبات العموم انتهى

1532 - ( وعن أبي هريرة رضي الله عنه : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر ، وكفر من كفر من العرب ، فقال عمر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى } ، فقال : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ، قال عمر : فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق رواه الجماعة إلا ابن ماجه ، لكن في لفظ مسلم والترمذي وأبي داود : لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه بدل العناق )

التالي السابق


يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرا إذا لم يرض رب المال ، وعلى أنه يكتفي بنية الإمام كما ذهب إلى ذلك الشافعي والهادوية ، وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي في أحد قوليه قوله : ( وشطر ماله ) أي بعضه وقد استدل به على أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال ، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم من قوليه ثم رجع عنه وقال : إنه منسوخ ، وهكذا قال البيهقي وأكثر الشافعية قال في التلخيص : وتعقبه النووي فقال : الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف ، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ

وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال وحكى صاحب ضوء النهار عن النووي أنه نقل الإجماع مثلهما وهو يخالف ما قدمنا عنه فينظر وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء ; لأنه صلى الله عليه وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت ، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم في تلك القضية أضعف الغرامة ولا يخفى أن تركه صلى الله عليه وسلم للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقا ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخا ألبتة وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الإمام يحيى والهادوية [ ص: 148 ] وقال في الغيث : لا أعلم في جواز ذلك خلافا بين أهل البيت واستدلوا بحديث بهز هذا بهم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة ، وقد تقدم في الجماعة وبحديث عمر عند أبي داود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه } وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني قال البخاري : عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل وقال الدارقطني : أنكروه على صالح ولا أصل له ، والمحفوظ أن سالما أمر بذلك في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام قال أبو داود : وهذا أصح وبحديث ابن عمرو بن العاص عند أبي داود والحاكم والبيهقي { أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه } .

وفي إسناده زهير بن محمد ، قيل : هو الخراساني ، وقيل غيره ، وهو مجهول ; وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الجهاد وله شاهد مذكور هنالك وبحديث أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدا وجده يصيد في حرم المدينة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { من وجدتموه يصيد فيه فخذوا سلبه } أخرجه مسلم ، وبحديث تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها وحديث تضمين من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق مثليه ، كما أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري من حديث عبد الله بن عمرو { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال : من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه ، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة } وأخرج نحوه النسائي والحاكم وصححه ،

وسيأتي في كتاب السرقة ومن الأدلة قضية المددي الذي أغلظ لأجله الكلام عوف بن مالك { عن خالد بن الوليد لما أخذ سلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ترد عليه } أخرجه مسلم ، وبإحراق علي بن أبي طالب عليه السلام لطعام المحتكرين ودور قوم يبيعون الخمر ، وهدمه دار جرير بن عبد الله ، ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه ، وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده وانتحروها ، وتغليظه . هو وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام

وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة . أما عن حديث بهز فبما فيه من المقال وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد والحافظ في التلخيص عن إبراهيم الحربي أنه قال : في سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوي ، وإنما هو : " فإنا آخذوها من شطر ماله " أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة ، فأما ما لا يلزمه فلا ، وبما قال بعضهم : إن لفظة : " وشطر ماله " بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة فعل مبني للمجهول ، ومعناه : جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي شطرين أراد [ ص: 149 ] ويجاب عن القدح بما في الحديث من المقال بأنه مما لا يقدح بمثله

وعن كلام الحربي وما بعده بأن الأخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة بالمال لأنه زائد على الواجب وأما حديث هم النبي صلى الله عليه وسلم بالإحراق فأجيب عنه بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات والهم ليس من الثلاثة . ويرد بأنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بالجائز

وأما حديث عمر فيما فيه من المقال المتقدم وكذلك أجيب عن حديث ابن عمرو وأما حديث سعد بن أبي وقاص فبأنه من باب الفدية كما يجب على من يصيد صيد مكة ، وإنما عين صلى الله عليه وسلم نوع الفدية هنا بأنها سلب العاضد فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هي هتك الحرمة عن التعدية وأما حديث تغريم كاتم الضالة والمخرج غير ما يأكل من الثمر ، وقضية المددي فهي واردة على سبب خاص فلا يجاوز بها إلى غيره ; لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابا وسنة بتحريم مال الغير ، قال الله تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة } ، { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } ، وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع : { إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم } الحديث قد تقدم ، وقال : { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه } وأما تحريق علي طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه ، وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير وأما المروي عن عمر من ذلك فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضا قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة ، وكذلك المروي عن ابن عباس قوله : ( عزمة من عزمات ربنا ) قال في البدر المنير : عزمة خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك عزمة وضبطه صاحب إرشاد الفقه بالنصب على المصدر ، وكلا الوجهين جاز من حيث العربية ومعنى العزمة في اللغة : الجد في الأمر وفيه دليل على أن أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام ، والعزائم : الفرائض كما في كتب اللغة

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث